حكاية البحث عن سُليمان
المشرف: بانه
رد: حكاية البحث عن سُليمان
نواصل ......
فارتجفت أطراف الفكي الضو وهو يضم إلى صدره حفيديه، وخرجت من جوفه كلمات مبهمة تشوبها حشرجة راجفة ... "أبوكم طيب؟؟" لم يرد الصغيران، ولم يتحرّكا، فقد تجمّدا ووقفا دون حراك. وهنا تدخّل ود حاج أحمد "يا وليداتي دا جدّكم أبو أبوكم .. سلّموا عليه كويس".
إنتزع الطفلان أيديهما من قبضة جدّهما، وفي هدوء إندسّا في جلباب عمّهما حسن، وطفقا ينظران إلى جدّهما في ذعر وتوجّس .. وهنا صاح ود حاج أحمد "يا الضو يا خوي الوليدات ما عرفوك .. شوية شوية بيتعوّدوا عليك، عشان كده خليك من الصعوبية بتاعتك دي .."
أذن الفكي الضو لإبنه حسن والطفلين بالإنصراف إلى داخل المنزل للسلام على النسوان والراحة من عناء السفر .. وهنا أعلن محمد ود حاج أحمد بأن "الكرامة" ستكون على حسابه إبتهاجاً بعودة الغائبين .... وقد كان. فقد نحر كبشين أملحين أقرنين تناهشتهما الأيدي والأفواه.
إنطلقت بري المحس عن آخرها تتدافع للسلام على حسن ورؤية أولاد سليمان "أولاد المصرية". وانبرى حسن يحكي عن رحلته الطويلة، وما لقيه خلالها، مما أضاف حلماً جديداً لأحلام فتيات القرية .. ألا وهو زيارة بلاد "الريّافة" مصر .. وكان أكثر الناس إحتفاءاً بعودة حسن هم الأسر المصرية التي تسكن بري المحس .. حاج حسين وأحمد صُفّة (بضم الصاد وتشديد الفاء)، والشيخ الوقور "ماضي أبوالعزائم" أحد أولياء الله، ومصطفى فرحات وحاج سيّد وغيرهم، حتى نساء الأسر المصرية لم يجدوا حرجاً في أن يدخلوا منزل الفكي الضو "عشان ينادولهم حسن يسلّموا عليه، وذلك بعد سيل من القبلات على خدود الصغيرين أحمد ويحي بطريقة أجبرتهما على الهروب من أمام كل مرحّب، خاصةً النساء.
إستلقت "شرفة" على أريكة في ركن الدار وطوّفت ببصرها على الجدران حتى وصلت إلى السلّم المبني بالطوب الأخضر الذي يفضي بالإنسان إلى سطح الدار الذي إكتظّ "بكيزان" الذرة وحِزَم الثوم، وبعض أقراص روث الجاموس والأبقار التي تستخدم وقوداً للفرن.
عادت شرفة على غير هدى تتطوّف ببصرها على محتويات صحن الدار، "الزير" القناوي الذي تعلوه خشبة تهشّمت جوانبها، وعليها كوز كبير من المعدن اللاّمع، وتحت الزير "ماجور" صغير، وقرب الماجور جريدة نخل توقّفت شرفة عندها طويلاً، ونهضت متثاقلة ورفعتها من على الأرض وضمتها إلى صدرها، وعلى خدّها سالت دمعة ساخنة كالجمر.
لم تكن مجرّد جريدة نخل عادية، فقد كانت بمثابة "حصان" يمتطيها يحي وهو يجري بها في أرجاء الدار ضارباً إيّاها بقطعة جلد وهو يصيح فيها وكأنه فارس مغوار على ظهر فرس حقيقي. جلست شَرَفة القرفصاء على الأرض وأطلقت العنان لدموعها، فدخلت عليها شقيقتها "ألفية"، وبدلاً من أن تخفف عليها إبتدرتها بصوت حاد "أنا قلتلك ما تسيبيش عيالك يفارقوك .. خليهم في حضنك، ولو عايزين تسافروا، مالو .. ما تسافروا .. بس رجلك على رجلهم .. لكن ماسمعتوش كلامي..".
صمتت شرفة ولم تجب، وقامت من الأرض واتجهت نحو الباب فلحقتها "ألفية" .. "يا شرفة ياختي ماتعمليش في نفسك كدة .. هم سافروا مع حد غريب، دا عمهم من لحمهم ودمهم"
إلتفتت شرفة نحو اختها وزمّت شفتيها وقطبت حاجبيها، وزفرت زفرة أصابت ألفية بالدهشة فصاحت: "شرفة!! مالك ياختي .. أيه اللي حصل؟؟".
فردّت شرفة في صوت واثق "لازم آخد محمد وابوه ونسافر السودان .. ما اقدرش على فراق ضنايا".
خرجت مسرعة وهي تعدل من طرحتها وانطلقت كالسهم مارقةً من أزقة القرية إلى الغيطان، حيث سليمان وابنه محمد.
كان حضورها للغيط مفاجأة لم يكن ينتظرها سليمان، فقد كانت قبل قليل معهم عندما أحضرت لهم طعام الغداء. رمى سليمان "الطورية" من يده، ورفع طرف قميصه ومسح به حبيبات العرق التي كست جبهته، وتحرّك من وسط الزرع ليلتقي "شرفة" في منتصف المسافة وقد إستبدّت به حيرة طاغية، وامتلأ قلبه بالهواجس.
صاح في شرفة "أيه اللي حصل؟؟ مالك جاية في وقت زي دا؟؟ ما كنتي معانا قبل شوية"
وقفت شرفة قريبة من سليمان إلى درجة الإلتصاق ووضعت يديها على كتفيه، حتى أن سليمان شعر بسخانة أنفاسها تلسع وجهه وصاحت: "أنا عايزة تاخدني السودان النهار ده قبل بكره .. مش قادرة على بعد عيالي عني .. أنا عايشة في نار قايدة في جتتي .. أنا ما بنامش الليل حرام عليك يا راجل" وانطلقت تنوح بصوت مسموع..
فارتجفت أطراف الفكي الضو وهو يضم إلى صدره حفيديه، وخرجت من جوفه كلمات مبهمة تشوبها حشرجة راجفة ... "أبوكم طيب؟؟" لم يرد الصغيران، ولم يتحرّكا، فقد تجمّدا ووقفا دون حراك. وهنا تدخّل ود حاج أحمد "يا وليداتي دا جدّكم أبو أبوكم .. سلّموا عليه كويس".
