شـا رع المورد ة ام درمان
وقع شا رع المورد ة ثقا فياً على وجدان وافد " من الورقة" على أم درمان, لا ستكما ل دراسته في المعهد العلمي, في النصف الثاني من الستينات, يبدأ من المسجد الجامع, عند الباب الغربي, بعيد صلاة العصر,
يجلس على مائدة, بائع الكتب القديمة, وهو مستغرق في
قراءة كتاب, تكاد تنتزعه انتزاعا
من الكتاب الذي يغطي وجهه, ولكنك بعد حين تدرك أنه مستوعب للكتاب الذي اخترت, فهو قارئ متذوق, ومتعمق, وتجد عنده النوادر التي صدرت منذ سنين واختفت وبملاليم.
من وراء المسجد, مؤتمر الخريجين: حيث شهدنا الناقد الأدبي حامد حمداي يحاضر, ومحمد المهدي المجذوب يؤبن الراحل محمد محمد علي في نص نثري رصين لم ينشر من بعد, ونزار قباني يقرأ شعره بعين, وعينه الأخرى على الأشجار, وجيلي عبد الرحمن ينشد أجمل الشعر الحديث, ولكن القيمة الكبرى لنادي الخريجين تتبدى في الجلسات المسائية, بما يتاح في ثناياها
من معلومات عن الحركة الأدبية والتاريخ الثقافي, من المعاصرين وأصحاب الشأن, وذاك مغنم
لا يكتسب كل يوم.
إذا مضينا في الشارع, أمام حديقة البريد, تنتصب قامة جوهرة الشارع: مكتبة الآداب, وصاحبها الآرباب عبد الله, فيض من الدماثة والشهامة والرضا, وعذوبة الشخصية, هنا في كل شهر وعلى نحو منتظم, ترد المجلات الثقافية: الآداب والمجلة والأديب والفكر المعاصر والمسرح والكاتب والطليعة والأزهر, والهلال والخرطوم, وأهرام الجمعة: " بصراحة" من أجل الصفحة الثقافية وأحيانا: الحرية, وربما الطريق, وظهر عدد واحد من مجلة بشير الطيب, حياه الغمام, مجلة الوجود, وفيها قصة كتبها صلاح أحمد إبراهيم سماها:وهكذا يا أستاذ, هي من عيون القصص في كل زمان ومكان. وفي المكتبة الجديد من الكتب: شعر المقاومة, ريجيه دوبريه, سيد قطب, كولون ولسون, ثم ظهرت المجموعات الكاملة من شعر: السياب وعبد الصبور ونازك, وذات يوم , أزالت البلدية: كشك الأرباب عبد الله, باسم تجميل وجه المدينة, المكان الوحيد الذي يستر عورة البلد وقبحها الشائن, معلم الحضارة, وواحة الري الإنساني, الذي أسهم في بناء جيل كامل من المثقفين, بما أتاحه من المواكبة, وبما غرسه من معاني النبل, فقد كان رجلا مثل كل أصحاب الرسالات, ذا مروءة, يتيح المعرفة بالدين, بالدين, نسوي الزين, ونزكي الزبائن الجدد, مثل شاعر متميز يقال إنه مدير التلفزيون الآن!
نضر الله وجه الأرياب في كل أوان. في ظروف التطور الطبيعي, مؤهل لأن يكون أكبر ناشر, مثل صديقنا المرحوم محمد شاذروان.
على بعد خطوات, وقبيل مقهى يوسف الفكي, مكتبة سليمان, التي اختفت أيضا, وهي مكتبة متخصصة في التراث العربي الإسلامي: الحواشي والمتون, مكتبة عريقة , تعود نشأتها إلى الثلاثينات. هل قلت إن مقهى يوسف الفكي مقهى نعم, ولكنه منتدى الصفوة وملتقى الأنس وركن الحوار ومساحة مخصصة للهوامش التي تتناول الكتب والحياة بالتصويب والسخرية والتحليل والدهشة.
