أبو آمنه حامد:
رحيل الشعراء , أم رحيل التاريخ ؟
كان ا خرهم أبو أمنه حامد , وقبله بقليل عوض مالك , والفاتح الجاني , ذلك الزمان النضير الذي حمل في أهابه ضوء عصر مضي , وأهطل فيه الشعر سحائب انتظمت روح الحياة . ليس من باب الدخول وحده اطل ابومنة حامد برأسه إلي عالم الشعر والشرطة والتدريس والصحافة , ولكن من مسامات الوجد تسرب هذا السوداني الهدندوي إلي وجدان الناس والشرطة, والتدريس , والصحافة في عام 1956 فصل ابومنه حامد من ثانوية وادي سيدنا لأنه قاد مظاهرة بالمعالق احتجاجا علي الطعام الذي كانت تقدمه إدارة المدرسة للطلاب , وعلي الفور جاء والده من بور تسودان وأخذه إلي البيه عبد الله خليل رئيس الوزراء وسكرتير حزب الأمة الذي كان يسكن امدرمان محاولا ارجاعة إلي المدرسة مرة أخري ,غير إن البيه اعتذر إن يراجع قرار الفصل احتراما منه لقيم التربية وقدسية
التعليم في ذلك الوقت, وتجنب خلط الخاص بالعام , فوعده بأن يجد له مقعدا في ثانوية الخرطوم , ولكن العم حامد الذي كان قطبا شعبيا من أقطاب حزب الأمة في شرق السودان , وتلك من غرائب الجغرافيا السياسية في السودان ,اثأر إمام البيه مشكلة أخري , وهي إن ابنه إذا قبل في تلك المدرسة البعيدة فلن يستطيع الوصول إليها لأنه لايقدر إن يوفر له (حق) المواصلات , فحسم البيه
الأمر, وتعهد ( لزولهم ) الأنصاري الهدندوي إن يقطن ابوا منه معه في منزله , وان يرافقه كل صباح في سيارة رئيس الوزراء الي الخرطوم , يذهب عبد الله خليل إلي الوزارة , و يواصل السائق مشواره يحمل الفتي الوسيم إلي مدرسة الخرطوم الثانوية بعد جسر بري ( ايه من ذلك الزمان) , كان منظرا مألوفا إن يشاهد أهالي امدرمان والخرطوم أبو أمنه حامد يركب مع رئيس وزراء
السودان والسيارة الرئاسية تتهادي بشارع النيل وتنحرف إلي شارع الجامعة حتي هدفها اليومي .
عاش ابو منه حامد في دعة من العيش كأنه احد أبناء البيه إلي إن التحق بكلية الشرطة1960 التي تخرج منها 1962 وأرسل ضابطا شابا إلي وادمدني العام نفسه , اذكر ونحن شباب كيف استقبلنا واستقبلت مدينتنا الشاعر الشاب الذي كان يملا صيته الإرجاء , ذهبنا إليه في مكتبه برئاسة البوليس الأصدقاء شريف مطر, وسعيد احمد خير , ومحمد عبد الحي, وعمر محمد الحاج لنتعرف عليه غير مصدقين إن نشهد الفتي الضابط الذي كنا نقرا شعره في صحيفة الإخبار والايام والراي العام وصوت السودان والعلم ,عاش أبو أمنه حامد في مدني عامان عطر جوها شعرا , وحضر فيها ثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت حكم الرئيس عبود, اذكر كيف كان وسط دخان القنابل المسيلة للدموع يأمر الشرطة بأن لتسرف في استخدام العنف ضد المتظاهرين , وان تكتفي بفضهم بالعصي حتى يتوقفون عن تكسيرا لسوق وإشعال الحرائق في البارات و المحال التجارية, لم يستطع ابوامنه حامد الاستمرار في
سلك الشرطة , تغلب الشاعر علي العسكري, فاستقال, وعاد إلي الخرطوم كاتبا في الصحافة ومعلما في دنقلا .
كان قلقا قلق ألمبدعين لايستقر في وظيفة إلا وتركها إلي أخري , طبيعة الشاعر ضد الصرامة والانضباط , والشرطة لم تكن مكان أبو أمنه حامد , لقد قبل دخولها ارضاء لوالده الذي كان سيفاخر بابنه الذي صار ضابطا .