إنتزع الطفلان أيديهما من قبضة جدّهما، وفي هدوء إندسّا في جلباب عمّهما حسن، وطفقا ينظران إلى جدّهما في ذعر وتوجّس .. وهنا صاح ود حاج أحمد "يا الضو يا خوي الوليدات ما عرفوك .. شوية شوية بيتعوّدوا عليك، عشان كده خليك من الصعوبية بتاعتك دي .."
أذن الفكي الضو لإبنه حسن والطفلين بالإنصراف إلى داخل المنزل للسلام على النسوان والراحة من عناء السفر .. وهنا أعلن محمد ود حاج أحمد بأن "الكرامة" ستكون على حسابه إبتهاجاً بعودة الغائبين .... وقد كان. فقد نحر كبشين أملحين أقرنين تناهشتهما الأيدي والأفواه.
إنطلقت بري المحس عن آخرها تتدافع للسلام على حسن ورؤية أولاد سليمان "أولاد المصرية". وانبرى حسن يحكي عن رحلته الطويلة، وما لقيه خلالها، مما أضاف حلماً جديداً لأحلام فتيات القرية .. ألا وهو زيارة بلاد "الريّافة" مصر .. وكان أكثر الناس إحتفاءاً بعودة حسن هم الأسر المصرية التي تسكن بري المحس .. حاج حسين وأحمد صُفّة (بضم الصاد وتشديد الفاء)، والشيخ الوقور "ماضي أبوالعزائم" أحد أولياء الله، ومصطفى فرحات وحاج سيّد وغيرهم، حتى نساء الأسر المصرية لم يجدوا حرجاً في أن يدخلوا منزل الفكي الضو "عشان ينادولهم حسن يسلّموا عليه، وذلك بعد سيل من القبلات على خدود الصغيرين أحمد ويحي بطريقة أجبرتهما على الهروب من أمام كل مرحّب، خاصةً النساء.
إستلقت "شرفة" على أريكة في ركن الدار وطوّفت ببصرها على الجدران حتى وصلت إلى السلّم المبني بالطوب الأخضر الذي يفضي بالإنسان إلى سطح الدار الذي إكتظّ "بكيزان" الذرة وحِزَم الثوم، وبعض أقراص روث الجاموس والأبقار التي تستخدم وقوداً للفرن.
عادت شرفة على غير هدى تتطوّف ببصرها على محتويات صحن الدار، "الزير" القناوي الذي تعلوه خشبة تهشّمت جوانبها، وعليها كوز كبير من المعدن اللاّمع، وتحت الزير "ماجور" صغير، وقرب الماجور جريدة نخل توقّفت شرفة عندها طويلاً، ونهضت متثاقلة ورفعتها من على الأرض وضمتها إلى صدرها، وعلى خدّها سالت دمعة ساخنة كالجمر.
لم تكن مجرّد جريدة نخل عادية، فقد كانت بمثابة "حصان" يمتطيها يحي وهو يجري بها في أرجاء الدار ضارباً إيّاها بقطعة جلد وهو يصيح فيها وكأنه فارس مغوار على ظهر فرس حقيقي. جلست شَرَفة القرفصاء على الأرض وأطلقت العنان لدموعها، فدخلت عليها شقيقتها "ألفية"، وبدلاً من أن تخفف عليها إبتدرتها بصوت حاد "أنا قلتلك ما تسيبيش عيالك يفارقوك .. خليهم في حضنك، ولو عايزين تسافروا، مالو .. ما تسافروا .. بس رجلك على رجلهم .. لكن ماسمعتوش كلامي..".
صمتت شرفة ولم تجب، وقامت من الأرض واتجهت نحو الباب فلحقتها "ألفية" .. "يا شرفة ياختي ماتعمليش في نفسك كدة .. هم سافروا مع حد غريب، دا عمهم من لحمهم ودمهم"
إلتفتت شرفة نحو اختها وزمّت شفتيها وقطبت حاجبيها، وزفرت زفرة أصابت ألفية بالدهشة فصاحت: "شرفة!! مالك ياختي .. أيه اللي حصل؟؟".
فردّت شرفة في صوت واثق "لازم آخد محمد وابوه ونسافر السودان .. ما اقدرش على فراق ضنايا".
خرجت مسرعة وهي تعدل من طرحتها وانطلقت كالسهم مارقةً من أزقة القرية إلى الغيطان، حيث سليمان وابنه محمد.
كان حضورها للغيط مفاجأة لم يكن ينتظرها سليمان، فقد كانت قبل قليل معهم عندما أحضرت لهم طعام الغداء. رمى سليمان "الطورية" من يده، ورفع طرف قميصه ومسح به حبيبات العرق التي كست جبهته، وتحرّك من وسط الزرع ليلتقي "شرفة" في منتصف المسافة وقد إستبدّت به حيرة طاغية، وامتلأ قلبه بالهواجس.
صاح في شرفة "أيه اللي حصل؟؟ مالك جاية في وقت زي دا؟؟ ما كنتي معانا قبل شوية"
وقفت شرفة قريبة من سليمان إلى درجة الإلتصاق ووضعت يديها على كتفيه، حتى أن سليمان شعر بسخانة أنفاسها تلسع وجهه وصاحت: "أنا عايزة تاخدني السودان النهار ده قبل بكره .. مش قادرة على بعد عيالي عني .. أنا عايشة في نار قايدة في جتتي .. أنا ما بنامش الليل حرام عليك يا راجل" وانطلقت تنوح بصوت مسموع..
رد: حكاية البحث عن سُليمان
..... نواصل ......
تبسّم سليمان وتملّكه فرح غامر على هذا الحماس المتدفّق من زوجته على السفر للسودان، ومحمّد على بعد خطوات منهما مشدوهاً حائراً عاجزاً عن تفسير ما يراه، ولكنه كان سعيداً بالسفر إلى حيث أخويه، فقد ظل يغالب لأكثر من شهر لواعج الأسى لفراقهما حتى صار كالشيخ الكبير .. شاخ محمد وهو لما يزال صبياً، ولم يعد يلعب مع أقرانه، وكان يكثر من الإنزواء وحيداً بعيداً عن الناس مطرقاً على الأرض يعيد شريط حياته مع أخويه وكأنه يخاف أن ينساهم.