على أن السينما المواجهة, تستحق كلمة إكبار, استملحنا أشعار كامل الشناوي في" معبودة الجماهير, وشهدنا رواية القاهرة الجديدة تتحول إلى فلم اسمه: القاهرة30, وعدنا لنشهد فلم: الفتاة والقائد, في ضوء ما كتب علي المك من تحليل في جريدة الصحافة, نستمتع بمزايا النقد السينمائي الناضج.
ولكن السينما المجاورة والجديدة, تثير فينا ما تثير من لواعج الوحشة والدهشة والريبة, فقد قيل لنا: هنا كانت تقوم مكتبة أم درمان المركزية, التي نقلت إلى بيت مستأجر في الشارع الموازي, وحين تزور تلك المكتبة في ذلك البيت الفخيم والرائع, تعجب, هل أراد صاحب المنزل حل مشكلة المكتبة, بدافع من حسه التربوي, وهو فطرة مركوزة فيه, أم أن العميد يوسف بدري, وهوصاحب المنزل, لم يكن مرتبه يكفيه, وكان يدعم دخله بالعائد من تأجير بيته ولا يسمح لمؤسسة عامة أن تستخدم مثل ذاك البيت إلا صاحب رسالة, مثله.
بيد أن المكتية المركزية تستحق ذلك العناء وكل الاحتفاء, بمجلداتها ومجلاتها وكتبها المترجمة من لغات العالم وأرشيف الصحف السودانية القديمة, والصحف الصادرة صباح اليوم, والأستاذ حامد ورفاقه القائمين على رعا يتها, سدنة معبد النور, تلك الكعبة كانت وردنا اليومي وزادنا وملاذنا.
على مقربة من بيت ذلك المحسن, حياه الغمام, عبد المنعم, كشك, حصلت منه على عدد مجلة حوار الذي يضم رواية موسم الهجرة إلى الشمال, وفي الجو صك الإدانة الذي يصم المجلة بالعمالة للصهيونية, في نموذج فريد لأثر العوامل الخارجية في إضفاء قيمة تبخيسية على عمل أدبي استثنائي, بمعنى مصادفة وجود الإكسير المقدس في الأيقونة الملوثة!
ومن ناحية أخرى كان يعترينا إحساس غريب باستبعاد صدور رواية سودانية في مستوى ما نقرأ! ولما قرأنا النص الجديد أدركنا أن مسار التاريخ الثقافي يمر بمنحنى.
في أول أيامي " الأمدرمانية" اتخذت طريقي إلى متحف الخليفة, وتمعنت في سيف السلطان علي دينار, وحفظت البيتين المنقوشين عليه: ( من بحر الكامل)
وإذا الوفود أتتك يا محي السنن
قا بلتها بالبشر والوجه الحسن
ولذا المعالي خاطبتك بقولها
إياك أعني يا سمي أبي الحسن
وبعد أمد عرفنا أن السيف الفريد سرق بليل, ولم يبق منه إلا هذان البيتان
هنا أمام المحكمة الشرعية, وأنت ماض إلى الخرطوم, تزدحم الأسماء ذات الرنين الثقافي, ممن عاشوا هنا: محمد عبد الرحيم, المؤرخ الأول للمهدية. محمدعثمان يسن مؤلف باليه الشاعر وتوفيق صالح جبريل والمفتن في كتابة " الصور القلمية" مثل مقاله العجيب عن : كنتباي أبو قرجة,( في الصحافة) كانا يقيمان هنا وراء المحكمة, سلاتين باشا أقاموا له نصبا تذكاريا أمام مبنى البلدية, طالته يد التشويه, الشيخ بابكر بدري, له تمثال ينتصب في زهو وازدهاء أمام مدرسته, في البيت المجاور الشاعر صديق مدثر, وقصيدته الراقية الآسرة , بمداها الصوفي, ومجتلاها عند الكابلي, والعجيب أن تفتيشنا في وثائق الإنجليز في لندن, وضع بين أيدينا ذات يوم, قائمة ضمت أسماء كوكبة ممن صاروا من بعد وزراء , سيقوا إلى السجن, يعد مظاهرة صاخبة, كان الفتى صديق مدثر أحدهم, في ضوء التطور الطبيعي للحياة السياسية, وتوخي إنصاف المتفانين, يكون من المؤكد أن يغدو أمثال صديق رؤساء وزارات وجمهوريات, ولكن سلام على التطور الطبيعي, ولكن لحاها الله متى استقامت لأحد من أصحاب السابقة, وغاية الأمر أن قصيدة ضنين الوعد كتبت في الأيام التي كان صاحبها يساق إلى السجن, وهو دون العشرين, لله دره, حيث يقترن الوطن بالحب والتصوف بالألحان وشلالها الروي.
