الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

يشمل المواضيع والمشاركات الاسلامية

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

روى البيهَقِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لمعَاذِ بنِ جَبَلٍ(إياكَ والتنعُّمُ فإنَّ عِبَادَ اللهِ ليسُوا بالمتنعِّمينَ)«

أيْ خِيارَ عِبَادِ اللهِ ليسُوُا كذلكَ والتنعُّمُ هُوَ الاستمرَارُ بالتلذُّذِ بالطعامِ والشرابِ ومَفَاخِرَ الثيابِ ونحوِ ذلكَ أمَّا إذا كَانَ في بعضِ الأوقاتِ يأكلُ الطَّعَامَ اللذيذَ أو يلبَسُ اللباسَ الجميلَ لا بأسَ هذا لا يكونُ تنَعُّمًا وكذلكَ إذا أكلَ اللحمَ في بعضِ الأَحْيانِ لحِفْظِ بَدَنهِ هذا لا يُنَافي تَرْكَ التنعُّمِ

ثمَّ إنَّ تركَ التنعُّمِ عَمَلُ الأَنبياءِ والأَولياءِ لأَنهم يَنْظُرُونَ إلى راحَةِ مُسْتقْبَلهِم وهذا مَقَامٌ كبيرٌ يصْعُبُ على النفسِ وذلكَ لأَنَّ التنعُّمَ يحُولُ بينَ الشخصِ وبينَ تقْدِيمِ مَا يَنْفَعُهُ لآخِرَتهِ ويكونُ لَهُ ذخْرًا لأَنَّ الذي يَلزَمُ التنعُّمَ في عيشَتهِ نفسُهُ تَمْنَعُهُ عن تقدِيمِ مَا يكونُ ذخْرًا لَهُ في الآخِرَة تقولُ لهُ إذا قَدَّمتَ هذا تَنْقُصُ عَليكَ وسَائلُ التنعُّمِ فَيَمْنَعُهُ عن تقديمِ هذا العملِ الذي هوَ عَمَلُ برٍّ وإحسانٍ حُبُّ الدُّنيا إذا اسْتوْلى على القَلبِ هَانَ على صَاحِبهِ كُلُّ المفَاسِدِ.

عيسى عليهِ السَّلامُ كانَ يَلبَسُ الشعَرَ أي الصُّوفَ الذي يخْرُجُ مِنَ الغَنَمِ مِنْ غَيرِ أنْ يُنْسَجَ وغيرَ ذلكَ ويَأكُلُ الشَجَرَ أي مِنْ بُقُولِ الأرضِ مِنْ نحوِ الملوخيَّةِ والهُندباءِ والخبيزةِ مِنْ دُونِ طَبْخٍ يَبيتُ حيثُ يُدْرِكُهُ المساءُ كَانَ يَبيتُ في المسجِدِ كَانوا يُسَمُّونَهَا بِيـْعَةً أو يَبيتُ في البريَّةِ تحتَ شجرةٍ.

والرَّسُولُ كَانَ يُنْقَعُ لهُ الزَّبيبُ فيبيتُ الليلةَ ثمَّ يشربُ مِنْهُ ثمَّ الليلةَ الثانيةَ يشربُ والثالثةَ يشربُ ثمَّ قدْ يُسقِيهِ غيرَهُ أو يشرَبهُ أو يُرمَى لأَنهُ في البلادِ الحارَّة يُخشَى أنْ يصيرَ خَمْرًا في اليومِ الرَّابعِ أو الخامِسِ فالذي يترُكُ التنعُّمَ أقرَبُ إلى مواساةِ الغيرِ لذلكَ تَرْكُ التنعُّمِ طريقٌ إلى تنويرِ القلبِ

وأمَّا قولُه تعالى : (ولا تنس نصيبك من الدّنيا) فمعناهُ لا تنسَ أنْ تتزوَّدَ مِنْ دُنياكَ لآخِرَتكِ

الرَّسُولُ كانَ يَمْضِي عليهِ الشَّهرُ ثمَّ الشهرُ ولا يُوقَدُ في بيتهِ نارٌ كانَ يأكلُ التمْرَ والماءَ
التنعُّمُ ليسَ من شِيَمِ الأنبياءِ ،

اعلمْ رَحِمَكَ اللهُ أنَّ العلمَ الإِسلاميَّ نُشِرَ في الصَّدْر الأَولِ بشدَّةِ
الهِمَّةِ ليسَ بكَثرة الرَّاحَةِ فَمِنْ حيثُ الرَّاحَةُ كانوا أقلَّ مِنَّا بكثيرٍ الفقيرُ مِنَّا اليومَ بالنسْبَةِ إليهم يعيشُ عِيْشَةَ الملوكِ كانَ أكثرُ أهلِ الحِجَاز ناحِيَةَ المدينةِ أغْلَبُ قُوتهِم التمرُ والماءُ أمَّا الضَّواحي التي هِيَ بلادٌ زرَاعِيَّةٌ يقْتاتونَ بالقمحِ والشعيرِ ونحوِ ذلكَ.

وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

قال تعالى في سورة البقرة / 153 : (( ياايها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ))
صدق الله العلي العظيم
1- (( ياايها الذين امنوا )) :-
خطاب منه سبحانه وتعالى الى المؤمنين لارتفاعهم درجة عن المسلمين لان المسلم يختلف عن المؤمن حيث إن بينهما نسبة عموم وخصوص مطلق فكل مؤمن هو مسلم وليس كل مسلم مؤمن . لان المسلم يشهد الشهادتين ويقر بالفرائض لكن لايطبقها على نفسه . فنقول مسلم ولكنه ليس بمؤمن لان الإيمان إقرار وعمل وتصديق – ورد في الكافي وفي كتاب ورثة الفردوس ص 15 عن سلام الجعفي قال : سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان ؟ فقال عليه السلام : ان يطاع الله فلا يعصى – وقال علي بن إبراهيم في تفسيره : والإيمان في كتاب الله تعالى على اربعة أوجه هي :- 1- اقرار باللسان .
2- تصديق بالقلب .
3- الاداء
4- التاييد .
وجاء في كتاب ورثة الفردوس ص 15 انه سال رجل الامام الصادق عليه السلام : اوقفني عند حدود الايمان ؟ فقال عليه السلام :-
1- شهادة ان لااله الا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
2- والاقرار بما جاء به صلى الله عليه واله وسلم من عند الله
3- والصلوات الخمس
4- واداء الزكاة
5- وصوم شهر رمضان
6- وحج البيت
7- وولاية ولينا
8- وعداوة عدونا
9- والدخول مع الصادقين
2- (( استعينوا )) :-
طلبت الاية المباركة من المؤمنين الاستعانة وهي العون . كما قال تعالى في سورة الفاتحة ( اياك نستعين ) .
3- (( بالصبر )) :-
حددت او بينت لنا الاية الشريفة ادوات الاستعانة والاعانة وهو – الصبر – وفيها اراء هي :-
أ‌- الصبر :- هو الصبر المذكور في الاية الشريفة .
تعريف الصبر :-
1- جاء في كتاب المؤمنون في القران للسيد قاسم شبر ج 1 ص 36 – الصبر : هو حبس النفس وتوطينها على ماتنفر منه من الطاعات وعما ترغب اليه وتانس به من المعاصي .
2- جاء في نفس المصدر السابق ج 1 ص 43 : الصبر : هو توطين النفس على احتمال المكاره .
ويتكرر ذكر الصبر في القران الكريم كثيرا وذلك ان الله سبحانه وتعالى يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والعقبات . ولابد من الصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى جهاد المشاقين لله والصبر على الكيد بشتى صنوفه وعلى بطء النصر وعلى بعد الشقة والصبر عل انتعاش الباطل والصبر على قلة الناصر وعلى طول الطريق الشائك وعلى التواء النفوس وضلال القلوب وثقلة العناد ومظاظة الاعراض . فان العبد اما ان يكون في نعمة فيشكر عليها او يكون في نقمة فيصبر عليها كما جاء في المصدر السابق ج 1 ص 54 – 65 – الحديث عن اهل البيت عليهم السلام – ( عجبا للمؤمن لايقضي الله له قضاء الا كان خيرا له ان اصابته سراء فشكر كان خيرا له وان اصابته ضراء فصبر كان خيرا له ) . وجاء في الدعاء : ( ولعل الذي ابطا عني خير لي لعلمك بعاقبة الامور ) – وفي هذه الاية الشريفة بين سبحانه ان اجود مايستعان به على المصائب الصبر والصلاة . وقد جاء في كتاب المؤمنون في القران ج 1 ص 45 : ( ان النبي صلى الله عليه واله وسلم كان اذا حزنه امر واشتد عليه فزع الى الصلاة وتلا هذه الاية الشريفة ) – والنبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم هو اعلى مصداق من مصداق الصابرين ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه واله وسلم : ( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على اذاهم خير من الذي لايخالطهم ولايصبر على اذاهم ) – فكان صلى الله عليه واله وسلم يعيش في وسط وعمق المجتمع البشري وتعرض لعدة انواع من الاذى . حيث روي عن ابن مسعود رح قال : ( كاني انظر الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يحكى نبيا من الانبياء عليه السلام ضربه قومه فادموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فانهم لايعلمون ) –
انواع الصبر :-
1- صبر على ترك المحارم والماثم .
2- صبر على فعل الطاعات والقربات .
3- الصبر على المصائب والنوائب .
فذاك واجب كالاستغفار من المصائب . حيث روى في كتاب المؤمنون في القران ج 1 ص 64 – 65 انه ( قال علي بن الحسين عليه السلام : اذا جمع الله الاولين والاخرين ينادي مناد اين الصابرين ليدخلون الجنة قبل الحساب فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون الى اين يابني ادم ؟ فيقولون الى الجنة فيقولون قبل الحساب ؟ قالوا : نعم – قالوا ومن انتم ؟ قالوا نحن الصابرون . قالوا وماكان صبركم ؟ قالوا صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله قالوا انتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين ) – ويشهد لهذا قوله تعالى : ( انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب ) .
ب – المقصود بالصبر هو الصوم :-
وهو اعظم مصاديق الاستعانة لان الصائم يعاني من الصوم جهود نفسية وبدنية صعبة وله عظيم الاجر والثواب . وجاء في الحديث القدسي : ( الصوم لي وانا اجزي به ) وجاء في كتاب مواهب الرحمن في تفسير القران للسيد السبزواري رح رواية عن الامام علي عليه السلام في ج 3 ص 19 عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في جوابه مسائل اليهودي : ( مامن مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا الا اوجب الله له سبع خصال : -
1- يذوب الحرام من جسده .
2- يقرب من رحمة الله .
3- يكون قد كفر خطيئة ابيه ادم عليه السلام .
4- يهون عليه سكرات الموت .
5- امان من الجوع والعطش يوم القيامة .
6- دخول الجنة وبراءة من النار .
7- يطعمه من ثمرات الجنة . ) –
والصوم هو اول العبادة لما ورد في كتاب الارشاد عن الامام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل انه قال : ( سالت الله ليلة اسري بي : يارب مااول العبادة ؟ قال اول العبادة الصمت والصوم قلت ... ) – وذكره ايضا صاحب كتاب سيماء الاولياء ص 271 لعلي المقدادي الاصفهاني – والصوم لغة : هو الامساك – وبحسب الشارع المقدس هو الكف عن المفطرات مع النية لان الصوم من الامور العبادية . وعلى الصائم ان لايعتقد ان الصوم هو فقط الامتناع عن الاكل والشرب وانما عليه ان يلتفت الى انه صوم جميع الجوارح . حيث قالت السيدة الزهراء عليها السلام : ( مايصنع الصائم بصيامه اذا لم يصم لسانه وسمعه وبصره وجوارحه ) – وفي فقه الرضا عليه السلام ( واعلم يرحمك الله ان الصوم حجاب ضربه الله تعالى على الالسن والاسماع والابصار وسائر الجوارح ) – وجاء في كتاب سيماء الاولياء ص 273 عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : ( مامن عبد يصبح صائما فيشتم فيقول سلام عليك اني صائم الا قال الله تعالى استجار عبدي من عبدي بالصيام فادخلوه جنتي )
4 – ( والصلاة ) :-
وهي السبب الثاني لعون المؤمن للاستعانة بعد الصبر – أي استعينوا على اقامة دينكم والدفاع عنه وعلى سائر مايشق عليكم من مصاعب ومصائب الحياة بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكاره وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله عز اسمه وتصغر بمناجاته كل المشاق . وقد ورد ان النبي صلى الله عليه واله وسلم اذا كان في شدة قال : ( ارحنا بها يابلال ويكثر من الصلاة اذا احز به امر ليكثر من اللقاء بالله ) –
5-(ان الله مع الصابرين ) :-
أي معهم يؤيدهم ويقويهم ويؤنسهم ويمدهم – روي عن خباب بن الارت قال : شكونا الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا : الا تستنصر لنا الا تدعو لنا ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على راسه فيجعل نصفين ويمشط بامشاط الحديد مادون لحمه وعظمه مايصده ذلك عن دينه والله ليئتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت فلا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) –
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

تخفيف الإمام على الناس في الصلاة

المقال نشرت 2006/09/17 يوم الأحد الناشر عن طريق عماد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فمن حكمة الله - جل وعلا - أن شرع للناس صلاة الجماعة؛ ليزداد أجر المصلين، ويتآلفوا فيما بينهم، ويشعروا بالوحدة والقوة، كما جاء في الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين).[1]

ولكن الناس باختلافهم ومشاغلهم المتنوعة، قد تثقل عليهم الجماعة في المسجد، والتأخر حتى تنقضي، فيميلون نحو أدائها فرادى، أو في غير المسجد، وحينها يذهب المقصود الشرعي من الجماعة، غير أن هذا الدين مكتمل البناء، لا يبني أمراً نقيض آخر، ولا يقول قولاً معارضاً لقول - حاشاه - .

ومن واجب الأمة - جماعات وأفراداً، أئمة ومأمومين - التيسير والتبشير، والبعد عن التنفير مهما كان الأمر، لا سيما في شعائر الله، ومقاصد الشريعة، فهي أحق بأن تهوَّن للناس، فيقَرَّبون إليها، فلا يحسن التنفير عن العبادة في أي حال - ولو كان على سبيل الاجتهاد في العبادة -.

فعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة؛ مما يطول بنا فلان. فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، فقال: (أيها الناس إنكم منفِّرون! فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).[2]

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - قال: أقبل رجل بناضحين (الناضح: هو البعير الذي يستقى عليه)، وقد جنح الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه معاذًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (يا معاذ أفتَّان أنت؟). أو ( فاتن ) ثلاث مرات، (فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؛ فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذو الحاجة).[3]

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإنه منهم الضعيف، والسقيم، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)[4]. إلى غير ذلك من الأحاديث.

هكذا راعى النبي - صلى الله عليه وسلم - أحوال أمته، ولم يشق عليهم، فيسَّر لهم الأمر، وأمر الأئمة أن ييسروا على الناس، (فمن صلى بالناس فليخفف)، لئلا ينفروا عن الدين.

وبهذا تُعلم لنا أمور:

1- حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إرشاد أمته، ومعالجة الخطأ بطريقة الإقناع كأن يذكر سبب أمره وحكمته، (فإنه منهم الضعيف، والسقيم، والكبير). ولا بد من مراعاة أحوالهم جميعاً، والرفق بهم فسبحان القائل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة.

2- نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التثقيل على الأمة، ومنه: المشقة تجلب التيسير.

3- مراعاة أحوال الضعفاء وذوي الحاجة، وكبار السن، وأهل الضرورات بقراءة قصار السور.

4- من صلى منفرداً فله أن يطول ما شاء.

وهكذا كل مسألة فيها مشقة وعسر لا بد من التيسير فيها، والتخفيف؛ لأن ذلك من مقاصد الشريعة الحنيفية السمحة.