لم يجد محمّد تفسيراً لحماس أمه التي كانت كثيراً ما تكون هدفاً لسيل من التحريض بعدم السفر للسودان من نساء القرية، وإنها كانت تضحك ولا ترد عليهن حتى ظن محمد إنها استكانت ورضخت لقولهن، وأنها حتماً لن تسافر للسودان. ولكنها اليوم تأتي بمثل هذا الحماس والإصرار لتطلب من والده أن يأخذها للسودان؟ هذا فوق قدرة الصبي على الإستيعاب.
ربت سليمان على كتف زوجته الحبيبة مؤكّداً بأن اسبوعين فقط بقيا على موعد الرحيل، وأنه أشد شوقاً للصغيرين وفوقهما والده ووالدته والأشقاء الذين يحملون نفس أسماء أبنائه، أو العكس هو الصحيح، أن أبنائه يحملون أسماء أشقائه يحي وأحمد، وأنه حتماً سيطلق أسماء بقية الأخوة على من سيأتي من الذرية، وفي هذا وفاء حقيقي وشعور قوي بالإنتماء إلى الأسرة والأهل.
وجاء اليوم الموعود، وخرج سليمان وشرفة ومحمد من "برنبال" متجهين جنوباً.
كان موكباً مهيباً أقرب إلى موكب تشييع منه إلى موكب وداع، فقد كان حزيناً جاهشاً بالبكاء منتحباً. خرجت "برنبال" هذه المرة بصورة لم تعهد من قبل. إنه وداع "شرفة" إبنة القرية المدللة التي لم تغادرها قيد أنملة، فلم تفارقها سوى مرتين في حياتها عندما أُخذت – وهي طفلة – إلى البندر مريضة بمرض أعجز حكيم القرية، ومرة عندما تعثّرت ولادتها لإبنها البكر محمد مما اضطر أهلها لأخذها إلى مستشفى البندر تحت إصرار سليمان وإلحاحه.
خرجت "برنبال" لوداع سليمان أيضاً الذي صار واحداً منهم، لم يجلس في مقعد المُعزّي في أتراحهم، بل كان أكثرهم تصدّياً للمعزّين من أهل النجوع والقرى الأخرى يسبقه ماعونه. وفي أفراحهم لا يجلس في أريكة المتفرجين في حفلات الطرب والسمر والإبهاج، بل كان أكثرهم سخاءً وأوفرهم مساهمة ومشاركة عينياً ومادياً. كان سليمان أسبقهم طراً لطالب المروءة والمستغيث، مجيراً ومدافعاً. كان أكثرهم ذوداً عن الحمى وأقواهم وأشجعهم في معارك الدفاع عن الأرض والعرض. ولذلك خرجوا لوداع الرجل الأسمر القادم من بعيد، والذي بقي معهم أكثر من عشر سنوات صاروا خلالها أخوال لأبنائه.
صعد سُليمان وشرفة ومحمّد على ظهر الحنطور المزخرف المزركش كغرفة عروس، وقد ناء بما حمل في مؤخرته من "زكائب" حملت ما لذّ وطاب من فطائر وشطائر وطعام. فقد أصرّ أغلب أهل القرية على أن تحمل شرفة وسليمان شيئاً من زادهم.
وكان ختام اللقاء نواح ونحيب اختلطت فيهما أصوات النساء والرجال والأطفال والصبية. وهؤلاء بالذات تشبّثوا بأخيهم ورفيق طفولتهم وصباهم محمد الأسمر، وكأنهم يحاولون الحيلولة بينه والسفر.
تبسّم سليمان وتملّكه فرح غامر على هذا الحماس المتدفّق من زوجته على السفر للسودان، ومحمّد على بعد خطوات منهما مشدوهاً حائراً عاجزاً عن تفسير ما يراه، ولكنه كان سعيداً بالسفر إلى حيث أخويه، فقد ظل يغالب لأكثر من شهر لواعج الأسى لفراقهما حتى صار كالشيخ الكبير .. شاخ محمد وهو لما يزال صبياً، ولم يعد يلعب مع أقرانه، وكان يكثر من الإنزواء وحيداً بعيداً عن الناس مطرقاً على الأرض يعيد شريط حياته مع أخويه وكأنه يخاف أن ينساهم.
لم يجد محمّد تفسيراً لحماس أمه التي كانت كثيراً ما تكون هدفاً لسيل من التحريض بعدم السفر للسودان من نساء القرية، وإنها كانت تضحك ولا ترد عليهن حتى ظن محمد إنها استكانت ورضخت لقولهن، وأنها حتماً لن تسافر للسودان. ولكنها اليوم تأتي بمثل هذا الحماس والإصرار لتطلب من والده أن يأخذها للسودان؟ هذا فوق قدرة الصبي على الإستيعاب.
ربت سليمان على كتف زوجته الحبيبة مؤكّداً بأن اسبوعين فقط بقيا على موعد الرحيل، وأنه أشد شوقاً للصغيرين وفوقهما والده ووالدته والأشقاء الذين يحملون نفس أسماء أبنائه، أو العكس هو الصحيح، أن أبنائه يحملون أسماء أشقائه يحي وأحمد، وأنه حتماً سيطلق أسماء بقية الأخوة على من سيأتي من الذرية، وفي هذا وفاء حقيقي وشعور قوي بالإنتماء إلى الأسرة والأهل.
وجاء اليوم الموعود، وخرج سليمان وشرفة ومحمد من "برنبال" متجهين جنوباً.
كان موكباً مهيباً أقرب إلى موكب تشييع منه إلى موكب وداع، فقد كان حزيناً جاهشاً بالبكاء منتحباً. خرجت "برنبال" هذه المرة بصورة لم تعهد من قبل. إنه وداع "شرفة" إبنة القرية المدللة التي لم تغادرها قيد أنملة، فلم تفارقها سوى مرتين في حياتها عندما أُخذت – وهي طفلة – إلى البندر مريضة بمرض أعجز حكيم القرية، ومرة عندما تعثّرت ولادتها لإبنها البكر محمد مما اضطر أهلها لأخذها إلى مستشفى البندر تحت إصرار سليمان وإلحاحه.