الحديث عن شارع الموردة يطول, ولكنه يَكمَل عند ذكرى الجمهوريين وداريهم الأولى عند دار الرياضة التي لم أدخلها لا هي ولا أي دار رياضة أخرى في العاصمة, ودار أخرى في مواجهة
نادي الضباط,, بساطة المظهر وعمق الطرح, والروح السودانية, في تلك الأيام صرنا نطيل المكث عند الرسالة القشيرية والإحياء, وبدأنا نطل على دنيا المقامات والأحوال, وتأتلق أنوار سلمى من النابلسي ومواجيده, ولكن ما رأت عين مثل صاحب الجلباب الواحد,ولا مثل القوم: عبد اللطيف ومحمد النورالعاقب, ومحيسي( في آخر أيامه الجمهورية) والمرء : سعيد شايب.
كان مدخلي إلى وهج أم درمان, شاب من أنبل الناس, يسمى إبراهيم محمد صالح, ويعرف يإبراهيم المكسر, وود القاضي, لأن أباه مولانا كان قاضي القضاة. كان إبراهيم حسن الصوت
صداحه, وكان ذا ذاكرة فوتغرافية يحفظ نشرة الأخبار من المرة الأولى, كان مدخلنا إلى حمد الريح وروائعه, وجديد الكابلي ومكنوزه المخبوء المضنون به, على غير أهله, بيد أن المفاجأة
تبدت, في أن معاوية نور خاله, وأن مكتبة القاضي الضخمة متاحة, أطلعني القاضي على مقالة كتبها باشري عام 1954 في الصراحة, عن معاوية, ومقالاته عن العقاد بالإنجليزية, في جريدة ما, اتضح بعد سنوات تالية أن المعلومة تحتاج إلى تقويم, وصار بيت المكسر بيتي, تلك الصراية الرافهة المطلة على البحر, أذكر أهلها وأستجلب باسمهم الدفء في شتاء بريطانيا, وأتوسل بحبهم , ومن أجلهم أجد في أم درمان امتدادا لكردفان, وجوها الممراح ودعاشها.
في مرحلة تالية كان من نعم الزمان أن يتصل حبل المودة برجل نادر وفنان من آل أم در (الموردة), من جيل أساتذتنا, شاعر وقاض وضابط وعالم اجتماع وود بلد وموسيقار, هو مبارك المغربي, ولكن الحديث عن المآثر يطول, مثلما يستحق المنتدى الأدبي في مدرسة المؤتمر وقفة خاصة,حيث رأيت تاج السر الحسن لأول مرة يحاضر ويقرأ شعره المرن, والمجلس الثقافي البريطاني, ولؤلؤ الشارع: مواكب الطلاب, ولا سيما الطالبات, "منظر شيء بديع" يموج في النفس بالتفاؤل, بمعنى حسن الظن في المستقبل. ( كان وهما كان رمزا)
ويستحضر جو ضنين الوعد , والجندول والريفيرا وجا لب السرور, المحظور ألق البنور, ومرت الأيام.
منقووووووولللللل
مع تحياتى
نور الاسلام