إذاً فالأصل في إمامة الناس التخفيف لجذب قلوبهم وإعانتهم على الصلاة، بدلاً من تنفيرهم عن المساجد.. لكن هناك حالات نادرة يسن فيها إطالة القراءة في الصلاة قليلاً، كقراءة سورة السجدة في الركعة الأولى في صلاة فجر يوم الجمعة، وسورة الإنسان في الركعة الثانية منها، وكذا الإطالة في الصلوات النافلة كصلاة التراويح، إذا كان المأمومون يرغبون وينشطون ذلك، وإلا فالأصل التخفيف على الناس، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر معاذاً وغيره بالتخفيف على الناس وهم في عهد الرسالة والوحي ومشاهدة الآيات الحية الصادقة على قوة الدين وصدق الرسالة فكيف بنا في زمن ضعف الهمة في أمور الدين، وقلة الخشوع أو عدمه! فينبغي للأئمة مراعاة أحوال الناس كافة، فإنما فُرض في الصلاة من القرآن سورة الفاتحة وما عداها فهو سنة، ومن المشكلة أن تنقر الفروض والأركان في الصلاة كالركوع والقيام منه والسجود والقيام منه، ويشق على الناس في أمر السنة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف فيها.

ولا يعني هذا أيضاً أن يستغل الناس فرصة التخفيف لينقروا الصلاة نقر الغراب الدم، أو يصلوا دائماً بالسور القصيرة جداً، بل مثل ما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً من القراءة بسور معلومة مثل الأعلى والشمس وضحاها، وما شاكلها من السور والمقاطع من القرآن الكريم.

نسأل الله أن يوفق الناس لما فيه الخير.

والحمد لله رب العالمين.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - رواه البخاري (620)، ومسلم (650). واللفظ له.

[2] - صحيح البخاري:(1/46 برقم:90،670،672 ،5759 ، 6740).

[3] - رواه البخاري: (5/2264برقم: 5755 )ومسلم:(1/339برقم:465).

[4] - رواه البخاري: (1/248برقم:471) ومسلم: (1/341برقم:467)

المصدر من موقع إمام المسجد http://www.alimam.ws/index.php?pg=artv&ref=425
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

درس اليوم الاثنين 28 نوفمبر وحديث إن عظم الجزاء مع عظم البلاء

--------------------------------------------------------------------------------

ملخص الخطبة

1- أمر القرآن المؤمنين بالصبر والمصابرة. 2- منزلة الصبر في الإسلام. 3- الابتلاء سنة الله في المؤمنين. 4- جزاء الصبر في الدنيا. 5- ذنوبنا وعصياننا سبب بلائنا. 6- خلاص المسلمين من بلاياهم مرهون بعودتهم إلى دينهم. 7- واجب المسلمين تجاه أرض الإسراء والمعراج. 8- فضل المسجد الأقصى.


الخطبة الأولى


وبعد: أيها المؤمنون، أيها المرابطون، يقول الله تعالى في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، صدق الله العظيم.

أيها المسلمون، إنه نداء رب السماء للذين آمنوا، فقد نادهم الحق جل جلاله بالصفة التي تربطهم به والتي تلقي عليهم الأعباء وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء، إنه نداء للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وسياق سورة آل عمران حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى، كما سياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد والمكر، وعدم الاستماع أو الإنصات لدعاة الهزيمة والبلبلة، ومن أجل هذا ختمت السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة وإلى المرابطة والتقوى.

أيها المرابطون، إن لكل أمر عتاداً وسلاحاً، وإن عتاد الشدائد الصبر، حقاً إنه عتاد يبعث على الطمأنينة، ترقب به النفس المؤمنة بلوغ الأماني، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (خير عيشنا بالصبر)، وقال الخليفة علي رضي الله عنه: (إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)، وأردف ذلك بقوله: (ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له).

أيها المؤمنون، لقد ذكر الله سبحانه الصبر في تسعين موضعاً من كتابه الكريم، يرغب فيه ويقرنه بالأعمال الصالحة التي تقرب العبد إليه، ويأمر به كوسيلة من وسائل الخير وسبيل إلى الفلاح والفوز يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ [البقرة:153]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ما أعطي أحد عطاءً خير وأوسع من الصبر))[1]، وإن أعظم مواقف الصبر صبر المرء على البلاء وتجلده أمام الخصوم والكوارث، إنه موقف أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وإن أشد الناس بلاء الأنبياء، فلقد أوذوا في الله فكانوا أئمة للصابرين، أوذي الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه بما لا يُحتمل من الأذى فصبر، وكانت له العاقبة على القوم الظالمين الكافرين.

ولقد كان الجزاء على الصبر عظيما بقدر عظم البلاء كما ورد في الحديث الشريف: ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم))[2].

والصبر ـ أيها المسلمون ـ هو زاد الطريق في دعوتنا الإسلامية، إنه طريق طويل شاق مملوء بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء وبالإيذاء والابتلاء، إنه الصبر على أشياء كثيرة، الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها، الصبر على شهوات الناس وجهلهم وغرورهم واعوجاجهم واستعجالهم للثمار والنتائج، الصبر على ظهور الباطل ووقاحة الطغيان وانتفاش الشر والخيلاء، الصبر على قلة الناصرين وضعف المعينين ووساوس الشياطين في ساعات الكرب والضيق، الصبر على مرارة الجهاد والمرابطة في سبيل الله وما تثيره في النفس الإنسانية من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ والضيق، وضعف الثقة في الخير أحياناً، وقلة الرجاء أحياناً، للفطرة البشرية، والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة وفي ساعة الانتصار والرخاء، في تواضع وشكر، وبدون خيلاء، وبدون اندفاع إلى الانتقام، والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله تعالى واستسلام لقضائه وقدره.

والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من الصبر، فكانوا أكثر فهماً من غيرهم لمعنى الصبر وحقيقته.

أيها المؤمنون، لقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبداً، ولا تستسلم للنوم، فما هادنها أعداؤها منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة وعرضها على الناس.

أيها المسلمون، إن الشر لا يستريح لمنهج الخير العادل المستقيم، كما أن الطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة، فلا بد من الصبر والمصابرة والمرابطة كي لا تؤخذ الأمة الإسلامية على حين غِرة من أعدائها الدائبين في كل زمان ومكان.

إن طبيعة الدعوة الإسلامية أنها لا تريد الاعتداء ولا تحبه، ولكنها تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم حتى يكون رحمة للعالمين، والتقوى هي جماع الأمر كله، فهي الحارس اليقظ في الضمير، تحرسه أن يعتدي، وتحرسه أن يحيد عن الطريق المستقيم، وبذلك يتحقق قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

أيها المسلمون، لقد جرت سنة الله تعالى أن يبتلي عباده بالخير والشر، ويمتحن إيمانهم بالمصائب تارة، وبالنعم تارة أخرى، يمتحنهم بالشدة بعد الرخاء، وبالرخاء بعد الشدة، لينظر مبلغ شكر الشاكرين ومدى صبر الصابرين والمحتسبين، وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، وإن ما ابتُلي به السلف الصالح من تكالب المعتدين عليهم، وتكتل المجرمين لسفك دمائهم البريئة، وغزوهم في ديارهم هو بلا شك بلاء ومحنة وشر مستطير، ولكنهم حينما قابلوا ذلك بالصبر الجميل والتضحية في أرفع مجالاتها أعقبهم الله الخير بعد الشر، أعقبهم اندحار قوى الشر والعدوان وردها على أعقابها، وإحباط خططها الأثيمة وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً [الأحزاب:25].

وتلك هي المنّة العظيمة، المنّة التي يجب أن تقدر وأن تقابل بالشكر للمنعم العظيم، وهي المعجزة الخارقة، لأن هذا الاندحار وفشل الكافرين لم يكن كما تعلمون لتفوق في العدد والعدة وإنما كان بفضل الله ورحمته وكرمه على عباده، ثم ببركة التوجه إلى الله وحده في تفريج الكرب وكشف الشدة واللجوء والتضرع إليه والاستعانة به والتوكل عليه.

أيها المسلمون، يجب أن نعترف بهذه الحقيقة، كما يجب أن نعترف بأخطائنا وأن نتوب من ذنوبنا، لأن الذنوب من أعظم وسائل النقم والبلاء، أجل، يجب أن نرجع إلى الله ونسأله المغفرة من ذنوبنا، فلقد فرطنا كثيرا في جانبه، حتى أصبح في الناس من يتشكك في وجود الباري جل جلاله، وأصبح في الناس من ترك الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، والتي هي عمود الدين، فلا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وأصبح في الناس مَن منع الزكاة عن مستحقيها، وأصبح فيهم من يرتكب المنكرات والفواحش جهاراً نهاراً، وأصبح فيهم كاسيات عاريات يُغرين بالإثم والرذيلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها كما جاء في الحديث الشريف[3].

وهذه نماذج من الذنوب والمعاصي، وكلها أسباب للنقم وعومل لسخط الله تعالى ولحلول المصائب والكوارث، فإن الله سبحانه قد رتب الجزاء على العمل، قال تعالى: وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، كما قال : ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))[4].

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله





--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه البخاري في الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة (1469)، ومسلم في الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر (1053) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[2] أخرجه أحمد (5/427) عن محمود بن الربيع رضي الله عنه، قال الهيثمي:" رواه أحمد ورجاله ثقات". مجمع الزوائد (2/291)، وذكره الحافظ في الفتح (10/108) وقال:" رواته ثقات، إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه وهو صغير، وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه". وحديث أنس أخرجه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء (2396) وحسّنه، وابن ماجه في الفتن، باب: الصبر على البلاء (4031)، وصححه الضياء في المختارة (2350، 2351)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (146)، وصحيح سنن الترمذي (1954).

[3] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)). أخرجه مسلم في اللباس والزينة، باب: النساء الكاسيات المائلات المميلات (2128).

[4] أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب: ذكر التوبة (4250) والطبراني في المعجم الكبير (10/150) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه". مجمع الزوائد (10/200)، وذكر له البوصيري ما يقويه. مصباح الزجاجة (4/247-248)، وحسّن إسناده الحافظ في الفتح (13/471)، وحسنه أيضاً الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3427)، وصحيح الترغيب (3145)، وأخرجه الطبراني أيضاً في الكبير (22/306) عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم" مجمع الزوائد (10/200).
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

الخطبة الثانية


الحمد الله ثم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً رسول الله، والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله، وعلى آلك وأصحابك أجمعين.

وبعد: أيها المسلمون، أيها المرابطون، في هذه الظلمة الحالكة التي يتخبط الناس فيها على غير هدى ترتسم علامة سؤال كبيرة على لوحة الأفق، أين سبيل الخلاص؟ وكيف؟ وبماذا؟ والحيرة المرهقة وزعت الأفكار وشتت الأذهان، فمنهم من يلتمسه من هنا، ومنهم من يلتمسه هناك، ناسين أو متناسين أن سبيل الخلاص قد بينه وحده رب العالمين في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، قال جل جلاله: إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

فالخلاص يتمثل باتباع منهج القرآن الكريم عقيدة وعملا وسلوكاً دون مواربة أو التواء، وباستئناف الحياة الإسلامية من جديد.

المسلمون اليوم وفي كل مكان ومنهم أهل الرباط تحاك ضدهم المؤامرات والدسائس، والعمل على تنفيذها جار على قدم وساق، وإنهم اليوم وقد تتالت عليهم الفتن، وهم في أمس الحاجة إلى بناء مجتمعاتهم على الأمثلة الرفيعة التي ضربها سلفنا الصالح في التماسك والتضامن والتعاون، إنهم اليوم في محنة أخطار محدقة بهم، كخطر السياسة المرسومة لهم من قبل الخصوم والأعداء، لتفريق كلمتهم وتمزيق شملهم، حتى لا يكونوا حرباً عليهم.

أيها المؤمنون، إن أكثر من مليار مسلم مفروض أن لا يُغلبوا من قِلة، ولكن الواقع المرير أنهم غلبوا فعلا رغم كثرتهم، لعدم وجود القيادة الحكيمة التي تقودهم والتي توجههم نحو حياة أفضل، وتعمل على توحيد صفوفهم ولمّ شملهم وجمعهم على الحق المبين.

ولتلافي ذلك يجب على المسلمين حتماً أن يصححوا أوضاعهم، وأن يفيقوا من سباتهم، ولا يكفي إبداء الشعور الطيب دون خطوات إيجابية، بعبارة أخرى وأدق لا يكفي من المسلم مجرد التألم والأسى وسكب الدموع على ما نزل بالمسلمين وبديارهم ومقدساتهم من بلاء ومحن، بل يجب عليه أن يرفع الصوت عالياً مستنكراً الجرائم التي تنزل بهم، مقاوماً لها بمختلف الوسائل، إسهاماً في رفع كابوس المحن عنهم، حتى يشعر الأخ المسلم المنكوب أن إلى جواره إخوة له يشدون من أزره ويقفون إلى جانبه.

فها هي أرض الإسراء والمعراج وفي مقدمتها بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك مازالت مسرحاً للأحداث الأليمة المتمثلة بالنهب والسلب وسفك الدماء البريئة والإبعاد لأبنائها وحصار المدن والقرى وإلى غير ذلك، كما أصبحت ميداناً للتنافس من أجل التحدث عنها وفي إعلان الوصاية عليها والتفاوض على ثغورها ضاربين بالثوابت الدينية والحقوق التاريخية عرض الحائط.

إن الاجتهاد ـ إخوة الإيمان ـ يكون في أمور غير واضحة المعالم والأحكام، خالية من النصوص الشرعية.

إلى زمن غير بعيد، أي قبل زوال دولة الخلافة ما كان أحد يجرؤ على التنازل عن شبر واحد منها، لعلمهم بأنها أرض إسلامية وقفية بقرار رباني.

أيها المرابطون، إنه ليس بإمكان أحد ولا باستطاعته، أياً كان أن يحرم فرداً واحداً من أهلها وممن نشأوا وعاشوا على ظهرها من حق العودة إليها، كما أنه ليس من حق أحد أن يتجاهل حق أكثر من مليار مسلم بهذه الأرض المباركة وفي بيت المقدس المزين بالمسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، فالنصوص الشرعية والآثار الواردة بهذا الخصوص لم تعد خافية على أحد، ويرجع ارتباط فلسطين بالإسلام إلى اتخاذ بيت المقدس قبلة للصلاة منذ البعثة، وقد ارتبطت قدسية المسجد الأقصى بالعقيدة الإسلامية، وتوثقت قدسيته بحادثة الإسراء والمعراج وبالفتح الإسلامي لبيت المقدس وما حوله في عهد أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه، فعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمس مائة صلاة))[1]، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ، إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي، من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام فهو في رباط إلى يوم القيامة))[2]، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المرابطين في هذه الأرض المباركة.
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

درس اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر وحديث إن الله حرم عليكم القيل والقال وكثرة السؤال

--------------------------------------------------------------------------------

درس اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر وحديث إن الله حرم عليكم القيل والقال وكثرة السؤال

--------------------------------------------------------------------------------

شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (064-101) : باب ما هي الأمور التي يرضاها الله لنا؟ وما هي الأمور التي يكرها لنا؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-04-18

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هو مركز الثقل في هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين عليه أتم الصلاة والتسليم، باب من أبواب هذا الكتاب, تشتد الحاجة اليوم إلى تطبيق مضمونه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تعالى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ, وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ, وَإِضَاعَةِ الْمَالَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

مركز الثقل في هذا الحديث: أن المال قوام الحياة, شاءت حكمة الله أن يجعله قوام الحياة، فلذلك المرء يوم القيامة يسأل عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ يسأل عن علمه ماذا عمل به؟ يسأل عن شبابه فيما أبلاه؟ وعن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ .
من صفات غير المؤمن: أنه يسرف ويبذر، الإسراف في المباحات، والتبذير في المعاصي, وأهل الدنيا الشاردين عن الله عز وجل, إن أنفقوا المال, أنفقوه إسرافاً وتبذيراً ، وإن منعوهُ, منعوه بخلاً وتقصيراً .
وحينما يرى الإنسان, ماذا يحل بالمسلمين في بعض بقاع الأرض؟ مئات الألوف في العراء, لا غطاء، ولا كساء، ولا ماء، وحينما الإنسان يسرف في إنفاقه, يكون قد تجاوز الحد الشرعي الذي أمر الله به .