خرجت "برنبال" لوداع سليمان أيضاً الذي صار واحداً منهم، لم يجلس في مقعد المُعزّي في أتراحهم، بل كان أكثرهم تصدّياً للمعزّين من أهل النجوع والقرى الأخرى يسبقه ماعونه. وفي أفراحهم لا يجلس في أريكة المتفرجين في حفلات الطرب والسمر والإبهاج، بل كان أكثرهم سخاءً وأوفرهم مساهمة ومشاركة عينياً ومادياً. كان سليمان أسبقهم طراً لطالب المروءة والمستغيث، مجيراً ومدافعاً. كان أكثرهم ذوداً عن الحمى وأقواهم وأشجعهم في معارك الدفاع عن الأرض والعرض. ولذلك خرجوا لوداع الرجل الأسمر القادم من بعيد، والذي بقي معهم أكثر من عشر سنوات صاروا خلالها أخوال لأبنائه.
صعد سُليمان وشرفة ومحمّد على ظهر الحنطور المزخرف المزركش كغرفة عروس، وقد ناء بما حمل في مؤخرته من "زكائب" حملت ما لذّ وطاب من فطائر وشطائر وطعام. فقد أصرّ أغلب أهل القرية على أن تحمل شرفة وسليمان شيئاً من زادهم.
وكان ختام اللقاء نواح ونحيب اختلطت فيهما أصوات النساء والرجال والأطفال والصبية. وهؤلاء بالذات تشبّثوا بأخيهم ورفيق طفولتهم وصباهم محمد الأسمر، وكأنهم يحاولون الحيلولة بينه والسفر.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
نواصل ...
إنطلقت الجياد تحت لسع سياط الحوذي "سائق الحنطور" وهو يسوطها بلا رأفة أو رحمة. بدأت الرحلة جنوباً، وقد أذهلت شرفة ومحمد رؤية المدن والبيوت "السرايات" والترام والقطار والناس والأجناس، وتولّد لديهما إحساس بأنهما يولدان أوّل مرّة.
مذهل كل ما شاهداه، وما كان يمكن أن يصدّقاه لو سمعا عنه الأقاصيص والحكايات. كان فوق الخيال. وبرغم هذا، فقد استوعبا التجربة الجديدة التي فتقت الأذهان على معارف جديدة تضيف إلى تراكم ما حصلا عليه من خلال الروايات التي سمعاها من قبل، والتي اكتشفا المبالغات التي كانت تضيفها عقول من سبق له رؤية هذه المدن، خاصةً القاهرة، وعاد إلى القرية يمارس فشراً كذوباً ومبالغات فيها شئ من السذاجة.
وبالطبع، فقد سخرت شرفة من كل الذين مارسوا هذا الفشر والكذب. سخرت في دواخلها. وبرغم هذا، فإن ما شاهدته كان أعظم وأبهر وأبهى.
إنطلقت الجياد تحت لسع سياط الحوذي "سائق الحنطور" وهو يسوطها بلا رأفة أو رحمة. بدأت الرحلة جنوباً، وقد أذهلت شرفة ومحمد رؤية المدن والبيوت "السرايات" والترام والقطار والناس والأجناس، وتولّد لديهما إحساس بأنهما يولدان أوّل مرّة.
مذهل كل ما شاهداه، وما كان يمكن أن يصدّقاه لو سمعا عنه الأقاصيص والحكايات. كان فوق الخيال. وبرغم هذا، فقد استوعبا التجربة الجديدة التي فتقت الأذهان على معارف جديدة تضيف إلى تراكم ما حصلا عليه من خلال الروايات التي سمعاها من قبل، والتي اكتشفا المبالغات التي كانت تضيفها عقول من سبق له رؤية هذه المدن، خاصةً القاهرة، وعاد إلى القرية يمارس فشراً كذوباً ومبالغات فيها شئ من السذاجة.
وبالطبع، فقد سخرت شرفة من كل الذين مارسوا هذا الفشر والكذب. سخرت في دواخلها. وبرغم هذا، فإن ما شاهدته كان أعظم وأبهر وأبهى.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وصل قطار الصعيد إلى أسوان، وهال شرفة وإبنها محمد أعداد البشر السمر الهائلة، وتضاؤل أعداد ذوي البشرة البيضاء، عكس ما كان طيلة الرحلة، حيث كان الشخص الأسمر مثل الشامة على الخد الأبيض .. وتكرر ذات المنظر عندما توقّف القطار في حضن الجبل الأسود العاتي، وعلى لافتة بيضاء تلعثم محمد وهو يتهجّى "الشـ.لا.ل". إنه الشلاّل، وهذا ما أكده أحد السمر الذين سألتهم شرفة من شباك القطار حين كان سليمان يدلف من باب القطار ليقفز إلى الأرض حتى يكون في قبالة الشباك الذي تقف فيه شرفة، وقد تمنطق سليمان بعمامته كحزام أحد الأزهريين، وطفق يتناول من شرفة الزكائب واللفائف والصفائح والأغراض الأخرى، وهي تناوله إياها من خلال نافذة القطار.. أمّا محمد، فقد جلس على ظهر إحدى "القروانات" يراقب والده الذي عنّفه عند محاولته المساهمة في حمل بعض الأغراض، لأن محمد كان يعاني من حمّى رافقته أياماً ثلاثة، ولكنه – حمداً لله – قد استعاد عافيته قليلاً.
قضى سليمان وأسرته يوماً ساخناً في الشلاّل تحت وهج شمس ألهبت أجسادهم خاصةً شرفة التي لم تعتد على مثل هذه "السخونية"، فصاحت: "أوف .. نار قايدة في جتتي .. دي أسوان كدة .. كيف السودان؟؟"
تبسّم سليمان وقهقه محمد، فقد كانت شرفة على وشك "الخروج من هدومها"، وقد طفقت "ترش" وجهها بالماء وصبه على أقدامها، ووصلت إلى إصابة ملابسها بالبلل وهي تستعيذ بالله من حر هذا البلد "الجهنّم".
قضى سليمان وأسرته يوماً ساخناً في الشلاّل تحت وهج شمس ألهبت أجسادهم خاصةً شرفة التي لم تعتد على مثل هذه "السخونية"، فصاحت: "أوف .. نار قايدة في جتتي .. دي أسوان كدة .. كيف السودان؟؟"
تبسّم سليمان وقهقه محمد، فقد كانت شرفة على وشك "الخروج من هدومها"، وقد طفقت "ترش" وجهها بالماء وصبه على أقدامها، ووصلت إلى إصابة ملابسها بالبلل وهي تستعيذ بالله من حر هذا البلد "الجهنّم".