في أجزخانة العاصمة بالسوق العربي بالقرب من مدرسة الكمبوني المنتدى المسائي اليومي للشاعر(* الرهيب) منير صالح عبد القادر, كان ابومنه حامد وسط رهط كبار الشعراء محمد المهدي المجذوب , محمد محمد علي , ابو القاسم عثمان , محمد الفيتوري, الطيب محمد خير, الطيب شبشه , هناك يعرض شعره , ومن هناك يجد طريقه إلي صفحة الإخبار الأدبية التي كان يشرف عليها منير صالح عبد القادر, شارك أبو أمنه في محكمة الأدب التي قاضيها الرهيب ممتعا القراء بقفشاته
الساخرة , وثقافته الغزيرة في متابعة المجلات الأدبية.
في عصر ابوامنه ازدهرت المدرسة النزارية في السودان ازدهار الحب في قلوب الشباب, فانتشرت مفردات جديدة راقصة حررت الشعر من رزانة اللغة وصرامة الصورة ,كان ذلك الجيل التهم (قالت لي السمراء وطفولة نهد ) لنزار قباني وافاعي الفردوس والقيثارة للياس ابوشبكة , بجانب أباريق مهشمة لعبد الوهاب ألبياتي , وليالي الصبا لعمر ابوريشة , ابوامنه وعوض مالك , وعثمان عبد
السيد , وسيد احمد الحار دلو والفاتح التجاني , والسر دوليب, هم الذين أسسوا رابطة أدباء بحري في ستينات القرن الماضي تلك الرابطة التي روجت لشعر الحب مقتفين اثأر نزار قباني ومحاولين تقديم نمط سوداني متحرر من عبوس السياسة, كانوا نجوما تطرز سماء الشعر في العاصمة المثلثة , في عام 1966 عند قيام ( ثورة مايو) اختير أبو أمنه حامد ملحقا صحافيا بسفارة السودان في
القاهرة لكونه من القوميين العرب ومن جماعة بالبكر عوض الله, وهناك حقق أمنيته بالعمل بالقرب من ثورة جمال عبد الناصر ووسط من أحب من الشعراء والأدباء والكتاب المصريين ,عبدالرحمن الابنودي, امل دنقل , صلاح جاهين يوسف الشريف , كان هؤلاء يسهرون أسبوعيا في منزله بقاردن سيتي , وهناك أعطي أبو أمنه أجمل شعره لصالح الضي , وكتب في رو ز اليوسف, وصباح الخير,
عاد بعد ذلك إلي السودان ليفصله منصور خالد من وظيفته عندما تسلم حقيبة الخارجية , وروي لي احد الأصدقاء الذين عاصروا الشاعر سرعدم استلطاف منصور خالد لأبي أمنه حامد والعهدة علي الراوي , قال الصديق إن منصور خالد كان ولايزال يحرص علي إخفاء تاريخه الخصوصي وراء تاريخه السياسي الرسمي , وكان أبو أمنه حامد والوحيد الحامل لمفتاح ذلك السر, فهو ومنصور سكنا سويا وفي سريرين متقابلين في (جراج ) البيت الذي خصصه لهما البيه عبد الله خليل رئيس الوزراء والذي أصبح منصور سكرتيرا له فيما بعد هذا ماقاله الصديق عن سر كراهية منصور لأبي أمنه حامد الأمر الذي ادي إلي فصله من وزارة الخارجية , غير ا ن هنالك رواية أحري يرويها المقربون من الشاعر الذي رحل تقول إن منصورا فصل أبو امنه لأنه كان لايهتم بهندامه كثيرا وهذا عند الوزير يصل إلي جريمة دبلوماسية لا يمكن السكوت عليها, ويروي ابو أمنه نفسه انه تفاجأ يوما وهو يركب (بوكسا ) من بحري إلي الوزارة بعربة الوزير منصور في ذيل البوكس, وحاول أبو منه الاختفا ء ورا ء صحيفة الرأي العام التي كان يحملها حتى لايشاهده الوزير, وفي وسط الكوبري توقفت الحركة تماما لحادث مروري بين عربيتين, وهنا طالت مدة قراءة أبو أمنه للجريدة, ومقابلها طالت نظرات منصور
خالد له متوعدا إياه بالويل والثبور عندما يصل الوزارة , فليس عند منصور خالد دبلوماسيين يركبون الباكسي وقمصانهم ( مكرفسة) كحاله ابو امنه ,
منقوووووووووووووووووول
مع تحياتى
نور الاسلام