انظر إلى كيفية إنفاق المال وفق الطريق المشروع ونتيجته, وبين إنفاقه من غير هذا الطريق
أيها الأخوة, الله عز وجل كره إضاعة المال، إنسان قد تقوم حياته على خمسين ألف يحتاجها للزواج، قد تقوم حياته على بيت يأوي إليه، وقد يكون في طرف المدينة، قد تستقيم حياته على دخل في الشهر خمسة آلاف، فالذي ينفق المال جزافاً من دون وعي، من دون دقة, من دون حكمة، ماذا يفعل؟ .
يحرم أناساً كثيرين قوام حياتهم، لاحظوا أن الشاب إذا وجد عملاً، بحث عن زوجة، فإذا وجد مسكناً, كان الزواج، قوام الأسرة مسكن متواضع، وعمل فيه دخل .
فأنت حينما تنمي المال عن طريق الأعمال, تحتاج إلى فرص عمل، وحينما تنمي المال عن طريق المال تربية ربوية, لا تحتاج إلى فرص عمل، فكل من يجعل كسب المال عن طريق الأعمال, هذا عمل شرعي ويرقى بصاحبه، أما الذي يجعل كسب ماله عن طريق توليد المال، هذا طريق ربوي, هذا يشيع البطالة في الناس .
أيها الأخ الكريم, لا تظن منهج الإسلام منهجًا عباديًا، هو منهج تعاملي أيضًا، المجتمع المؤمن, يجب أن يكون مجتمعًا متماسكًا، مجتمعًا مكتفيًا، لا أقول بالغنى المعنى الشائع، الغنى الاكتفاء، أن يكفي الإنسان أن يجد قوت يومه، أن يجد كساءه، أن يجد ما يطعم أولاده، ما يكسوهم، ما يربيهم .

علة وجود الإنسان في الأرض :
أيها الأخوة, فالحديث:

((إِنَّ اللَّهَ تعالى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ, وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

العبادة علة وجودك على وجه الأرض، أنت في هذه الأرض من أجل أن تعبد الله، والعبادة لها مفهوم دقيق جداً؛ العبادة أن تتعلم، والعبادة أن تعمل، والعبادة أن تتصل بالله، العبادة معرفة، العبادة سلوك، والعبادة انفعال، اتصال بالله، فالعبادة لأنها علة وجودنا وغاية وجودنا، وأنت حينما تعبد الله, تكون في أعلى مستويات النجاح والفلاح .
يا أيها الأخوة الكرام, قضية العبادة أخطر موضوع يعالج في بيوت الله، يجب أن يكون همك أن تعبد الله، لكن سبحان الله! كيف أن هذا المفهوم ضاق, حتى ظن الإنسان إذا صلى يكون قد عبد الله؟ العبادة تشمل كل شؤون حياتك، بدأً من تنظيف جسمك إلى علاقتك بزوجتك .
أدق الخصوصيات: العبادة فيها منهج، فيها توجيه، فقضية أننا صلينا, فعبدنا الله عز وجل, هذه قضية, فيها جهل كبير جداً، عبدنا الله, يعني راعينا منهج الله عز وجل في كل شؤون حياتنا، في احتفالاتنا, يجب أن نعبده، في أحزاننا، في إنفاق المال، في كسب المال، في كل حركة وسكنة من حياتنا, هناك عبادة، ولا يغيب عن ذهنكم, أنني ألح على مفهوم العبادة المطلق، أن تعبد الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الزمان الذي أضلك .
تصور إنسانًا عنده ضيف، عبادته الأولى إكرام الضيف، عنده مريض؛ عبادته الأولى معالجة المريض، في وقت السحر؛ العبادة الأولى أن تصلي في أيام رمضان؛ أن تصوم في يوم عرفة؛ أن تصوم، يوجد وقت، وظرف، هوية، وكل إنسان يحدد هويته، المرأة عبادتها: أن تحسن تبعل زوجها، الغني عبادته: إنفاق المال, القوي عبادته: إنصاف الضعيف، العالم عبادته: إنفاق العلم، والعبادة معرفة، والعبادة سلوك، والعبادة سعادة، يعني: علم, وعمل, وإقبال على الله عز وجل .

((فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوه))

لكن كلمة تعبدوه, قد يفهم منها: أنك تعبده وقد تعبد غيره معاً، لا, أن تعبدوه وحده أول شيء، وأن تعبدوه وفق ما أمرك أن تعبده فيه .
لذلك: من البديهي أن العمل عند الله عز وجل لا يقبل إلا بحالتين: إلا إذا كان خالصاً وصواباً وفق المنهج, وفي إخلاص لله عز وجل .

إليكم تفسير هذا القول: (ولا تشركوا به شيئاً) :
قال:

((وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))

الآن: قد يجد الإنسان أقوياء في الأرض، ويبدو أن الأمر بيدهم، ويبدو أنهم يفعلون ما يريدون، هذا امتحان لنا جميعاً، قال الله عز وجل:
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾

[ سورة الشورى الآية: 53]

الآية محيرة، بيد من كانت حتى صارت إليه؟ هي بيده دائماً, ما معنى الآية إذاً؟ قال: أهل الدنيا في الدنيا, يتوهمون أنها بيد زيد أو عبيد، ولكن يوم القيامة حتى أهل الغفلة, يرون أن الأمر بيد الله وحده، لكن المؤمنين وهم في الدنيا, لا يرون الأمر إلا لله.
أنت في زحمة, ما يجري في العالم قطب واحد, متحكم بالعالم؛ قرار واحد، بطش، قتل، تدمير، أنت في هذه الزحمة, هل ترى أن الله وحده الفعال، وأنه لا يقع شيء في ملكه إلا إذا أراد، وأن يد الله فوق أيدي كل الناس، وأن الله عز وجل إليه يرجع الأمر كله؟ التوحيد مريح جداً، من دون توحيد ينشأ ألف سؤال وسؤال، مع التوحيد يتلاشى ألف سؤال وسؤال .
((ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد))

التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً .
((فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))

الشرك مخيف، إذا رجل قال: أنا عندما أصوم يوم الاثنين والخميس, أشعر بنشاط والحمد الله، إن شاء الله سوف أصوم دائماً، لم يعد صيامًا، صار رياضة، أو سلوكًا صحيًّا، العبادة أن تبتغي بها وجه الله عز وجل، كل عبادة يشوبها حظ دنيوي لم تعد عبادة ، إن العبادة التي أردت بها وجه الله عز وجل، فذلك: الإنسان قد يشرك وهو لا يشعر، قال تعالى:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:103]

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 106]

والعبادة هي التوحيد، أن توحد الله عز وجل، طبعاً: ربما لا تملك تفسيرًا جاهزًا، أنت مكلف أن تعبده، ومكلف أن تفوض الأمر إليه، وأن تستسلم له .

لا يمكن أن تعرف الله إلا من هذا الطريق :
أيها الأخوة, ودائماً أقول لكم: يوجد طرق لمعرفة الله آمنة، وطرق غير آمنة، الطرق الآمنة أن تعرفه من خلقه، والطرق الآمنة أن تعرفه من كلامه، أما لو أردت أن تعرفه من أفعاله, فربما لا تستطيع أن تفسر أفعاله تفسيراً يليق بكماله، هنا المشكلة .
يعني: كأنك أن تعرف الله من خلال أفعاله حقًّا، ربما لا تملك التفسير الصحيح، لأن عقلك قاصر عن إدراك حكمة الله، ولن تستطيع أن تعرف حكمة الله, إلا إذا كان لك علم كعلمه، وهذا مستحيل .
إذاً: دعك أن تعرف الله من خلال أفعاله, أعرفه من خلال خلقه، طريق آمن وسالك، أعرفه من خلال قرآنه، أما من أفعاله, فأرجئ هذه إلى مرحلة بعيدةٍ، والله عز وجل يفعل شيئاً لا تفهم تفسيره، بعد حين ينكشف لك الأمر، فتسجد لله عز وجل ذوباناً في كماله.

مداخلة :
كنت ذكرت لكم من قبل, أن صلى الله عليه وسلم أعطى توجيهًا في معركة بدر، توجيهًا صعب تفسيره، عمه مقيم في مكة، ومعركة بدر على وشك أن تبدأ, فقال:

((لا تقتلوا عمي العباس))

إذا أساء الإنسان الظن، نحن نقتل آباءنا وأخواننا في سبيل الله، لأنهم كانوا كفاراً, فلماذا ينهانا النبي عن قتل عمه؟ كأنه بدا له أن القضية قضية تعصب، بعد حين اكتشف أن عمه العباس مسلم، وهو عينه في مكة، وإنهم لو أنه لم يشترك معهم في الغزوة لكشف نفسه .
لو أن النبي قال: هو مسلم لكشفه، وأنهى دوره، لو سكت لقتلوه، لو أن عمه العباس, امتنع عن أن يدخل في المعركة, كشف نفسه أمام كفار قريش, وانتهى دوره الاستطلاعي.
لو أن النبي الكريم قال: لا تقتلوا عمي العباس, إنه مسلم، أيضاً: الخبر يتناقل، وينتهي دوره، لو أن النبي سكت, هو مع الكفار, مسموح لهم أن يقتلوه, ربما يقتلوه .
فقال:
((لا تقتلوا عمي العباس))
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »


بعد أن انكشف الأمر، وظهرت حكمة النبي عليه الصلاة والسلام.
كان يقول هذا الصحابي:
((ظلت أتصدق عشر سنين, على أمل أن يغفر الله لي, سوء ظني برسول الله))

ماذا لو كشف الغطاء؟ :
أيها الأخوة, ما من حدث محير في الأرض, واللهِ لو كشف الغطاء, لذاب الإنسان محبةً لله وتقديراً لحكمته، لكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله عز وجل .
فقد تجد حدثاً غير معقول، هجمة على الإسلام شرسة في العالم كله، المسلمون يقتلون، يشردون، تغتصب نساءهم، يقتل شبانهم، يلقون في العراء بلا طعام, ولا شراب، ولا مأوى، ولا شيء، ضعيف الإيمان, يرى هذا ظلماً شديداً .
الله عز وجل خلق المؤمن لجنة عرضها السموات والأرض، لحكمة لا نعلمها، لعل الله عز وجل يكتب لهم من الرحمة ما لا ندركه نحن، أما الكافر يفعل فعلاً لعله يخلد في النار إلى أبد الآبدين .
أحياناً: تعجب من النار، يا ربي إلى الأبد؟ حينما ترى جرائم بعض الناس وقسوتهم، وفعلهم الشنيع، حينما ترى أن هؤلاء المجرمين, لا يروي غليلك إلا أن يكونوا في النار إلى أبد الآبدين، فشكر الله عز وجل على أن بصرك في الحقيقة، وأنت في الدنيا ، الناس في عمى، هؤلاء الذين يقترفون هذه الجرائم, هم في عمى، أما المؤمن فذو بصيرة .

ما الذي يجمع مجتمع المؤمنين؟ وما الذي يجمع مجتمع أهل الدنيا؟ وماذا نستنتج من كلاهما؟
((يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ, وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

طبعاً: أن تعبدوه أوّلا، وألا تشركوا به شيئاً ثانيًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا .
هذا مفهوم دقيق، نقول: يجب أن نتحد، كيف نتحد؟ لا بد من شيء يوحدنا، إن لم يكن هناك شيء يوحدنا, فالوحدة مستحيلة، لأنه يوجد أهواء, ومصالح, ومنازعات .
الآن: مجتمع أهل الدنيا مجتمع الخصومات, والعداوات، والمشاحنات، لأنه يوجد مصالح والمصالح متضاربة، أما بين المؤمنين فيوجد مبادئ، وهذه المبادئ متعاونة، أهل الدنيا يتخاصمون, أما أهل الآخرة فيتعاونون، وهذا فرق كبير، فإذا كانت الدنيا بيننا تخاصمنا، وإن كانت الآخرة بيننا تعاونا, لذلك:

((وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا))

حقيقة لا بد من أن تسجلها في ذاكرتك :
أخواننا الكرام, يوجد حقيقة دقيقة وخطيرة؛ ما من عداوة أو بغضاء بين اثنين, إلا بمعصية ألم بهما أحدهما أو كلاهما، قال تعالى:

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة المائدة الآية: 14]

بين زوجين، بين أخوين بمسجد، بين جارين، بين صديقين، بين شريكين، بين أي اثنين، أحدهما عصى الله عز وجل، شرد عن الله صار ماديًّا، والمادي يحب أن يأخذ ما له، وما ليس له، حينما يأخذ ما ليس له, أورث عداوة أخيه، وصار في خصومات.
الإنسان أحياناً: يحب أن يحلل الأمور، بين الأسر عداوات، بين الشركاء، بين أبناء الحي الواحد، بالمدارس، بالمستشفيات، هذه عداوات المعاصي .
لو أننا اتقينا الله عز وجل, لأحب بعضنا بعضاً أبداً، هذه قاعدة .
تريد أن يسود الود، والحب، والوئام، والتعاون، والتفاني، والمؤاثرة، والإخلاص، أطع الله، إن أطعت الله عز وجل طلبت مالك، وتركت ما ليس لك، وكل إنسان أخذ ماله، وترك ما ليس له, أحبه الناس .
تجد دعوى عشر سنوات، دعوى إخلاء، لأن هذا البيت مغتصب، صاحب البيت أولى أن يزوج ابنه في البيت، أولى منك، أنت عندك بيت آخر، وتغتصب بيتًا وتمنع صاحبه أن يزوج ابنه .
طبعاً: يوجد عداوة، ومحاكم، ومحامون، ويوجد دفع مشروع وغير مشروع، ويوجد هموم، وتوتر أعصاب، لأن الرجل أخذ ما ليس له .
لو تتبعت مشكلات الناس, لوجدت أساسها العدوان، لمجرد أن تأخذ مالك فقط, لا يوجد ولا مشكلة، عدد الدعاوى في قصر العدل بعشرات الألوف، بضع عشرات الألوف، ستة آلاف دعوى إخلاء، لأنه يوجد بيت مسكون بمئة ليرة في الشهر، وثمنه عشرون مليونًا، هذا عدوان، طبعاً يوجد ظروف مخففة، هذا موضوع شائك لا يحسم بكلمة، موضوع معقد، لكن الإنسان يعلم علم اليقين ما إذا كان ظالماً أو غير ظالم .
هذا الاعتصام، الوئام، الحب، التفاني، التعاون، أساسه طاعة الله من الفريقين، لكن يوجد معصية، وإهمال لطاعة الله عز وجل، فصار بينهما عدوان، ومع العدوان عداوة، العدوان يقتضي العداوة، والمجتمع الذي فيه عدوان، وعداوات ممزق، لذلك وصف الله عز وجل الكفار وقال:
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾

[سورة الحشر الآية: 14]

إذاً: الله عز وجل رضي لنا أن نعبده, والعبادة معرفة، وسلوك، واتصال بالله، ناحية معرفية، سلوكية، وجمالية، ويرضى لنا أن لا نطيع أحداً سواه، وإذا عبدناه أن نعبده كما يريد هو لا كما نريد، وأن نعتصم بحبل الله جميعاً, هو الذي يوحدنا .
في المطر يكون في الجو بخار ماء، لا تنعقد ذرات المطر, إلا على جزيء من غبار، يجب أن يكون شيء تنعقد عليه حبة المطر، والمجتمع لا بد من شيء تنعقد عليه القلوب، لا بد من شيء يوحدنا، يجمعنا، يؤلف بيننا, هو القرآن .
((أَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا))
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

طويلاً، متى يصل إلى التيمم، ثم الوضوء، ثم الاغتسال، الصلاة، الصوم ستة أشهر في أحكام المياه, فترك الإسلام، ثم التقى بالإمام محمد عبده قال له: الماء الذي تشرب منه توضأ منه، أنهى له الستة أشهر في كلمة واحدة, وانتهى الأمر .