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وفي المركب الحديد، إفترشت الأسرة الصغيرة السطح الصلب، وتناولت شرفة إحدى الزكائب وأخرجت فرخة دجاج تصلّبت بفعل الزمن وقربتها من أنفها حتى تطمئن، وابتسمت عندما أحست بأن رائحتها لم تتغير، ووضعتها على قطعة قماش ملطّخة بالزيت، وتناولت كسرات خبز "ملدّنة" ووضعتها على طرف قطعة القماش وصاحت: "م الصبح وانتو على لحم بطنكو يلا يا بو محمد قول بسم الله، وإنت يا محمد كل يا ضنايا السفر خد من صحتك الكتير..".
وبدأت المركب الحديد في الصفير والعويل، وتحرّكت وأفراد طاقمها يتصايحون وهم يجرون الحبال ويطوونها وهم يرددون أغنيات عجمية بلهجة نوبية مموسقة تتميز بلكنة محببة.
وتحرّكت المركب الحديد وهي تئز وتزأر ودواليبها تضرب الماء في حمية وجسارة وتحدٍّ وهي تجر ثلاثة من "الصنادل" التي تصدر أصوات صرير وهي ترتطم بالمركب الأم، والتي حمت نفسها بعدد من الإطارات القديمة وبعض لفافات حبال "التيل" الغليظة لتخفيف اللطمات والصدمات.
وصلت المركب الحديد إلى وادي حلفا أوّل محطات الوصول إلى السودان، ووقف محمّد على حافّة المركب على أطراف أصابعه حتى يرى إلى أبعد مدى ممكن. فقد وصلت المركب وادي حلفا، ومنها – كما قال والده سليمان – سيركبون القطار إلى السودان، وكأن وادي حلفا أرض غير سودانية، فقد سمع محمّد من بعض أهالي وادي حلفا بأن قطار السودان وصل في انتظار ركّاب الباخرة.
وبدأت المركب الحديد في الصفير والعويل، وتحرّكت وأفراد طاقمها يتصايحون وهم يجرون الحبال ويطوونها وهم يرددون أغنيات عجمية بلهجة نوبية مموسقة تتميز بلكنة محببة.
وتحرّكت المركب الحديد وهي تئز وتزأر ودواليبها تضرب الماء في حمية وجسارة وتحدٍّ وهي تجر ثلاثة من "الصنادل" التي تصدر أصوات صرير وهي ترتطم بالمركب الأم، والتي حمت نفسها بعدد من الإطارات القديمة وبعض لفافات حبال "التيل" الغليظة لتخفيف اللطمات والصدمات.
وصلت المركب الحديد إلى وادي حلفا أوّل محطات الوصول إلى السودان، ووقف محمّد على حافّة المركب على أطراف أصابعه حتى يرى إلى أبعد مدى ممكن. فقد وصلت المركب وادي حلفا، ومنها – كما قال والده سليمان – سيركبون القطار إلى السودان، وكأن وادي حلفا أرض غير سودانية، فقد سمع محمّد من بعض أهالي وادي حلفا بأن قطار السودان وصل في انتظار ركّاب الباخرة.
- صلاح يحيى سليمان
- مشاركات: 3213
- اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
- مكان: المانيا
- اتصال:
رد: حكاية البحث عن سُليمان
الف حمدا لله على السلامة
واخيرا وصل الجد المفقود.
واصل اخ ابو الريش.
واخيرا وصل الجد المفقود.
واصل اخ ابو الريش.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
الأخ صلاح ..
حمد الله على سلامة الجد ..
طيب يا سيدي ... نواصل
حمد الله على سلامة الجد ..
طيب يا سيدي ... نواصل
رد: حكاية البحث عن سُليمان
نزل الركّاب ومن بينهم سليمان وشرفة ومحمّد، وتوجّهوا إلى القطار الذي يختلف كثيراً في شكله عن قطار مصر، فهو أكثر احتشاماً، قليل النوافذ، ضيّق المنافذ، هادئ اللون، إلى جانب أنه أطول، وعرباته أكثر وأقصر قامة وأقل عرضاً.
وضع سليمان حوائجهم على رفوف العربة، وجلست شرفة قبالة النافذة، وخلف ظهرها وقف الصبي محمّد يشاركها ذات النافذة وهو يصيح لافتاً نظرها لبعض المظاهر: "بصي يا مّايا .. شوفي الجماعة اللي هناك بيتعاركوا ... أسمعي اسمعي .. الست اللي بتغني ومعاها حرمات يامّا .. ديل عندهم عرس لازم. ...... أيوه أهو دا العريس مع صحاباتو بيسلّموا عليه"
وفجأة جفل القطار، وكاد محمّد أن يسقط على رأسه لولا أن سليمان كان أسرع فتلقّاه بكلتا يديه وهو يصيح في انفعال: "دلوقت كنت حتوقع .. يا محمد خليك واد راسي واقعد جنب أمك بهداوة يابني القطار حيتحرّك".
وضع سليمان حوائجهم على رفوف العربة، وجلست شرفة قبالة النافذة، وخلف ظهرها وقف الصبي محمّد يشاركها ذات النافذة وهو يصيح لافتاً نظرها لبعض المظاهر: "بصي يا مّايا .. شوفي الجماعة اللي هناك بيتعاركوا ... أسمعي اسمعي .. الست اللي بتغني ومعاها حرمات يامّا .. ديل عندهم عرس لازم. ...... أيوه أهو دا العريس مع صحاباتو بيسلّموا عليه"
وفجأة جفل القطار، وكاد محمّد أن يسقط على رأسه لولا أن سليمان كان أسرع فتلقّاه بكلتا يديه وهو يصيح في انفعال: "دلوقت كنت حتوقع .. يا محمد خليك واد راسي واقعد جنب أمك بهداوة يابني القطار حيتحرّك".
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وتحرّك القطار في تؤدّة وهدوء، تبعه توقّف مفاجئ، ثم تحرّك، ثم توقّف، ومن خلال النافذة رأت شرفة رجلاً بدينا يحمل في يده "راية" خضراء يلوّح بها لمن في مقدّمة القطار، ويطلق صفيراً متواصلاً. ويجيب القطار بإطلاق صفير حاد طويل، أعقبه صوت دوي وزفير متعالٍ، وبدأ القطار يتحرّك مصدراً صريراً يصك الآذان بطنين مزعج. ويواصل القطار تحرّكه البطئ، وأصوات متنافرة تغلب عليها العجمة تتعالى هنا وهناك.
والقطار يزيد من سرعته حتى غادر "المحطّة" وانطلق يتلوّى وهو يخرج من المدينة التي يغلب على حيطان منازلها اللون الأبيض تزيّنه بعض "الأطباق" والرسومات الطفلة الساذجة.
إبتلعت القطار صحراء العتمور القاحلة وهو يتلوّى كملسوع، وتعالت حوله سحب الغبار التي أجبرت الجميع على إغلاق النوافذ إتّقاء لمضارها.
كانت رحلة كئيبة إلى حد كبير عبر تلك الصحراء التي تنعدم فيها الحياة إلاّ في "محطّات" السكة الحديد التي تضم نوعاً من "القطاطي" المطلية بالجير الأصفر ويسكنها العاملون في تلك المحطّات.
والقطار يزيد من سرعته حتى غادر "المحطّة" وانطلق يتلوّى وهو يخرج من المدينة التي يغلب على حيطان منازلها اللون الأبيض تزيّنه بعض "الأطباق" والرسومات الطفلة الساذجة.
إبتلعت القطار صحراء العتمور القاحلة وهو يتلوّى كملسوع، وتعالت حوله سحب الغبار التي أجبرت الجميع على إغلاق النوافذ إتّقاء لمضارها.
كانت رحلة كئيبة إلى حد كبير عبر تلك الصحراء التي تنعدم فيها الحياة إلاّ في "محطّات" السكة الحديد التي تضم نوعاً من "القطاطي" المطلية بالجير الأصفر ويسكنها العاملون في تلك المحطّات.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
أرخى الليل ستائره السوداء على الصحراء، وأُضيئت ثلاث لمبات خافتة الضوء في سقف العربة مما أضفى على المكان نوعاً من التعتيم الكئيب مما أصاب الركاب بالنعاس، فراحوا في سباتٍ عميق.
إنقضى الليل دافئاً، وأشرقت الشمس من خلف الجبال الزرق كالحةً هي الأخرى، وكأنها تعاني من ضيق بمنظر الصحراء الكالحة. ومنذ باكر صعودها في الأفق وارتفاعها في عنان السماء، إنبرت تلهب الوجوه بسَمومٍ حرّاقة تشوي البشرة.
وعند انتصاف النهار، وصل القطار أبو حمد، حيث التقى النيل الذي حفته باسقات النخيل، وشجيرات الليمون المخضرّة. توقّف القطار وسكنت حركته، وبقي قرابة الساعة طاف خلالها سليمان ومحمّد أرجاء السوق، ونزلا إلى النيل واغتسلا من غبار العتمور الداكن، وتناولا وجبة "كسرة وملاح" رفضت شرفة أن تشاركهما بعد أن ذاقتها ولم تستسيغها ابداً، ولكن محمد إزدردها بشغفٍ ملحوظ مجاراةً لوالده الذي أبدى ابتهاجاً كبيراً "بملاح الشرموط الأحمر"، وقد لمس محمد إلى أي مدى هو شهي، وحاول إقناع والدته، ولكنها تمنّعت وغطّت وجهها وطرف طرحتها، ومدّت بكف يمناها في وجه سليمان ومحمّد، ولقي هذا صيحات الإشفاق والأسف من سليمان لأنها "غير محظوظة".
وتواصلت الرحلة جنوباً، وتوالت نفس المناظر، نخيل وقرى مبعثرة البيوت، ومدن لا تختلف عن بعضها كثيراً.
وأخيراً، وبعد رحلة يومين اثنين، وصل القطار إلى محطّة الخرطوم بحري، ومنها عبر النيل على ظهر "كبري" رمادي اللون أصاب سليمان بالدهشة، لأنه لم يكن هناك عندما غادر الخرطوم منذ أكثر من أربعة عشر عاماً... وتلفّت يمنةً ويساراً وهو مذهول بالتغيير الذي حدث.
إنقضى الليل دافئاً، وأشرقت الشمس من خلف الجبال الزرق كالحةً هي الأخرى، وكأنها تعاني من ضيق بمنظر الصحراء الكالحة. ومنذ باكر صعودها في الأفق وارتفاعها في عنان السماء، إنبرت تلهب الوجوه بسَمومٍ حرّاقة تشوي البشرة.
وعند انتصاف النهار، وصل القطار أبو حمد، حيث التقى النيل الذي حفته باسقات النخيل، وشجيرات الليمون المخضرّة. توقّف القطار وسكنت حركته، وبقي قرابة الساعة طاف خلالها سليمان ومحمّد أرجاء السوق، ونزلا إلى النيل واغتسلا من غبار العتمور الداكن، وتناولا وجبة "كسرة وملاح" رفضت شرفة أن تشاركهما بعد أن ذاقتها ولم تستسيغها ابداً، ولكن محمد إزدردها بشغفٍ ملحوظ مجاراةً لوالده الذي أبدى ابتهاجاً كبيراً "بملاح الشرموط الأحمر"، وقد لمس محمد إلى أي مدى هو شهي، وحاول إقناع والدته، ولكنها تمنّعت وغطّت وجهها وطرف طرحتها، ومدّت بكف يمناها في وجه سليمان ومحمّد، ولقي هذا صيحات الإشفاق والأسف من سليمان لأنها "غير محظوظة".
وتواصلت الرحلة جنوباً، وتوالت نفس المناظر، نخيل وقرى مبعثرة البيوت، ومدن لا تختلف عن بعضها كثيراً.
وأخيراً، وبعد رحلة يومين اثنين، وصل القطار إلى محطّة الخرطوم بحري، ومنها عبر النيل على ظهر "كبري" رمادي اللون أصاب سليمان بالدهشة، لأنه لم يكن هناك عندما غادر الخرطوم منذ أكثر من أربعة عشر عاماً... وتلفّت يمنةً ويساراً وهو مذهول بالتغيير الذي حدث.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وفي محطّة الخرطوم، إنتهت الرحلة، وتوقّف القطار، ونزل سليمان وشرفة ومحمّد. وكان الوقت متأخراً، فقد تعالت أصوات المآذن تنبّه الناس لقرب موعد صلاة الفجر.