لا تضع عمرك بهذا :
((يَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ))

ذهب إنسان إلى بيروت، وجلس إلى جانب السائق, فقال له: بيروت كبيرة, فقال له: لا بأس بها، ثم قال له: هل هي على البحر؟ فقال له: طبعاً على البحر، فقال له: يوجد صخر؟ قال له: نعم, يوجد صخر، أهلكه بالأسئلة، سوف تصل، وترى كل شيء، عوض أن تستهلك جهدك بالأسئلة, استمتع بالطريق، فإذا وصلت إلى بيروت, رأيت كل شيء، هذا المؤمن، وهذا على كثرة السؤال .
بنو إسرائيل عندما قال الله لهم: اذبحوا بقرة، لو أنهم تناولوا أية بقرة فذبحوها لأجزأتهم، ما زالوا يسألون، ويشدد الله عليهم, إلى أن كلفوا ذبح بقرة, طلب صاحبها ثمنها ملء جلدها ذهباً، كلما تشددت بالسؤال, شدد الله عليك .
قال لي رجل: يجوز أن ألبس ثياباً من صنع إنكلترا؟ قلت له: يجوز, فقال: أليس حرام يا أستاذ؟ قلت له: لماذا حرام؟ فقال: صنع الكفار، فقلت له: لا تلبسها إذاً .
لما ترى الإنسان كثير التشدد, تراه في نواح كثيرة يفلت .
رجل جلس مع زوجته, وهي واضعة غطاء الصلاة، فقال لها: أنا زوجك، وهم جالسون في بيت عربي، فقالت له: يوجد عصافير، فدخل معها إلى الغرفة أيضاً, مشددة غطاء صلاة, حتى عمت له قلبه، فقال لها: هنا لا يوجد عصافير, فقالت له: هنا يوجد ملائكة، سافر هذا الرجل, فوكل رجل يراقب له البيت، وجد الرجال يدخلون إلى البيت في غيابه .
فإذا رأيت الإنسان متشددًا بشكل غير معقول, فعنده تفلت غير معقول، وهذا شيء ملاحظ جداً .

أعدى أعداء الإنسان هو :
أهداني إنسان كتابًا فيه بعض الجرائم، امرأة مسجونة بتهمة ما أذكرها، وهي ساحرة، دجالة، أو ما شابه ذلك، وفي قانون العقوبات اسم دقيق: لمن يسحر أو يدجل على الناس، فهذه المرأة تقول: أنا لا أفعل شيئاً، لكنني أوهم الناس, أنني أحل مشكلاتهم، فمثلاً تأتيني امرأة علاقتها بزوجها سيئة جداً، فأنا أبتز مالها، وأوهمها أنني أسحرها، وأنا أفك السحر بينها وبين زوجها، ولكن أعطيها توجيهات تكون نظيفة جداً، أنيقة، تتزين له، تطيعه، تسمع كلامه، من ذكائها: أعطتها أسباب الوفاق الزوجي، هي ما سحرت, وما فعلت شيء إطلاقاً، ولكن أوهمتها أنها إذا تزينت له, وأطاعته، واستمعت كلمته، تحترم أهله, تحفظين ماله، تكونين تحت طلبه دائماً، لا تزعجيه، طعامه جاهز، نومه هادئ، سوف يحبك، هي أعطتها أسباب الود، ثم حجابًا, وأسماء, وخربشات، وتمتمات، وطلاسم، وبخورًا، وظلمة، هذه كلها زعبرة، وفعلاً لما طبقت أحبها زوجها، ماذا ظنت؟ أن الساحرة فكت لها السحر الذي كان زوجها مسحورًا به، هذا كله كذب .
أنا أتألم جداً من الجهل، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، العدو لا يستطيع أن يفعل بك كما تفعل أنت بنفسك إذا كنت جاهلاً .

خاتمة القول :
أخواننا الكرام, أنا وجدت أن الحديث بعون الله, نحن بحاجة ماسة له، أولاً قضية إضاعة المال، إذا كان من الممكن, أن يوفر إنسان ألف ليرة، يوجد قضية, اطلعت عليها خصومة بين زوجين شديدة جداً، أن معطف الزوجة لا يمكن أن تخرج به، بوضع مزرٍ جداً، وسمعت ثمن المعطف الآن ألف ليرة، إذا وفر إنسان ألف ليرة، وقدمها إلى زوج بحاجة إلى معطف لزوجته, ألم يحل مشكلة؟ ممكن أن يتناول الإنسان بألف ليرة، وممكن أن يوفر الألف، ويأكل في البيت، ويحل مشكلة زوجين مثلاً .
أحياناً: زواج شاب مبني على خمسة آلاف أحياناً، وقد تكون عندك ليس لها قيمة، خمسة آلاف تحل مشكلة، عشرة آلاف، فإذا كنت تقتصد بمصروفك، ويوجد عندك مال قليل, ساعد به أخاك، تكون مؤمنًا ورب الكعبة .
أنتم ترون إذا خرج الإنسان من بيته, شيء أنا لا أراه، ولكن أسمع، شيء لا يصدق من عذاب الناس, إذا أخرجوا من ديارهم بالبرد والثلج، آلاف الأطفال ماتوا من البرد، لا يوجد غطاء، أطفال ماتوا ودفنوا في أثناء الطريق، امرأة كبيرة بالسن من شدة البرد ماتت، الذي يوجد عنده بطانية زائدة .
مرة أخوان أفارقة, كانوا في الشام حوالي خمس سنوات، أنا ما انتبهت، لا يوجد عنده بساط في البيت، والفصل شتاء، لا يوجد إنسان إلا وعنده ستة بسط وسجادة، فإذا تعاونا، هذا ينقصه سجادة، هذا مدفئة، ترى في كل بيت سقيفة، وفيها أشياء غير مستعملة منسقة، أنت عندك منسقة، عند غيرك مهمة جداً .
تصور إنسانًا لا يوجد عنده ثمن مدفئة، طالب علم لا يوجد عنده مدفئة، فإذا أحصى كل إنسان, ماذا يوجد عنده في البيت من أشياء ليس بحاجة لها؟ يوجد برادات زائدة، غسالة قديمة زائدة، مدفئة زائدة، سجادة قديمة مثلاً, طالب علم لا يوجد عنده أثاث إطلاقاً، قدم له سجادة مستعملة, لا يوجد مانع، قدم له مدفأة، الألف تحل مشكلة, يمكن أن يكفه وقود طول السنة لطالب علم, يسكن بغرفة واحدة.
أنا دعوتي إلى عدم إضاعة المال، لا تبذر، لا تسرف، إذا كان ممكنا أن تضغط نفقاتك، صندوق العافية أجرى ألف وخمسًا وثلاثين عملية بخمسين مليون ليرة، لو دفعت أنت يوم الجمعة عشر ليرات فلك مساهمة، من فضل الله مسجدنا يجمع أكبر رقم، وهذا الرقم لعملية واحدة .
تصور مرة, دخلت إلى بيت الأب, مصاب باحتشاء عضلة قلبية، وبرك، ممنوع أن يتحرك، ممنوع أن يتكلم، وهو عامل بمعمل نسيج، ودخله محدود جداً، وأولاده بكآبة شديدة, قال لي: جاءتني مكالمة هاتفية من رجلٍ, أن العملية على حسابي، امرأة التي قالت له: اتصل بالدكتور الفلاني، اتصل به, فقال له: أنا جاهز، يوم الأربعاء العملية، والعملية نجحت نجاحًا باهرًا .
أنا زرته بعد العملية, وجدت أولاده يرقصون من الفرح، هذه المرأة ماذا فعلت؟ أدخلت الفرحة على خمسة أطفال وأمهم، وصار البيت جنة، لأن العملية نجحت, وعاش حياته الطبيعية .
عندما ترى عرسًا, كلف خمسة وثمانين مليونًا، إذا كل عملية جراحية بمئتي ألف، المليون كم مئتي ألف؟ خمسة، الخمسة وثمانون مليونًا, تعمل لأربعمئة وعشرين إنسانًا عملية قلب، هل أقول لكم, رقم لا يصدق: خمسة عشر ألف إنسان في بلدنا, بحاجة إلى عملية قلب، وكل طاقاتنا حوالي خمسة آلاف عملية في السنة، عندنا عشرة آلاف ليس لهم مكان، ولا يملكون ثمن العملية .
فالإنسان قبل أن يبذخ, ينظر ماذا يجري في العالم الإسلامي؟ ينظر ماذا يجري من الجوع, والعطش، والتشرد، والبرد؟ فأنت ليس لك الحق, أن تنفق إلا الحد المعقول, لا أقول الأدنى، بل المعقول من غير إسراف، مخيلة، إنفاق مال بلا طائل، من غير إتلاف مادي، إضاعة المال, لأن المال قوام الحياة, ممكن أن تحل مشكلة إنسان .
أنا أحياناً: لا أصدق ألف ليرة تقدمها لإنسان، جاءني اتصال هاتفي من امرأة مستورة، كل إنفاقها بالسنة ثلاثة آلاف ليرة, وضعت عند رجل عشرة آلاف أو عشرين ألفًا، ثلاثة آلاف إنفاقها السنوي، تنفق بالليرة، وليس لها دخل سوى هذا الدخل، فإذا قدم إنسان لإنسان ثلاثة آلاف ليرة, معنى هذا حل لها مشكلتها طول السنة، أنا الرقم أصغره جداً، لأن الإنسان يقول: هذا مبلغ بسيط، هذا بسيط عندك، عند من يريده, ليس ببسيط, بل كبير جداً .
مرة كنت في جلسة, فقال رجل: يا أخي, إذا أنت لم تكن داعية إلى الله, تبنى داعية.
يوجد طالب علم, جاء من أفريقيا، فقير جداً, إذا أنت قدمت له مبلغًا، وسكن في بيت مع خمسة رفقاء، وأكلوا أخشن الطعام يعيشون، ويطلب العلم، ويصبح داعية، ويعود إلى بلده خطيبَ مسجد, معه معهد شرعي، بدأ ينشر الحق، هذا في صحيفتك، الإنفاق على طلاب العلم, من أعظم الأعمال، وهذه البلدة الطيبة معروفة في العالم الإسلامي, أنها تحب طلاب العلم، وترعاهم، وكأنهم في بيوتهم .
والله رمضان الماضي, أخوة كثُر جداً، وأكثرهم ما استطاعوا أن يصنعوا وليمة لطلاب العلم، يقفون في الدور على العمل لصالح، طالب علم جاء من بلاد بعيدة, دعوته إلى طعام الإفطار, أكرمته، ألفت قلبه، جبرته، إذا أنت معك مال زائد, يوجد مليون باب لإنفاق هذا المال، ولرأب الصدع، ولم الشتات، وتأليف القلوب، يوجد أبواب للخير لا يعلمها إلا الله، بدءاً من تعليم الصغار، لإكرام طلبة العلم, للعناية بالأرامل والأيتام، يوجد أبواب لا تعد ولا تحصى، ولكن من هو السعيد؟ الذي استخدمه الله في الخير، من هو الشقي؟ الذي جعل الله الشر على يديه .

((يا عبادي الخير بيدي، والشر بيدي، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، والويل لمن قدرت على يده الشر))

ثلاثة أشياء:
((يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ, وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ, وَإِضَاعَةِ الْمَالِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

وممكن أن نستخدم وقتنا، وجهدنا، وكل طاقاتنا, في موضوعات ثانوية جداً، يوجد عندك أول رمضان، يوجد عي، أستاذ هل صيامنا صحيح؟ يا أخي أنت إنسان مسلم في بلد مسلم، وهذا البلد يوجد له وزير أوقاف، وقاض شرعي، القضية ليست معلقة في رقبتك ، يجب أن نشتغل يومين في أول يوم، هل صيامنا صحيح أم غير صحيح؟ لماذا عندما أحضرت دشًّا, لم تسأل أحدًا؟ لماذا في هذه سألت فقط؟ لأنه عيّ، يرتكب أكبر عمل على الناعم من دون سؤال، ولا يسأل أحدًا، أما أنه وصل إلى موضوع صيامنا صحيح أم غير صحيح!؟ .

((وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ, وَإِضَاعَةِ الْمَالِ))

والحمد لله رب العالمين
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

794 خطبه الجمعة - الخطبة 0052 : حديث شريف - اتق الله.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1975-11-07

بسم الله الرحمن الرحيم
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[أخرجه الترمذي، وأحمد والدارمي]

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله... لقد أوتيت جوامع الكلم وفصل الخطاب، لك فصاحة الفصحاء، وبلاغة البلغاء، وحكمة الحكماء، لقد أمرنا نبينا الكريم أن نتق الله حيثما كنَّا، وتقوى الله تعني أن نهتدي بهدي الله، فلا ننحرف في سلوكنا عن شرع الله، ولا نسعى لغير ما يرضي الله، وتقوى الله ضرورة في كل الأحوال، ضرورة لسلامتنا، وسعادتنا.

(( اتق الله حيثما كنت ))

أينما كنت فاتق الله، اتق الله في خلوتك، واستحِ منه فهو ناظر إليك عليم بحالك، اعبدِ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومن لم يصده ورع عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله، ولا شيء يؤكد صدق إيمان المؤن، كخشية الله في السرِّ والعلانية، وطاعة الله في الخلوة و الجلوة، وعرف طعم الإيمان من خلا لنفسه فذكر الله ففاضت دموعه خشية ومحبة وشركاً، وكيف يخشى المرء ربه، وهو في خلوته ؟
فالإنسان لا يخشى الله إلا إذا أحش بوجوده، والإحساس بوجود الله في كل مكان ثمرة من ثمرات الإيمان العميق الذي بني على تفكر وتحقق لا على سماع وتصديق، قال تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾

[سورة يونس]

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[سورة آل عمران]

التفكر في آيات الله يصل بصاحبه إلى معرفة الله، وهذه تتمثل في الإحساس بوجوده، وعندها تحصل الخشية في السرِّ والعلانية، والخشية تثمر صلة والصلة بالله قمة السعادة الحقيقية.
يا أخا الإيمان:
لا تظلم نفسك من أجل أن ترفه جسمك، يجب ألا تشغلك الدنيا عن ساعة تقضيها كل يوم تذكر فيها الله، تتفكر في آياته، وتتعرف على أسماءه وتتلو قرآنه، وتصلي على نبيه.
يا أخا الإيمان، استيقظ باكراً، وأيقظ أهلك وأولادك، وصلِّ صلاة حقيقية وبعدها اذكر الله، وتدبر عُشراً من قرآنه.
ولاحظ كيف يكون يومك.
لاحظ ـ يا أخي ـ يومك الذي ذكرت فيه ربك، وتفكرت في آلائه كيف أنك سعيدٌ، مطمئن النفس.
لاحظ كيف أنك تحس وأنت تنظر إلى الأشياء أنك تنظر إليها من علٍ.
لاحظ كيف أن الهدى الإلهي يسدد خطاك، فأنت تتفون بكلمات صائبة وتقف مواقف حكيمة، وتتخذ قرارات صحيحة.
لاحظ كيف تصبح في هذا اليوم الذي ذكرت في مطلعه ربك أنك ذو مناعة ضد الشيطان، وأن إغراءاته ومنزلقاته أضغف من أن تجذبك وتغريك.
لاحظ في هذا اليوم الذي ذكرت الله في أوله، كيف أنك لا ترهب الناس كثيراً، وكيف أن خشية الله تطغى على خشية الناس، وأن إحساسك بقوتك المعنوية تجعلك تقف مواقف أكثر صلابة ووضوحاً وحزماً.
لاحظ ـ يا أخي ـ كيف انك ترتفع عن سفاسف الحياة، وعن مشاحناتها وعن أسباب الخصام فيها.
لاحظ أنك في هذا اليوم أقوى من أن يستفزك سفيه.
لاحظ ـ يا أخي ـ أن حب الدنيا والتعلق بها والسعي إلى جمع حطامها تخف حدته في ذلك اليوم، وأنك في هذا اليوم الذي ذكرت فيه ربك أقل حرصاً عليها، وأقل فرحاً لما حصلته فيها، وأقل حزناً لما فاتك منها وأنك في هذا اليوم أكثر تمسكاً بحدود الشرع، وأقل تفلتاً من قواعده.
لاحظ ـ يا أخي ـ أنك في هذا اليوم أكثر توفيقاً في أعمالك، ومساعيك وحوائجك، وصدق رسول الله حيث قال:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[أخرجه الترمذي]