جلس سُليمان على بساط أخضر من العُشب الطري، ومعه بضع عشرات ينتظرون موعد صلاة الفجر. وتعالت الهمسات والهمهمات بالتلاوة والتسبيح والدّعاء ... وفي مكانٍ ليس قصي، جلست بعض النسوة ومعهن شرفة في انتظار موعد الصلاة أيضاً، وأمامهنّ تتكوّم الأغراض ومحمّد وبعض الصبية يعلونها في سعادة وحبور وفرح بالوصول.
أقيمت الصلاة، وكان سليمان أكثر الناس خشوعاً لله الذي حباه وخصّه بأسرة صغيرة رائعة، وأسرة كبيرة أروع ظلّ سليمان كثير الإعتزاز بها، والفخر بالإنتماء إليها.
إنقضت الصلاة، ورفع سليمان يديه إلى السماء شاكراً فضله وتفضّله. وسرت في قلبه قشعريرة إهتزّ لها بدنه, وذلك عندما تذكّر والده الفكي الضو. يا ترى كيف يكون اللقاء؟؟ كيف؟؟ الفعلة التي ارتكبها بحماقة. فعلته التي كان نتاجها الهروب لأكثر من أربعة عشر عاماً .. يا تُرى كيف يكون اللقاء مع والده الشيخ الصارم؟ الذي لم يره في حياته يضحك إلاّ باقتضاب شديد حتى مع أقرانه وأترابه الشيوخ على قلّتهم.
جلس سُليمان على بساط أخضر من العُشب الطري، ومعه بضع عشرات ينتظرون موعد صلاة الفجر. وتعالت الهمسات والهمهمات بالتلاوة والتسبيح والدّعاء ... وفي مكانٍ ليس قصي، جلست بعض النسوة ومعهن شرفة في انتظار موعد الصلاة أيضاً، وأمامهنّ تتكوّم الأغراض ومحمّد وبعض الصبية يعلونها في سعادة وحبور وفرح بالوصول.
أقيمت الصلاة، وكان سليمان أكثر الناس خشوعاً لله الذي حباه وخصّه بأسرة صغيرة رائعة، وأسرة كبيرة أروع ظلّ سليمان كثير الإعتزاز بها، والفخر بالإنتماء إليها.
إنقضت الصلاة، ورفع سليمان يديه إلى السماء شاكراً فضله وتفضّله. وسرت في قلبه قشعريرة إهتزّ لها بدنه, وذلك عندما تذكّر والده الفكي الضو. يا ترى كيف يكون اللقاء؟؟ كيف؟؟ الفعلة التي ارتكبها بحماقة. فعلته التي كان نتاجها الهروب لأكثر من أربعة عشر عاماً .. يا تُرى كيف يكون اللقاء مع والده الشيخ الصارم؟ الذي لم يره في حياته يضحك إلاّ باقتضاب شديد حتى مع أقرانه وأترابه الشيوخ على قلّتهم.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وصلت العربة بسليمان وشرفة ومحمّد أطراف بُرّي المحس. وتوقّف السائق يسأل إلى أي اتجاه يسير؟ بالطبع إحتار سليمان وتلعثم. لم يكن يعرف إلى أين إنتقلت أسرتهم. لقد غادرها وهي تسكن الخرطوم، وفي غيابه إنتزع ونجت باشا الحاكم العام البريطاني أراضي محس الخرطوم، ورمى بهم في أطرافها الشرقية عند المكان الذي يحتله سلاح الأسلحة. وأن مدير الخرطوم الكولونيل ستانتن خطط قرية بري المحس حيث رحل إليها محس الخرطوم ليستقروا فيها. تلفّت سليمان وهو يطل من نافذة العربة "الفورد"، ولمح على البعد إحدى جواري القرية، فصاح يسألها " يا بت .. بتعرفي بيت الفكي الضو ود سليمان؟".
إمتعضت الفتاة، وردّت عليه بجفاء: "وكتين ما بتعرف بيت الفكي الضو جايي برّي تعمل شنو؟؟" وفجأة فغرت فاها ووقفت مشدوهة في بلاهة وهي بين مصدّق ومكذّب، وصاحت كمن عثر على "لقيّة"، "سجم خشمي سجم خشمي .. سليمان؟؟ أياهو سليمان!! سليمان ود الضو .. أيوي يوووي .. يوووي" وانطلقت تزغرد في هياج عارم وذعر وهي تجري "يا ناس بُرّي سليمان ود الضو رجع .. أيووي يووووي".
إبتسم سليمان وذُهلت شرفة واحتار محمّد لهذه المرأة التي انطلقت كالملسوعة .. أشار سليمان للسائق بأن يتبع الفتاة، فقد عرفها سليمان، بالطبع لن تكون إلاّ "الصبر قيمة"، والتي شبّت عن الطوق. فقد تركها سليمان وهي صبية يافعة، ولكن ملامحها تدل على أنها فعلاً "الصبرقيمة" وقد صارت إمرأة حقّاً..
إمتعضت الفتاة، وردّت عليه بجفاء: "وكتين ما بتعرف بيت الفكي الضو جايي برّي تعمل شنو؟؟" وفجأة فغرت فاها ووقفت مشدوهة في بلاهة وهي بين مصدّق ومكذّب، وصاحت كمن عثر على "لقيّة"، "سجم خشمي سجم خشمي .. سليمان؟؟ أياهو سليمان!! سليمان ود الضو .. أيوي يوووي .. يوووي" وانطلقت تزغرد في هياج عارم وذعر وهي تجري "يا ناس بُرّي سليمان ود الضو رجع .. أيووي يووووي".
إبتسم سليمان وذُهلت شرفة واحتار محمّد لهذه المرأة التي انطلقت كالملسوعة .. أشار سليمان للسائق بأن يتبع الفتاة، فقد عرفها سليمان، بالطبع لن تكون إلاّ "الصبر قيمة"، والتي شبّت عن الطوق. فقد تركها سليمان وهي صبية يافعة، ولكن ملامحها تدل على أنها فعلاً "الصبرقيمة" وقد صارت إمرأة حقّاً..