لاحظ ـ يا أخي ـ في ذلك اليوم الذي ذكرت الله في أوله، كيف تشعر أن عيالك تحسّ أن عليك أن تهدي الناس إلى طريق الإيمان طريق السعادة والرضوان، وفي هذا اليوم تحس أن كل كلمة تتفوه بها يجب أن تكون في مرضاة الله، وأن كل خطوة تخطوها يجب أن تكون تقرباً إلى الله، وأنك بتصرفاتك ومواقفك وقولك لا تمثل شخصك وإنما تمثل دينك الحنيف فتخاف أن يُتهم الإسلام من خلال تصرفاتك ومواقفك، وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

وعندها تصبح داعية إلى الله، وإلى دينه عن طريق القدوة الحسنة وقد تتجاوز هذا المستوى من الدعوة إلى الله، فتجد في نفسك رغبة أن تقدم للناس نصحاً خالصاً فتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وقد ترى أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يجديان إلا إذا توددت إلى الناس وقدمت لهم خدمات حقيقة تلين قلوبهم، وتفتح آذانهم وهكذا تخرج نموذج الإنسان الغربي الذي لا يسعى إلا لمصلحته، ولكسبه، ولا يقيم الأشياء إلا بمدى نفعها له، وتدخل في نموذج المؤمن الرباني الذي يسعى إلى خير الناس، وإلى إسعادهم، وإلى إخراجهم من الظلمات إلى النور ويقيم الأشياء بمدى علاقتها، بهدفه النبيل.
لاحظ نفسك كيف نعامل الناس في هذا اليوم الذي ذكرت الله فإن كنت موظفاً تبش في وجوه المراجعين، وتهتم بهم، وتغيث لهفاتهم، وتعين ضعيفهم، ولا ترجئ مصالحهم، ولا تعقد معاملاتهم، ولا تضيع العراقيل المصطنعة من أجل أن ينقدوك مالاً هي عند الله رشوة، ولعن الله الراشي والمرتشي، ولا تجعل الناس تقف على بابك زرافات ووحداناً بانتظار أن تنتهي من شرب قهوتك أو أن تخلص من مكالمة هاتفية حميمة وطويلة وتافهة أو تفرغ من مطالعة صحيفة الأخبار بعد أن تطالعها خبراً خبراً وإعلاناً إعلاناً.
إذا ذكرت الله في مطلع ذلك اليوم لا ترى نفسك فوق الناس، بل في خدمتهم، والخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، إذا ذكرت الله في مطلع ذلك اليوم فإنك لن تنتقم من الناس لأن راتبك قليل أو لأن رؤساءك لا تقدر أتعابك.
إذا ذكرت الله في مطلع هذا اليوم تتلذذ بخدمة الناس كما يتلذذ الموظفون المعرضون علن الله بالترفع عليهم، وعرقلة حاجاتهم.
إذا ذكرت الله وعاملت الناس بالإحسان، عوضك الله عن راتبك القليل بصحة جيدة أنت وأهلك وأولادك، ووفر لك سعادة بيتية يتمناها المترفون ووهبك ذرية صالحة بارة بك ووقاك من المصائب والنكبات ما يكلف نفقات باهظة يعجز عن دفعها الأغنياء، وهذه كلها سعادة لا تقدر بثمن، وموارد غر مرئية.
وفي اليوم الذي ذكرت الله فيه وتحسن إلى كل الناس، تعود إلى بيتك فتراه على ما يرام، فترضى بزوجتك، وتراها من أكبر النعم التي وهبها الله لك وترى أولادك وهم في صحتهم وحبورهم ثروة لا تعدلها ثروة وتأكل وجبة من الطعام تتذوقها مرتين ؛ تتذوق طعمها وطعم شكرها كيف لا وقد بدأتها باسم الله، وختمتها بكلمة " الحمد لله " قال عليه الصلاة والسلام:
" يا عائشــة أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قل ما تعود ".
ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب فتؤم أهلك وأولادك، وتقفون بخشوع بين يدي الله، وتنتهي الصلاة، وتنظر في وجوه أسرتك، فترى الإشراق والوضاءة والبراءة، وتغمرك سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها.
يا سبحان الله، كيف أن الدنيا مهما انخفض مستواها يسعد بها المؤمن ويتخذها مطية للآخرة، وكيف أن الدنيا مهما يرتفع مستواها يشقى بها الكافر، ويتخذها مطية لجهنم...
قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)﴾

[سورة الأحزاب]

وقد جاء في الحديث الشريف:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد)

والحمد لله رب العالمين
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

لم تجد المجتمعات الإنسانية منذ بدء الخليقة مشكلة تنخرها من الداخل، وتعجل بزوالها، مثل مشكلة النفوس المريضة، وهو ما عرف في الإسلام بمصطلح "النفاق".

و"النفاق" في اللغة: : مأخوذ من النفق، وهو السّرب في الأرض الذي يُستَتَر فيه، وقيل: إنه مأخوذ من نافقاء، والنافقاء موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قِبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ومنه اشتقاق النفاق؛ لأنّ صاحبه يكتم خلافَ ما يُظهر، وشرعاً(كمعنى عام) : هو الذي يظهر غير ما يبطن أو كما نسميه بــ " ذي الوجهين"، وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة) والعائرة: المترددّة الحائرة، لا تدري لأَيِّهِمَا تتبع، وبواعث النفاق كما قال أبن القيم هو طلب العزّ والجاه، والظهور بمظهر حسن حتى يحسبه الظمآن ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئا، لذلك نجد القرآن قد تحدث عنهم بقوله تعالى : ‏ (‏وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ).

وخطر المنافقين يكمن في كونهم عدو خفي مندس في وسط المجتمع، وقد يكونوا أصحاب مواهب عديدة في عرض وتجميل أنفسهم، بمثل إتيانهم في أغلب الأحيان بالقول الجميل ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) وفي الحديث الذي رواه أحمد عن عمر رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن أخوف ما أخاف على أمتي كلّ منافق عليم اللسان) قال المناوي: "قوله: ((عليم اللسان)) أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكّل بها، ذا هيبة وأُبّهة، يتعزّز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الخير والرشد، ويفرّ هو منه، ويظهر للناس التنسّكَ والتنزه، ويسارر ربّه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذّر منه الشارع صلى الله عليه وسلم هنا حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه، ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه"، لذلك فليس بمستغرب أن نجد صحابي جليل كعمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بشره الرسول بالجنة وقال أن الحق على قلبه ولسانه ـ يسأل أمين سر رسول الله حذيفة بن اليمام هل هو ضمن المنافقين الذين أخبر الله رسوله عنهم؟!.. فالرؤية لم تكن واضحة لأحد لشدة أند ساس المنافقين في مجتمع المدينة.

والتاريخ قد حمل إلينا الكثير من آفات النفوس المريضة، وكيف تعمل على تخريب المجتمعات الإنسانية؟..فنحن نعرف ماذا فعل السامري باليهود حين غاب عنهم موسى، والسامري كان من أصحاب موسى الذين أنجاهم الله من فرعون وقومه، كما إننا لا ننسى قصة بولس الرسول(كما يزعم المسيحيون) اليهودي الذي أندس على المسيحية وحرف الإنجيل بعدما رفع الله عيسى عليه السلام إلى السماء، وكان قبل ذلك من إتباع عيسى، حتى اعتبره المؤرخ الأمريكي الشهير مايكل هارت كثاني أعظم رجل في تاريخ البشرية وقبل المسيح نفسه، باعتباره هو الذي حفظ الديانة المسيحية من الضياع، وأيضا يوجد الكثير من الشواهد في تاريخنا الإسلامي وتكفينا الآيات والأحاديث الشريفة التي نزلت في ذم أصحاب النفوس المريضة.

وكما قلنا سابقاً إن أصحاب النفوس المريضة هم الأخطر على المجتمع كونهم عدو خفي، فقد حذر الله رسوله والمؤمنين منهم فقال: ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) قال أبن القيم في ذلك: " ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي: لا عدوّ إلا هم، ولكن لم يرد ها هنا حصر العداوة منهم، وأنه لا عدوّ للمسلمين سواهم، بل هذا من باب إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهّم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحقّ بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها؛ فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم ـ وهم في الباطن على خلاف دينهم ـ أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم؛ لأنّ الحرب مع أولئك ساعة أو أيّام ثم تنقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلّون العدوّ على عوراتهم، ويتربّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحقّ بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)، لا على معنى أنه لا عدوّ لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحقّ بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين" (ونلاحظ هنا أننا نتعامل مع أصحاب النفوس المريضة الذين ينخرون المجتمع الإنساني ككل وليس المسلمين فقط)، لذلك لم يكن مستغرباً أن يتوعدهم الله بالدرك الأسفل من النّار وهو الموضع الذي لم يتوعد الله به الكافرين.

وأخيراً لا أجدُ وصفاً لهذه للنفوس المنافقة المريضة، التي تظهر عكس ما تبطن، وإذا خلت إلى شياطينها عمدت إلى تسفيه الناس وذكرهم بالسوء..وأثرها في تخريب المجتمع الذي تندس فيه، غير وصف الكأس الفارغة, وقد تعلقت داخلها بعض الأوساخ، ثم صببنا فيها ماءً صافياً زلالاً، فهل سيبقى الماء محافظاً على صفائه؟!..لا شكّ أنه سيتغير بتغيير الأوساخ الموجودة في الكأس، ويفقد بذلك صفاته، وطبيعته التي نزل بها.


هذه آخر أوراقي هنا، لذا فأنا أشكر كل شريف فتح صدره لي...

أمين اليافعي
القاهرة 21/7/2005
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

نطقة أخرى (الدرس الحكمة ضالة المؤمن) اليوم في 9:19 am

--------------------------------------------------------------------------------

الاخوان الاعزاء بجميع المنتديات التنى أشارك فيها سلام الله عليكم ورحمة منه وبركات وفى الحقيقة بقدر فرحتى بتوفيق الله لى فى نقل هذه الدرس اليومى وفرحتى بأن أجد سكن واسع للاسرة الكريمة فى حى أخر غير الحى الذى أسكن فيه وهو على مقربة من المسجد الذى يوجد فيه الشيخ الباكستانى الاخ عبدالمجيد والذى يقدّم هذا الدرس بثلاثة لغات العربية والاوردو والانجليزية الرصينه جداً وقد أستفدت منه كثيراً فى هذا الجانب (الانجليزية )، إضافة الى الحديث اليومى والبحث فى مزيداً من الشروح عن طرق (العم قوقل) والحمد لله أشعر بأننى قدمت عمل أنتفع به عدد مقدر من الاخوان أسأل الله أن يُكتب فى ميزان الحسنات لكل من طالع وللشيخ عبدالمجيد الباكستانى وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسوف أواصل فى أقرب مسجد من الحى الجديد أو أجتهد بنفسى وأسأل الله التوفيق .



جمع طرق و ألفاظ حديث "الحكمة ضالة المؤمن"
* روى الترمذى ( 5 / 51) و ابن ماجه ( 2 / 1395 ) و القضاعى فى مسند الشهاب ( 1 / 65 ) ثلاثتهم من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بلفظ " الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا " و اللفظ للترمذى
وقَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَدَنِيُّ الْمَخْزُومِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ
قلت : و إبراهيم بن الفضل المخزومى المدنى و كنيته أبو إسحاق متروك كما فى التقريب ( 1 / 92 ) . و قال أبو حاتم و البخارى و النسائى منكر الحديث ( تهذيب الكمال 2 /165 ).


* كما أخرجه القضاعى أيضا مرسلا فى مسند الشهاب ( 1 / 118 ) من طريق آدم بن أبي إياس حدثنا الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعا بلفظ " الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه "
قلت: و هذا الحديث من مراسيل زيد بن أسلم , و قال ابن حجر عنه فى التقريب ( 1 / 222 ) : زيد بن أسلم العدوي مولى عمر أبو عبد الله وأبو أسامة المدني ثقة عالم وكان يرسل .
قلت : و هذا المرسل لا ينجبر بالإسناد المتصل السابق من طريق إبراهيم بن الفضل لأن هذا الأخير شديد الضعيف .

* و للحديث شاهد آخر أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (55 / 192 ) من طريق معمر بن الخطاب بن عبد الله البلوي بمكة قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول " كلمة الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها "
قلت و هذا الحديث موضوع لأن عثمان بن خطاب، أبو عمر البلوى المغربي، أبو الدنيا الاشج. ويقال ابن أبي الدنيا طير طرأ على أهل بغداد، وحدث بقلة حياء بعد الثلثمائة عن على بن أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذبه النقاد كما فى ميزان الاعتدال ( 3/33 )
* و فى مصنف ابن أبى شيبة ( 7 / 204 ) قال حدثنا وكيع عن المسعودى عن سعيد بن أبى بردة قال كان يقال : الحكمة ضالة المؤمن يأخذها إذا وجدها ,
قلت : و سعيد هو سعيد بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى تابعى ثقة ثبت ..و هو حفيد الصحابى الجليل أبى موسى الأشعرى و قال ابن أبى حاتم فى المراسيل روايته عن جده منقطعة . لكنه سمع من بعض أصحاب النبى .
و قوله كان يقال قد يحمل على أمرين إما تضعيفا منه لهذا القول لأن يقال من صيغ التمريض أو أن يكون هذا القول كان على سبيل المثل الدائر على الألسنة و ليس من قول النبى صلى الله عليه و سلم و الله أعلم .

* و كذا فى المصنف لأبى شيبة ( 7 / 244 ) و فى المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقى ( الحديث رقم 316 )كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان يقال : العلم ضالة المؤمن يغدو في طلبه ، فإذا أصاب منه شيئا حواه.
قلت : قال ابن أبى حاتم فى الجرح و التعديل ( 5 /101 ) عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي المكى روى عن بن عمر وأبيه روى عنه الزهري وثابت والأوزاعي وهارون بن أبي إبراهيم البربري الثقفى سمعت أبى يقول ذلك وسألته عنه فقال ثقة يحتج بحديثه نا عبد الرحمن قال سئل أبو زرعة عن عبد الله بن عبيد بن عمير فقال مكي ثقة
قلت : مع ملاحظة كيف روى الحديث تماما كما رواه سعيد بن أبى بردة فى الإسناد السابق


* و فى حلية الأولياء لأبى نعيم ( 5/ 376 ) فى ترجمته لكعب الأحبار روى أثرا بإسناده عن كعب الأحبار و فيه قوله : " ..... و اعلموا أن كلمة الحكمة ضالة المسلم فعليكم بالعلم قبل ان يرفع .... "
قلت : و أظن هذا الإسناد أيضا لا يصح إلى كعب الأحبار لأن راويه عن كعب هو أبو سلمة الصنعانى و قد بحثت عن ترجمته فلم أجدها إلا عند ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ج 66 ص 274 ) قال: أبو سلمة الصنعاني أظنه من صنعاء دمشق حدث عن كعب وأراه لم يلقه

* و فى جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ( 1 / 422 ) ط مكتبة التوعية الإسلامية :قال : " .. وروينا عن علي رحمه الله أنه قال في كلام له : « العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من أيدي المشركين ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه » ، وعنه أيضا أنه قال : « الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي الشرط » .
قلت : لكن ابن عبد البر لم يذكر إسنادا إلى على و فى نهج البلاغة للشريف الرضى قال قال على رضى الله عنه : الحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة و لو من أهل النفاق
قلت : و لم أقف على إسناد إلى على رضى الله عنه فكل ما وقفت عليه فى لفظ الحديث أو معناه موقوفا على على رضى الله عنه بلا زمام و لا خطام و قد بينا أنه لا يثبت مرفوعا أيضا من طريقه
* و فى كشف الخفا للعجلونى ( 2/ 138 ): قال : قال فى المقاصد : "... ورواه العسكري أيضا عن أنس رفعه بلفظ العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه ، ورواه أيضا عن ابن عباس من قوله بلفظ خذوا الحكمة ممن سمعتموها فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرمية من غير رام ، وهذا عند البيهقي في المدخل عن عكرمة بلفظ خذ الحكمة ممن سمعت فإن الرجل يتكلم بالحكمة وليس بحكيم فيكون كالرمية خرجت من غير رام وعنده أيضا عن سعيد بن أبي بردة قال كان يقال الحكمة ضالة المؤمن ، يأخذها حيث وجدها ، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان يقال العلم ضالة المؤمن يغدو في طلبها ، فإن أصاب منها شيئا حواه حتى يضم إليه غيره . وفي معناه ما رواه الديلمي عن علي مرفوعا ضالة المؤمن العلم ، كلما قيد حديث طلب إليه آخر ، وللديلمي أيضا عن ابن عباس مرفوعا نعم الفائدة الكلمة من الحكمة يسمعها الرجل فيبديها لأخيه ، وله أيضا بلا سند عن ابن عمر رفعه خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت ، ويروي نحو هذا من قول علي ، وروى العسكري عن مبارك بن فضالة قال خطب الحجاج فقال إن الله أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤونة الدنيا ، فليته كفانا مؤونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا ، قال يقول الحسن ضالة المؤمن عند فاسق فليأخذها ، وعن يوسف بن أسباط قال كنت مع سفيان الثوري وخازم بن خزيمة يخطب فقال إن يوما أسكر الكبار و أشاب الصغار ليوم عسير شره مستطير ، فقال سفيان حكمة من جوف خرب ، ثم أخرج شريحة يعني ألواحا فكتبها ، ونحوه فرب مبلغ أوعى من سامع."
الخلاصة : أنى لم أعثر على إسناد نظيف أو متماسك نستطيع من خلاله أن ننسب هذا القول لأحد سواء كان من الصحابة أو التابعين أو حتى من غيرهم .. و الغريب حقا أن كثير من الوعاظ و الدعاة بل و بعض العلماء يرددون هذا الحديث و يرفعونه إلى النبى مع علم بعضهم بضعفه متعللين بقول من يرخص فى ذكر الأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال .. مع أن الذين يقولون بذلك يشترطون ألا يكون الحديث شديد الضعف .. و لعلى بينت وهاء الأسانيد فيما وقفت عليه .. و الله أعلى و أعلم و ما كان من خطأ أو نسيان فمنى و من الشيطان .. و الله المستعان

المصدر: منتديات فراشة حواء - للبنات للنساء للفتيات بنوتات - من قسم: حكم امثال عبارات لهجات مصطلحات لغوية مفردات
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

الاخوان الاعزاء المتابعين للدرس اليومى بعد صلاة الفجر لكم التحية والسلام والاحترام واليوم أكتب لكم وأنا فى السكن الجديد وللاسف وجدت المسجد بعيد جداً جداً بالارجل يحتاج الى 20 دقيقة بالارجل وفى ظل الظروف المناخية والعمل المرهق ربما لايتجاوز ذهابى مره أو مرتين فى الاسبوع وحتى الان لم أصلى الفجر ولا أعرف هل هناك حديث بعد الصلاة أم لا !! وعلى العموم حتى نتواصل معكم رأيت أن أجتهد بنفسى وأدخل على المواقع الاسلامية العديدة وأكتب لكم ما هو مناسب أتمنى أن أكون قد أشبعت الرغبات وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم وجمعة مباركة للجميع .


بسم الله الرحمن الرحيم

مخطط الأحاديث النبوية التي تقول بنزول المسيح عليه السلام:



حيث يسأل الله الرسل
في يوم الحساب#
يوم الحساب


بين النفختين
بعد عودة المسيح وأداء مهمته في الأرض


قبل يوم الحساب






نزول المسيح


حيث يكسر الصليب ويقول إنه عبد لله



"
الناس اتخذوا المسيح وأمه إلهين

قبل نزول المسيح




حيث يسأل الله تعالى الرسل, ومنهم المسيح عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ





اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ ... } [المائدة5/116] ـ فالجواب, وبحسب الأحاديث النبوية السائدة هو:







{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ





فَلَمَّا...}




[المائدة5/117] (فلما أنزلتني إلى الأرض رأيتهم قد اتخذوني وأمي إلهين من دون الله, لهذا رحت أقول لهم: إني





عبد الله, فكسرت الصليب, وقتلت الخنزير, وألغيت فكرة الآلهة الثلاثة, فإنما هو إله واحد, لا إله إلا الله.....
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

عنوان الفتوى : تأويل حديث "..القاتل والمقتول في النار.."
تاريخ الفتوى : الأحد 22 صفر 1425 / 13-4-2004
السؤال

أطالع كثيراً وأجد خلافاً ولا أحب أن أسأل عنه سوى أهل العلم، وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه (ما التقى مسلمين بسيفيهما إلا ودخلا النار القاتل والمقتول) فماذا عن موقعة الجمل وأنا أعلم أنهما اجتهدا وعلي كرم الله وجهة أصاب وله أجران وغيره أخطأ وله أجر واحد، وكلهم صحابة أنا أشتاق لرؤيتهم وأحبهم جميعاً وليس لي في أحدهم أي شك أنهم مسلمون مبشرون بالجنة فأين الرابط حينما التقوا بسيوفهم؟ وجزاكم الله خيراً، إن كان هناك توضيح.
الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد بين علماء السنة المراد بهذا الحديث ونحوه، ومن ذلك ما قاله الإمام النووي في شرح مسلم إذ قال: وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالهما عصبية ونحوها، ثم كونه في النار معناه مستحق لها وقد يجازى بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه، هذا مذهب أهل الحق وقد سبق تأويله مرات، وعلى هذا يتأول كل ما جاء من نظائره. واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا؛ بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته منهم. انتهى.

والله أعلم.
المفتـــي: مركز الفتوى
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

شرح حديث ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا )



خالد بن سعود البليهد


عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم.

هذا الحديث يتحدث عن أثر الكسب الطيب في قبول العمل والدعاء وأسباب قبول الدعاء وموانعه وفيه مسائل :

الأولى: في الحديث وصف الله بالطيب والطيب هنا معناه الطاهر والمعنى أنه تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها ، ومن أثر تلك الصفة أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طاهرا من المفسدات كلها ولا من الأموال إلا ماكان طيبا حلالا فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات كقوله تعالى ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ). وقال تعالى ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ). وقد وصف الله سبحانه المؤمنين بالطيب فقال تعالى ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ). فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه وهذه الطيبات كلها يقبلها الله تعالى .

الثانية : في الحديث دلالة على أن طلب الرزق والانتفاع بالطيبات من سنن المرسلين والصالحين لقوله تعالى ( كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا). و أن التقرب إلى الله بالعزوف عن الطيبات وترك التكسب من الرهبانية التي ما أنزل الله بها من سلطان من الأديان السابقة وقد ورثها عنهم في هذه الأمة المتصوفة الذين تركوا التكسب و المباحات وتواكلوا فخالفوا الشرع وخرجوا عن جادة السنة وقد ذم مسلكهم أئمة السنة ، وهذا من الغلو وليس من الزهد المشروع. و في الصحيحين ( أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهم : أما أنا فأصوم لا أفطر ، وقال الآخر : أما أنا فأقوم لا أنام , وقال الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء ، وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال : ما بال رجال يقول أحدهم كذا , وكذا لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني).

الثالثة : ودل أيضا على الحث على الكسب الحلال والإنفاق من الحلال وكراهة الصدقة بالرديء وما فيه شبهة قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). ويستحب الإنفاق من أطيب المال قال تعالى ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي (لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول). وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حله فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة. وسئل ابن عباس عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال " إن الخبيث لايكفر الخبيث" وقال الحسن " أيها المتصدق على المسكين يرحمه ارحم من قد ظلمت".

الرابعة: اعلم أن الصدقة بالمال الحرام على وجهين :
1ـ أن يتصدق الخائن والغاصب عن نفسه فهذا لايقبل منه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم نيته وقصده وهذا النوع هو المراد في الأحاديث والآثار الدالة على تحريمه . اجتمع الناس يوما عند عبدالله بن عامر أمير البصرة وهو يحتضر فأثنوا عليه خيرا لبره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه ابن عامر أن يتكلم فروى له حديث (لا يقبل الله صدقة من غلول) ثم قال له وكنت على البصرة.
2 ـ أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو الى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء ، ويقبل عن صاحبه وهذا النوع يشمل صورا كثيرة كاللقطة والمغصوب والأجرة ونحوها ، فمتى ما جهل أربابها أو عجز عن تسليمها تصدق بها عنهم وبرئت ذمته بذلك إن شاء الله.

الخامسة : في الحديث دلالة على أن العمل لايقبل ولا يزكوا إلا بأكل الحلال وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الدعاء مثالا على سائر الأعمال والعبادات. وفي مسند احمد عن ابن عمر قال (من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه). ثم رفعه إلى رسول الله. وأخرج الطبراني بإسناد وفيه ضعف من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه منادي من السماء لالبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور). وقال ابن عباس "لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام". والمراد بنفي القبول في الأحاديث هو عدم حصول الأجر والثواب في الآخرة أما سقوط الفرض وبراءة الذمة فيحصل للعبد إذا أتى بالعبادة. ويطالب بها العبد ، فهناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة وعليه يحمل صلاة الآبق والمرأة التي أسخطت زوجها ومن أتى كاهنا ومن شرب الخمر أربعين يوما ، ولهذا كان السلف يشتد خوفهم من هذه الآية ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). فيخافون أن لايكونوا من المتقين الذين يتقبل منهم. قال وهيب بن الورد " لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شي حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام " .

السادسة : من أعظم أنواع العبادة الدعاء قال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ). وقال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ). وثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وصححه. فجعل النبي الدعاء ركن العبادة الأعظم لما فيه من الإعتراف والإقرار بالله وحصول التذلل والانكسار بين يديه وتفويض الأمر إليه في السراء والضراء وهذه هي الثمرة التي من أجلها شرعت سائر العبادات و القربات.
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

الرابعة: اعلم أن الصدقة بالمال الحرام على وجهين :
1ـ أن يتصدق الخائن والغاصب عن نفسه فهذا لايقبل منه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم نيته وقصده وهذا النوع هو المراد في الأحاديث والآثار الدالة على تحريمه . اجتمع الناس يوما عند عبدالله بن عامر أمير البصرة وهو يحتضر فأثنوا عليه خيرا لبره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه ابن عامر أن يتكلم فروى له حديث (لا يقبل الله صدقة من غلول) ثم قال له وكنت على البصرة.
2 ـ أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو الى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء ، ويقبل عن صاحبه وهذا النوع يشمل صورا كثيرة كاللقطة والمغصوب والأجرة ونحوها ، فمتى ما جهل أربابها أو عجز عن تسليمها تصدق بها عنهم وبرئت ذمته بذلك إن شاء الله.

الخامسة : في الحديث دلالة على أن العمل لايقبل ولا يزكوا إلا بأكل الحلال وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الدعاء مثالا على سائر الأعمال والعبادات. وفي مسند احمد عن ابن عمر قال (من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه). ثم رفعه إلى رسول الله. وأخرج الطبراني بإسناد وفيه ضعف من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه منادي من السماء لالبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور). وقال ابن عباس "لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام". والمراد بنفي القبول في الأحاديث هو عدم حصول الأجر والثواب في الآخرة أما سقوط الفرض وبراءة الذمة فيحصل للعبد إذا أتى بالعبادة. ويطالب بها العبد ، فهناك فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة وعليه يحمل صلاة الآبق والمرأة التي أسخطت زوجها ومن أتى كاهنا ومن شرب الخمر أربعين يوما ، ولهذا كان السلف يشتد خوفهم من هذه الآية ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). فيخافون أن لايكونوا من المتقين الذين يتقبل منهم. قال وهيب بن الورد " لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شي حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام " .

السادسة : من أعظم أنواع العبادة الدعاء قال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ). وقال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ). وثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وصححه. فجعل النبي الدعاء ركن العبادة الأعظم لما فيه من الإعتراف والإقرار بالله وحصول التذلل والانكسار بين يديه وتفويض الأمر إليه في السراء والضراء وهذه هي الثمرة التي من أجلها شرعت سائر العبادات و القربات.

وللدعاء أسباب تحصل بها الإجابة بإذن الله :
1ـ التمسك بالسنة لقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين). فالإتباع من أعظم أسباب قبول الدعاء وإجابته.
2ـ إطالة السفر وحصول التبذل في اللباس والهيئة لأن ذلك أقرب إلى التذلل والخشوع. وغير ذلك من الأحوال التي ينكسر فيها العبد ويخشع قلبه ، وكلما كان العبد أخشع كان دعاؤه أسمع.
3ـ الإلحاح على الله عز وجل في الدعاء فإن الله يحب من عبده أن يكرر دعائه و يتعلق بجنابه ويظهر الإفتقار إليه.
4ـ إطابة المطعم والمشرب فقد روي في معجم الطبراني (يا سعد أطب مطعمك تجب دعوتك).
5ـ إخلاص القصد وقوة اليقين بوعد الله والثقة بموعوده وحسن الظن به قال رسول الله (دعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه) رواه الترمذي.
6- المحافظة على الفرائض والمداومة على النوافل وذكر الله في السراء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) رواه أحمد. وقال تعالى عن يونس عليه السلام ( فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فلما كان يونس عليه السلام من الذاكرين لله قبل البلاء ذكره الله حال البلاء. وجاء في الأثر لما دعا بالكلمات فَقالَتِ الـمَلائِكَةُ: يا رَبّ هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ فِـي بِلادٍ غَرِيبَةٍ, قال: أما تَعْرَفُونَ ذلكَ؟ قالَوا يا رَبّ وَمَنْ هُوَ؟ قالَ: ذلكَ عَبْدي يُونُسُ .

السابعة : هناك موانع للدعاء تمنع من إجابته فمن ذلك :
1ـ تعاطي الحرام والتوسع فيه من الطعام والشراب واللباس. وقد دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (فأنى يستجاب له).
2ـ الاستعجال في طلب الإجابة. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي) متفق عليه.
3ـ الدعاء بالإثم أو القطيعة. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).
4ـ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) رواه الترمذي.
5- الاعتداء في الدعاء قال سبحانه (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
6- الإشراك بالله في الدعاء ، ودعاؤه بأدعية مبتدعة محدثة ليس لها أصل في الشرع مخالفة للسنة. فإن الدعاء يحبط بالشرك وإن الله لا يقبل عملا على غير وفق ما شرعه لعباده. ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).

الثامنة : يستحب للعبد إذا دعا أن يتحلى بآداب جليلة فمن ذلك:
1ـ الطهارة فالدعاء حال التطهر أكمل حالا من غيره.
2ـ استقبال القبلة لأنها اشرف الجهات ما لم يكن في حال يقتضي خلاف ذلك كالخطيب ونحوه.
3ـ رفع اليدين فيستحب الرفع مطلقا إلا في المواضع التي لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين فيها فالسنة ترك الرفع كالدعاء يوم الجمعة.
4ـ الحمد والثناء على الله في ابتداء الدعاء.
5 ـ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
6 ـ استعمال الأدعية الجامعة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
7 ـ التوسل بين يدي الدعاء إلى مقصوده بما يناسب ذلك ويلائمه من أسماء الله وصفاته.
8- العزم في الدعاء وعدم تعليق السؤال بالمشيئة.
9- حضور القلب وإقباله على الله حال الدعاء.

التاسعة : للدعاء أوقات يستجاب فيها إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع وأذن الله في ذلك ، فيستحب للعبد تحريها والمواظبة عليها فإن الدعاء فيها أوكد وأحرى بالإجابة:
1 ـ في سجود الصلاة.
2 ـ الثلث الأخير من الليل.
3 ـ بين الأذان والإقامة.
4 ـ عند نزول المطر.
5 ـ أثناء السفر.
6 ـ عند التحام الصفين في القتال في سبيل الله.
7ـ آخر ساعة يوم الجمعة.
8ـ عشية عرفة.
9ـ ليلة القدر.
10- عند الفطر من الصوم.

العاشرة : التوسل إلى الله في الدعاء قسمان :
الأول: توسل ممنوع وهو توسل العبد في دعائه بمنزلة المخلوق أو حقه أو جاهه كالتوسل بجاه الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو الصالحين فهذا عمل محدث ليس له أصل في الشرع ولم يفعله السلف وهو وسيلة إلى الغلو المنهي عنه ، وكل ما روي في هذا الباب باطل لا يصح منه شي كما قرره المحققون من أهل العلم ، وقد منعه الأئمة ولا يصح عن أحد من المتقدمين أنه استحبه ومن حكى خلاف ذلك فقد غلط عليهم ، وإنما حكي اختلافهم فيه بين الكراهة والتحريم فهم متفقون على عدم مشروعيته واستحبابه.
ومما يجدر التنبيه عليه أن قوما من متأخري الفقهاء وسعوا الأمر في هذه المسألة أعني التوسل بجاه المخلوق ولبسوا على الناس وحكوا فيها خلافا وجعلوها من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد والصواب أنه لا يعرف عن الأئمة والسلف فيها خلاف في عدم مشروعيتها بل هي مما أحدثها الناس .

الثاني: توسل مشروع وهو على أنواع :
1 ـ التوسل بأسماء الله وصفاته قال تعالى ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
2 ـ التوسل بالإيمان والعمل الصالح. قال تعالى ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). وكما في قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى الله بصالح عملهم من البر والعفة والأمانة ففرج الله عنهم. والقصة في الصحيحين.
3 ـ التوسل بدعاء الرجل الصالح كما توسل الخليفة عمر رضي الله عنه بدعاء العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يستسقي كما في صحيح البخاري.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

أحاديث عامَّة في فضل السنن الرواتب:

وردت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في فضل السنن الرواتب المتعلقة بالفرائض كثيرٌ من الروايات، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحافظ على أداء هذه السنن، ويحثُّ أمته على فعلها، ولكثرة هذه الرِّوايات فسوف أقتصِر على بعضها ممَّا يفي بالغرض، ويتَّضح من خلالها ما لهذِه السُّنن من مكانة عالية، وما يترتَّب عليْها من أجر عظيم، فمن ذلك ما يأتي:

1- عن عبدالله بن عُمر - رضي الله عنهما - قال: "حفظتُ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ركعتَين قبل الظهر، وركعتَين بعد الظهر، وركعتَين بعد المغرب، وركعتَين بعد العشاء، وركعتَين قبل الغداة، وكانت ساعة لا أدخُل على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها، فحدَّثتْني حفصة - رضِي الله عنْها - أنَّه كان إذا طلع الفجر، وأذَّن المؤذِّن صلَّى ركعتين"[29].



2- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من ثابر[30] على ثنتي عشرة ركعةً من السنَّة بَنَى الله له بيتًا في الجنَّة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعَتَين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر))[31].



3- عن أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صلَّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُنِي له بهنَّ بيت في الجنَّة))[32].



4- عن عبدالله بن شقيق - رحمه الله - قال: سألتُ عائشة - رضي الله عنها - عن صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن تطوُّعه؟ فقالت: "كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرُج فيصلِّي بالنَّاس، ثمَّ يدخُل فيصلي ركعتَين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتَين، ويصلِّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين... وكان إذا طلع الفجر صلَّى ركعتين"[33].



المطلب الثاني: أحاديث خاصَّة في فضْل سنَّة الفجْر والظهر:

ما سبق من أحاديث هي واردة في فضْل السنن الرَّاتبة التَّابعة للفرائض بوجه عام، غير أنَّ من هذه السُّنن ما ورد في فضلِها أحاديث خاصَّة تُضاف إلى تلك الأحاديث العامَّة، ومن هذه السُّنن ما يَلي:

أوَّلاً: فضْل ركعتَي الفجر:

1- عن أمِّ المؤمنين عائشة - رضِي الله عنْها - قالت: "لم يكن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على شيء من النوافل أشدَّ تعاهُدًا منْه على ركعتَي الفجر"[34].



2- وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها))[35]، والمراد أي: خيرٌ من متاع الدُّنيا[36].



قال الإمام الشَّوكاني - رحِمه الله - بعد هذيْن الحديثَين: "والحديثان يدلاَّن على أفضليَّة ركعتَي الفجْر، وعلى استحباب التَّعاهد لهما، وكراهة التَّفريط فيهما"[37]. اهـ.



3- وعنها - رضِي الله عنْها - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال في شأن الرَّكعتين عند طلوع الفجر: ((لهما أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا))[38].



وقال العلامة الطيبي - رحِمه الله -: "إنْ حملَ الدنيا على أعراضها وزهرتها، فالخير إمَّا مجرى على زعم مَن يرى فيها خيرًا، أو يكون من باب الفريقين خير مقامًا، وإنْ حملَ على الإنفاق في سبيل الله، فتكون هاتان الرَّكعتان أكثر ثوابًا منهما"[39]. اهـ.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/1051/25744/#ixzz1mA2if4J8
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

--------------------------------------------------------------------------------


الوصايا العشر ( هذه الوصايا العشر كانت موضوع عشر خطب فى مسجد أمانة معاذ بيرمنجهام والشيخ محمد سيف بدأت الخطبة الاولى فى فبراير من هذا العام وخلال هذه الفتره خطب غيره أكثر من شيخ منهم الشيخ عبدالحى يوسف وخطبتين للشيخ محمد الحبر يوسف نورالدائم ، وختمها الشيخ بالجمعة 4 مايو رأيت أن تكون هذه الحلقات مواصله للدرس اليومى بعد صلاه الفجر من بيرمنجهام وسوف أعمل أن تكون البرامج الدينية والمحاضرات فى بيرمنجهام عوضاً عن الدرس اليومى بعد صلاه الفجر لأن المسجد فى الحى الجديد الذى سكنت فيه بعيداً جداً عن السكن ولا يوجد فيه درس بعد صلاه الفجر وتمنيت فى حالة أى ظرف أدى الى الانتقال من هذا الحى أن أعود الى الحى السابق حتى أستمتع بالقرب من المسجد والدورس وأقوم بنقلها لكم .


بسم الله الرحمن الرحيم


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله- تعالى- بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: سورة آل عمران الآية 102 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ سورة آل عمران: الآية: 102]، سورة النساء الآية 1 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ سورة النساء: الآية 1].


أما بعد:


إخواني الكرام:


موضوع المحاضرة هو الكلام على الوصايا العشر التي في آخر سورة الأنعام وقبل الكلام عليها أحب أن أنبه على ثلاث مسائل تفعل في النصف من هذا الشهر أو يذكرها العامة في النصف من هذا الشهر- شهر شعبان.


المسألة الأولى:


أن كثيرا من العامة يظنون أن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر وأنه يكتب فيها ما يكون في السنة، ومن المعلوم أن ليلة القدر في رمضان ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: سورة القدر الآية 1 إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [سورة القدر، الآية: 1].


وفي قوله تعالى: سورة الدخان الآية 1 حم سورة الدخان الآية 2 وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ سورة الدخان الآية 3 إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ سورة الدخان الآية 4 فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [سورة الدخان، الآيات:1- 4] فهذا نص في أن القرآن نزل في ليلة القدر التي يفرق فيها ويفصل كل أمر حكيم ثم قوله تعالى: سورة البقرة الآية 185 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [ سورة البقرة، الآية: 185]. وهذا يدل دلالة أكيدة على أن ليلة القدر في رمضان بل هي في العشر الأواخر من رمضان.


المسألة الثانية:


وهي أن بعض الناس يخص ليلته بقيام ويومه بصيام بناء على أحاديث ضعيفة وردت في ذلك، ولكن حيث لا تصح هذه الأحاديث الضعيفة فإن ليلة النصف من شعبان لا تخص بقيام. ولكن إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل، فليقم ليلة النصف كغيرها من الليالي، وإن كان لم يعتد ذلك فلا يخصها بقيام كذلك في الصوم لا يخص النصف من شعبان بصوم، لأن ذلك لم يرد عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لكن لو صام الأيام الثلاثة البيض وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر لو صامها فإن صيامها من السنة لكن ليس باعتقاد أن لهذا مزية على سائر الشهور وإن صحيح البخاري الصوم (1868) ، صحيح مسلم الصِّيَامِ (1156) ، سنن الترمذي الصوم (768) ، سنن النسائي الصِّيَامِ (2178) ، سنن أبي داود الصوم (2434) ، مسند أحمد (6/268) ، موطأ مالك الصيام (688). كان رسول [ ج- 7][ص-281] الله- صلى الله عليه وسلم- يكثر الصوم في شعبان أكثر من غيره من الشهور حتى كان يصومه كله أو إلا قليلا منه ?.


المسألة الثالثة:-


أن بعض الناس يصنع الطعام في اليوم الخامس عشر من شعبان ويدعو إليه الناس، أو يوزعه على الجيران والأقارب معتقدا أن لذلك مزية وفضلا ولكني أقول: ليس الأمر كذلك، فلا يشرع فيه صنع الطعام ولا الدعوة ولا الصدقة، بل هو كغيره من الأيام، يصنع فيه من الطعام ما يصنع في غيره وليس له مزية.


هذه ثلاث بدع يعتادها بعض الناس فأحببت التنبيه عليها.


والآن نشرع في موضوع المحاضرة.


يمكن القول إن جميع الدين وصية من الله - عز وجل- كل الدين وصية من الله كما قال الله تعالى: سورة الشورى الآية 13 شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ سورة الشورى، الآية: 13] هذه وصية عامة سورة الشورى الآية 13 أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كلمتان اشتملتا على الدين الإسلامي كله وعلى توجيه المجتمع الإسلامي أن يقيم الدين وأن لا يتفرق فيه ومن ذلك قوله تعالى: سورة النساء الآية 131 وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [ سورة النساء، الآية: 131].


[ ج- 7][ص-282] لكن سميت هذه الوصايا بالوصايا العشر لأن الله- تعالى- جمعها في مكان واحد وكان يختم كل وصية منها أو كل آية منها بقوله تعالى: سورة الأنعام الآية 151 ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [ سورة الأنعام، الآية: 151 ].


إن الوصية هي العهد بالشيء عهدا مؤكدا، فكأن الله- تعالى- عهد إلينا بهذه الأشياء عهدا مؤكدا محتما علينا فبدأ:-


بقوله- عز وجل- : سورة الأنعام الآية 151 قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ سورة الأنعام، الآية: 151 ]. والخطاب هنا للرسول- صلى الله عليه وسلم- وأمره الله- تعالى- أن يقول هذا القول للناس عموما. وأمر الله- عز وجل- لرسوله أن يقول للناس هذا هو أمر خاص وإلا فإن الله- تعالى- قد أمر نبيه على وجه عام أن يبلغ القرآن لكل الأمة.


سورة الأنعام الآية 151 مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أي ما حرم ربكم عليكم مخالفته، فهذه الأشياء التي سيوصي بها الله قد حرم الله علينا مخالفتها، فلا بد أن نقوم بها على الوجه الأكمل وفي قوله تعالى: سورة الأنعام الآية 151 مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ولم يقل: ما حرم الله لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق في المربوب فالرب هو الرب ويقابله العبد كما قال الله تعالى: سورة الفاتحة الآية 2 الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ سورة الفاتحة، الآية:1] فوصف الله نفسه بأنه رب للعالمين كلهم، والرب هو الذي يملك أن يتصرف فيهم بما شاء من الأمر الكوني والأمر الشرعي.


الوصية الأولى


سورة الأنعام الآية 151
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا



أي أن لا تجعلوا معه شريكا والنهي عن الشرك بالله يشمل ثلاثة أقسام :-


القسم الأول النهي عن الشرك به في ربوبيته.


القسم الثاني النهي عن الشرك به في ألوهيته.


القسم الثالث النهي عن الشرك به في أسمائه وصفاته.
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

القسم الأول: الشرك في الربوبية :

من المعلوم أن الله- عز وجل- هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور سورة فاطر الآية 3 هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ . [سورة فاطر، الآية: 3] أبدا الخالق هو الله وحده ولهذا حرم الله- عز وجل- أن يخلق أحد مثله ولو بالصورة كما قال النبي- عليه الصلاة والسلام- في المصورين: انه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم فلا يمكن أن يشرك بالله في خلقه أو ملكه أو تدبيره فمن اعتقد أن لله- تعالى- مشاركا في الخلق فقد أشرك به. لو قال: إن هذا بمقتضى الطبيعة وهذا بمقتضى الزمن وهذا بكذا وكذا مما يضاف إلى غير الله فإنه مشرك بالله ومن العجب أن هذا الشرك أعني الشرك في الربوبية لا يذهب إليه، ولا الكفار الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم. الكفار الذين قاتلهم النبي- عليه الصلاة والسلام- هل كانوا يشركون في الربوبية؟ الجواب: لا. سورة الزخرف الآية 9 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [ سورة الزخرف، الآية: 9]. ويقرون بأن الله هو الخالق ولكن يوجد في عهدنا هذا من يكابر وينكر الخالق ويدعي [ ج- 7][ص-284] والعياذ بالله أن هذا الكون ليس له مدبر وليس له خالق وإنما هي أشياء تتفاعل ويتولد بعضها من بعض وأرحام تدفع وأرض تبلع وليس هناك خالق. ولكن عجبا لهؤلاء كيف ينكرون أن يكون للعالم خالق وهم يعلمون أنه لا يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد هل يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد؟ أبدا لأنه إما أن يقال: أوجد نفسه أو وُجد بلا موجد والأول ممتنع لا يمكن أن يوجِد الشي نفسه لأنه قبل الوجود كان عدما والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يوجِد شيئا ولا يمكن أن يوجَد بلا موجِد ولهذا قال الله- عز وجل- : سورة الطور الآية 35 أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [ سورة الطور، الآية: 35]. إذا فلا بد من موجد وهو الله- عز وجل- هو الذي أوجد هذا الكون وخلقه بقدرته ودبره بحكمته.

من الشرك في الربوبية أن يحلف الإنسان بغير الله لكنه شرك لا يخرج من الملة إلا أن يعتقد الحالف بأن المحلوف به له من العظمة ما لله- عز وجل- فيكون شركا أكبر وإلا فهو من الشرك الأصغر ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنن الترمذي النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ (1535) ، سنن أبي داود الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ (3251) ، مسند أحمد (2/69). من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك وقال- عليه الصلاة والسلام- : صحيح البخاري الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ (6270) ، صحيح مسلم الْأَيْمَانِ (1646) ، سنن أبي داود الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ (3249) ، مسند أحمد (2/11) ، موطأ مالك النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ (1037) ، سنن الدارمي النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ (2341). من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت لكن لو قال القائل: ورسول الله. وحلف بالرسول- عليه الصلاة والسلام- وقال: إن رسول الله هو أعظم الخلق فلماذا لا يجوز القسم به ؟

[ ج- 7][ص-285] فالجواب: إن أعظم الخلق هو الذي قال: سنن الترمذي النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ (1535) ، سنن أبي داود الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ (3251) ، مسند أحمد (2/69). من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك فيكون الحلف بالنبي من الشرك .

فإذا قال إنسان: إن بعض الناس يجري على لسانهم هذا القسم يقول : "والنبي" بدون قصد ، فالجواب: أن نقول : إذا كان بغير قصد ، فإنه يلزمه أن يطهر لسانه منه، وأن لا يعود نفسه على هذا القسم المحرم حتى يتخلص منه.

من الشرك بالربوبية أن يتخذ الإنسان أندادا يشرعون تشريعات تخالف شرع الله، فيوافقهم فيها مع علمه بمخالفتها للشريعة، ولهذا ترجم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله - ترجم على ذلك في كتاب التوحيد بقوله : " باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا" فإذا وجد قوم يتبعون القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية مع علمهم بمخالفتها للشريعة فإننا نقول: هؤلاء قوم مشركون لأنهم اتخذوا حاكما يحكم بين الخلق غير الله -عز وجل- ومن المعلوم أن الحكم بين الخلق من مقتضيات الربوبية فقد اتخذوهم أربابا من دون الله ولهذا يروى سنن الترمذي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ (3095). من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى سورة التوبة الآية 31 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ قال : يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم قال: " أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه" قال: نعم يا رسول الله قال: " فتلك عبادتهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا من الشرك ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة ولي الأمر في معصية الله منع من أن يطاع أحد من الخلق في معصية الله. فقال عليه الصلاة والسلام صحيح البخاري أَخْبَارِ الْآحَادِ (6830) ، صحيح مسلم الْإِمَارَةِ (1840) ، سنن النسائي الْبَيْعَةِ (4205) ، سنن أبي داود الْجِهَادِ (2625) ، مسند أحمد (1/124). إنما الطاعة في المعروف . فقد صحيح البخاري أَخْبَارِ الْآحَادِ (6830) ، صحيح مسلم الْإِمَارَةِ (1840) ، سنن النسائي الْبَيْعَةِ (4205) ، سنن أبي داود الْجِهَادِ (2625) ، مسند أحمد (1/124). أرسل سرية وأمر عليهم رجلا وقال لهم:أطيعوا أميركم [ ج- 7][ص-286] فغضب عليهم الأمير ذات يوم وقال : اجمعوا لي حطبا فجمعوا حطبا ثم قال : أوقدوها النار فأوقدوها النار ثم قال : ادخلوا فيها " . طاعتهم في جمع الحطب صحيحة، وطاعتهم في إضرام النار صحيحة. لكن لما قال : ادخلوها توقفوا وقالوا : كيف ندخل في النار ونحن لم نؤمن إلا فرارا من النار فامتنعوا ولم يدخلوها فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه الخبر قال: " إنهم لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف إذًا متابعة الكبراء في مخالفة شريعة الله من الشرك بالربوبية لأن الحكم بين الناس من مقتضيات الربوبية والسلطان.

القسم الثاني: الشرك في الألوهية :

وهذا هو الذي يكثر بين الناس، وهو الذي كان عليه المشركون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. فكيف يكون الشرك في الألوهية؟

يتخذ الإنسان مخلوقا من المخلوقات يعبده ويتآله إليه كما يعبد الله - عز وجل - يسجد للصنم يسجد للشمس يسجد للقمر يسجد للقبر يسجد للكبير يسجد لأبيه يسجد لأمه.. وهكذا.

المهم أن يتعبد لمخلوق، نقول: هذا شرك في الألوهية لأنه اتخذ هذا المعبود إلها يعبده من دون الله.

ومن ذلك: هؤلاء الذين يذبحون القربان للقبور يذبح عند القبر قربانا ليتقرب به إلى صاحب القبر يعظمه بالذبح كما يعظم الله تعالى بالذبح هذا أيضا من الشرك الأكبر المخرج عن الملَّة لأن الله يقول: سورة الأنعام الآية 151 أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [ ج- 7][ص-287] [ سورة الأنعام، الآية : 151 ]. وهذا الشرك هو الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نبذه. ولما أبوا قاتلهم فاستحل دماءهم وسبى ذريتهم وغنم أموالهم لأنهم مشركون.

هل تعلمون أحدا دعا إلى عبادة نفسه من البشر؟ نعم، فرعون دعا إلى عبادة نفسه وقال لقومه: سورة القصص الآية 38 يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ سورة القصص ، الآية :38] يقول ذلك وهو يكذب فهو يعلم أن هناك إلها غيره، ولهذا قال له موسى سورة الإسراء الآية 102 لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [ سورة الإسراء ، الآية : 102] ولم ينكر فرعون.

موسى كان يخاطبه بهذا ولم ينكر بل أقر وكان هو وقومه يقرون بذلك كما قال تعالى : سورة النمل الآية 14 وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [سورة النمل، الآية: 14].

القسم الثالث: الشرك في أسماء الله وصفاته:

الشرك في أسماء الله وصفاته : أن يجعل الإنسان لله مثيلا فيما وصف به نفسه كلنا نقرأ سورة طه الآية 5 الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ سورة طه، الآية: 5]. والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الله جاء في الحديث: " التحميل جاري.... أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة . إذًا مخلوق عظيم اختصه الله عز وجل بالاستواء عليه.

هل أنت أيها الإنسان تستوي على الفلك؟ تستوي على البعير ؟

تستوي عليه استمع سورة الزخرف الآية 12 وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ سورة الزخرف الآية 13 لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ [ سورة الزخرف، الآيتان:12- 13]. [ ج- 7][ص-288] وقال الله تعالى لنوح : سورة المؤمنون الآية 28 فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ سورة المؤمنون: الآية: 28].

لو قال قائل: إن استواء الله على عرشه كاستوائنا على الفلك أو على البعير، نقول : هذا مشرك لأنه جعل صفة الخالق كصفة المخلوق فجعل لله تعالى شريكا في الصفة ولكننا نقول: نحن نؤمن بأن الله استوى على العرش لكن بدون تمثيل لا مثيل لاستوائه كما لا مثيل لذاته - عز وجل - وهكذا بقية الصفات. إذًا من أثبت الصفات مع التمثيل فهو مشرك لأنه شرك بين الخالق والمخلوق في الصفة.

لكن ما تقولون فيمن نفى حقيقة الصفات هل يكون ممثلا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية : كل معطل ممثل، كل من عطل فقد مثل.

الذي ينكر الصفات هو منكر وممثل قد يقول قائل : كيف يكون منكرا وممثلا لأن التمثيل إثبات والإنكار نفي وهل هذا إلا جمع بين النقيضين؟ نقول : استمع، لماذا عطل المعطل صفات الله؟ لأنه اعتقد أن إثباتها يستلزم التمثيل قال: أنا لو أثبت الصفة إذًا أثبت التمثيل إذًا يجب أن أنكر حقيقة الصفة لأسلم من التمثيل فمثل أولا وعطل ثانيا.
صورة العضو الرمزية
mubark59
مشاركات: 2814
اشترك في: الأحد 2007.8.26 9:56 pm
مكان: بيريطانيا مدينة بيرمنجهام

رد: الدرس اليومى بعد صلاة الفجر فى بيرمنجهام من بشرى مبارك إدريس

مشاركة بواسطة mubark59 »

الوصية الثانية: (وقد جمعت ما قاله الشيخ بن عثيميين عليه رحمة الله )

ثم قال تعالى: سورة الأنعام الآية 151 وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ سورة الأنعام، الآية: 151 ].

فجعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه ومن هما الوالدان؟ هما الأم والأب، وحق الأم آكد من حق الأب، ولهذا صحيح البخاري الْأَدَبِ (5626) ، صحيح مسلم الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ (2548). سئل الرسول عليه الصلاة والسلام: " من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم أمك. قال : ثم قال [ ج- 7][ص-289] ماذا ؟ قال أمك. ثم قال ماذا ؟ قال : أمك. ثم ماذا ، قال : أبوك وذلك لأن الأم تعاني من الولد أشد مما يعاني الأب. قال الله تعالى سورة لقمان الآية 14 وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [سورة لقمان، الآية: 14].

والإحسان إلى الوالدين يكون بالقول ويكون بالفعل ويكون بالمال. الإحسان بالقول أن يقول لهما قولا لينا لطيفا كريما بحيث يناديهما مناداة إجلال وتعظيم حتى إن بعض العلماء قال : يكره أن ينادي الإنسان أباه باسمه مثلا إن كان أبوك اسمه محمد لا تقول : يا محمد قل : يا أبتي، إبراهيم عليه السلام يقول لأبيه - وأبوه كافر - يقول له : سورة مريم الآية 42 يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ لأن هذا من باب الإكرام ، حتى إذا بلغ الوالدان سنا كبيرا يحصل منه شيء من التعب فإن الله تعالى يقول : سورة الإسراء الآية 23 إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [ سورة الإسراء، الآية: 23].

بعض الناس إذا كبر الوالد عنده أو الأم مل منهما وصار ينهرهما وصار يقول لهما قولا خشنا ، الله ينهى عن ذلك سورة الإسراء الآية 23 فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ معنى ( أف ) يعني أتضجر منكما سورة الإسراء الآية 23 وَلَا تَنْهَرْهُمَا بالقول في الصراخ أو العتاب أو ما أشبه ذلك سورة الإسراء الآية 23 وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا لينا لطيفا تقر به أعينهما. هذا الإحسان بالقول إننا نرى بعض الناس يلين بقوله مع زوجته ولا يلين بقوله مع أمه، وهذا مشاهد تجده مع الزوجة يلين لها ويخضع لها ولا ينهرها لكنه مع أمه بالعكس بل مع أبيه إن تمكن وهذا خلاف ما أمر الله به.

الإحسان بالفعل يكون بالخدمة والقيام بمصالحهما. الخدمة البدنية [ ج- 7][ص-290] إذا عجزا ساعدهما حتى عند المنام وعند القيام وعند الجلوس يجب على الإنسان أن يقوم ببر الوالدين عند العجز فيعينهما بكل ما يحتاجان إليه من عون.

الإحسان بالمال يجب أن يحسن إليهما بالمال بأن يبذل لهما كل ما يحتاجان إليه من نفقة، كسوة طعام، شراب، سكن إذا كان يقدر على هذا.

فصار الإحسان إلى الوالدين يتضمن ثلاثة أمور : الإحسان بالقول، الإحسان بالفعل، والإحسان بالمال.

وبر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود رضي الله عنه : صحيح البخاري الْأَدَبِ (5625) ، صحيح مسلم الإيمان (85) ، سنن الترمذي البر والصلة (1898) ، سنن النسائي الْمَوَاقِيتِ (611) ، مسند أحمد (1/451) ، سنن الدارمي الصلاة (1225). سألت النبي صلى الله عليه وسلم : " أي العمل أحب إلى الله؟ قال : الصلاة على وقتها قلت : ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت : ثم أي قال : الجهاد في سبيل الله .

واعلم أن البر بالوالدين، كما هو واجب فإن الله تعالى يثيب البار في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا نجد حسب ما علمنا بالسماع والمشاهدة، نجد أن الذي يبر والديه ييسر الله له أولادا يبرونه وأن الذي لا يبر والديه يسلط عليه أولاده فيعقونه والعياذ بالله، إذًا عرفنا الوصية الثانية الإحسان بالوالدين.

فما ضد الإحسان؟ ضده أمران، إساءة ، وموقف سلبي بين الإحسان والإساءة.

أما المسيء: فلا شك في أنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب لأنه عاق وأما السلبي الذي لا يبر ولا يسيء فقد ترك واجبا مما أوجب الله عليه وهو الإحسان إلى الوالدين قد يقول قائل : لماذا لم يذكر الله حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن [ ج- 7][ص-291] المعلوم أن حق الرسول مقدم على حق الوالدين بل مقدم على النفس ولهذا يجب أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليك حتى من نفسك وأبيك وأمك وابنك والناس أجمعين فإذا قال قائل: لماذا لم يذكر الله حق رسوله؟ فالجواب أن حق الله متضمن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله جعلهما ركنا واحدا من أركان الإسلام فقال: صحيح البخاري الإيمان ( ، صحيح مسلم الْإِيمَانِ (16) ، سنن الترمذي الْإِيمَانِ (2609) ، سنن النسائي الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِهِ (5001) ، مسند أحمد (2/143). بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فيكون حق الرسول مقدما على حق الوالدين، لأنه متضمن في حق الله.
الوصية الثالثة:

ثم قال عز وجل: سورة الأنعام الآية 151 وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [ سورة الأنعام، الآية: 151 ].

الإملاق: يعني الفقر و( من ) هنا سببية أي بسبب الإملاق يعني لا تقتلوا أولادكم بسبب الفقر، سورة الأنعام الآية 151 نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ، سورة هود الآية 6 وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [ سورة هود، الآية: 6] هل أحد يقتل أولاده؟ لا ، لكن الجاهلية العمياء كانت تجعل الجاهلين يقتلون أولادهم وقتل الجاهلين لأولادهم له سببان: -

السبب الأول: ما ذكره الله هنا وهو الإملاق أي الفقر.

السبب الثاني : العار.

[ ج- 7][ص-292] أما الأول الذي سببه الفقر فكانوا يقتلون الذكور والإناث: إذا جاءه ولد وهو فقير قال : هذا سيثقل كاهلي في الإنفاق فيقتله والعياذ بالله، أما الآخر الذي سببه العار فهؤلاء يقتلون الإناث دون الذكور. سورة النحل الآية 58 وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ سورة النحل الآية 59 يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ سورة النحل، الآيتان:58- 59].

يقول الله عز وجل: لا تقتلوا أولادكم من الفقر. إذًا يبقون ولو كان الأب فقيرا لأن رزقهم على الله عز وجل : سورة هود الآية 6 وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا . فإن قتل ولده فهل يقتل؟ لو أن رجلا فقيرا جاءه ولد ذكر أو أنثى فقتله لأنه لا يجد ما ينفق عليه فهل يقتل الأب أو لا يقتل؟

قال بعض أهل العلم : إنه يقتل إذا علمنا أنه تعمد القتل يقتل لعموم قوله تعالى: سورة البقرة الآية 178 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [ سورة البقرة، الآية: 178]. وقوله تعالى: سورة المائدة الآية 45 وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أي على بني إسرائيل في التوراة، سورة المائدة الآية 45 أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري الديات (6484) ، صحيح مسلم الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ (1676) ، سنن الترمذي الدِّيَاتِ (1402) ، سنن النسائي القسامة (4721) ، سنن أبي داود الْحُدُودِ (4352) ، سنن ابن ماجه الحدود (2534) ، مسند أحمد (1/428) ، سنن الدارمي السير (2447). لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة .

قالوا : ولأن الرجل إذا قتل ولده جمع بين عدوانين : عدوان القطيعة وعدوان القتل فيقتل وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله.

لكن أكثر أهل العلم يقولون: إن الوالد إذا قتل ولده لا يقتل، واستدلوا بحديث مشهور عند أهل العلم سنن الترمذي الديات (1400) ، سنن ابن ماجه الديات (2662) ، مسند أحمد (1/49). لا يقتل والد بولده ولكن هذا [ ج- 7][ص-293] الحديث ضعفه كثير من العلماء وقالوا أيضا : إن الوالد سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه ولكن لا شك أن هذه العلة عليلة وذلك أن الأب سبب في وجود الولد لا شك لكن سبب قتله هو عدوان الأب وليس وجود الابن حتى نقول : كيف يكون وجوده سببا في إعدام من أوجده أو من كان سببا في وجوده، على كل حال هذه المسألة موضع ذكرها ومناقشتها كتب الفقه لكن ذكرت عرضا عند حديثنا عن قوله تعالى: سورة الأنعام الآية 151 وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [ سورة الأنعام، الآية: 151 ].

وهنا نقف لننظر الفرق بين هذه الآية وبين آية الإسراء سورة الإسراء الآية 31 وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [ سورة الإسراء الآية: 31]. لماذا قدم الوالدين في سورة الأنعام وقدم الأولاد في سورة الإسراء ما هي الحكمة؟

يجب أن نعلم أن التعبير القرآني لا بد أن يكون فيه حكمة لا يمكن أن يختلف التعبير إلا لسبب، في سورة الأنعام قال: سورة الأنعام الآية 151 وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ إذًا فالفقر موجود فبدأ برزق الفقراء فقال : نحن نرزقكم. وفي سورة الإسراء الفقر غير موجود لكنه متخوف سورة الإسراء الآية 31 خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ فبدأ بذكر المحتاجين وهم الأولاد وهذا من بلاغة القرآن.
أضف رد جديد

العودة إلى ”قطاف إسلامية“