- صلاح يحيى سليمان
- مشاركات: 3213
- اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
- مكان: المانيا
- اتصال:
رد: حكاية البحث عن سُليمان
أبوالريش كتب:
إبتسم سليمان وذُهلت شرفة واحتار محمّد لهذه المرأة التي انطلقت كالملسوعة .. أشار سليمان للسائق بأن يتبع الفتاة، فقد عرفها سليمان، بالطبع لن تكون إلاّ "الصبر قيمة"، والتي شبّت عن الطوق. فقد تركها سليمان وهي صبية يافعة، ولكن ملامحها تدل على أنها فعلاً "الصبرقيمة" وقد صارت إمرأة حقّاً..
الصبر قيمة
الله معانا
الله ادانا
اسماء لا تعلم معناها الا بعد كتابتها ...
عليهم الرحمة.
واصل اخ محمد
الله معانا
الله ادانا
اسماء لا تعلم معناها الا بعد كتابتها ...
عليهم الرحمة.
واصل اخ محمد
رد: حكاية البحث عن سُليمان
الأخ صلاح ..المشرف العام كتب:الصبر قيمة
الله معانا
الله ادانا
اسماء لا تعلم معناها الا بعد كتابتها ...
عليهم الرحمة.
واصل اخ محمد
ملاحظة في محلّها ... وقدامها مليون علامة إستفهام
أكيد حنواصل ......[/font][/size][/b]
رد: حكاية البحث عن سُليمان
وصلت "الصَّبُر قيمة" بيت الفكي الضو، ولم تتحرّج في اقتحام مجلسه لأوّل مرّة في حياتها لتصيح "أبوي الفكي الضو سليمان .. سليمان رجع". وقفلت راجعة إلى الشارع وهي تملأ الدنيا زغاريداً وصياحاً.
لم يستطع الوقار أن يقعده عن النهوض بسرعة وهو يجر ثوبه على الأرض جرّاً. وفي الشارع، تخلّى الفكي الضو عن كلّ ما تميّز به من هدوء ووقار، وانهال على وجه إبنه سليمان يبلله بالدموع التي لم يحاول مغالبتها ... ونسي الفكي الضو نفسه تماماً، وانطلق يبكي بصوتٍ مسموع، وهو يكثر من الحمد لله الذي أعاد له إبنه البكر حتى يكون في وداعه عندما يموت.
ما كان أحد يدور في خلده أن الفكي الضو يمتلك كل هذا الحب والحنان الذي كان مدفوناً تحت أكوام من التؤدة والوقار ... تناقلت الألسن صور ذلك اليوم، بل طفقت تضيف من عندها تفاصيل أكثر .. خاصةً النسوة.
وقفت شرفة تحتضن "محمد" لفترة طويلة لم يلتفت إليها أحد. حتى سليمان ظلّ بعيداً عنهما وهو يعانق أخوته وأهله الواحد تلو الآخر.
تلفتت شرفة، وهالها أن لا ترى وسط المستقبلين أحمد ويحي فلذتي كبدها، وكادت أن تنفجر "وين عيالي؟؟"، ولكن حسن الضو جاء يركض نحوها ويجر أحمد ويحي جراً، فقد كانا "بين النوم والصحيان" .. صرخت شرفة، وانقضّت عليهما بطريقة لفتت أنظار الحاضرين وأخذتهما شرفة في أحضانها، وهي تعتصرهما عصراً، ومحمّد يقفز في الهواء جزلاً وفرحاً بلم الشمل ولقاء أخويه.
لم يستطع الوقار أن يقعده عن النهوض بسرعة وهو يجر ثوبه على الأرض جرّاً. وفي الشارع، تخلّى الفكي الضو عن كلّ ما تميّز به من هدوء ووقار، وانهال على وجه إبنه سليمان يبلله بالدموع التي لم يحاول مغالبتها ... ونسي الفكي الضو نفسه تماماً، وانطلق يبكي بصوتٍ مسموع، وهو يكثر من الحمد لله الذي أعاد له إبنه البكر حتى يكون في وداعه عندما يموت.
ما كان أحد يدور في خلده أن الفكي الضو يمتلك كل هذا الحب والحنان الذي كان مدفوناً تحت أكوام من التؤدة والوقار ... تناقلت الألسن صور ذلك اليوم، بل طفقت تضيف من عندها تفاصيل أكثر .. خاصةً النسوة.
وقفت شرفة تحتضن "محمد" لفترة طويلة لم يلتفت إليها أحد. حتى سليمان ظلّ بعيداً عنهما وهو يعانق أخوته وأهله الواحد تلو الآخر.
تلفتت شرفة، وهالها أن لا ترى وسط المستقبلين أحمد ويحي فلذتي كبدها، وكادت أن تنفجر "وين عيالي؟؟"، ولكن حسن الضو جاء يركض نحوها ويجر أحمد ويحي جراً، فقد كانا "بين النوم والصحيان" .. صرخت شرفة، وانقضّت عليهما بطريقة لفتت أنظار الحاضرين وأخذتهما شرفة في أحضانها، وهي تعتصرهما عصراً، ومحمّد يقفز في الهواء جزلاً وفرحاً بلم الشمل ولقاء أخويه.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
شعر الجميع بالخجل من تجاهلهم لشرفة، خاصةً سليمان الذي وضع يده على كتفها والتفت إلى الجمع الذي تحلّق حولهم وقال: "أهي دي شرفة زوجتي وأم أولادي...". قالها سليمان في حب أكيد مؤكّد.
لقد كان اللقاء فريداً حقّاً، لم تعهده هذه الضاحية الهادئة التي لم يعرف أهلها الهجرة والنجوع، وحتّى السفر كان محدوداً في طبقة مستخدمي الدولة الذين يضطرّون للسفر حيث يتم "نقلهم"، ومن بينهم – بالطبع – الفكي الضو الذي عمل قاضياً في العديد من أصقاع السودان. وهناك إشارة في رسائل المهدي إلى أنه – أي الفكي الضو – كان قاضياً لفشودة في جنوب السودان، فقد كان يعمل في السلك القضائي منذ فترة الحكم التركي.
توالت العزائم والولائم في القرية، وتوسّط سليمان جلسات الأتراب والأصحاب على كثبان الرمال في "قعر الحلّة"، و"الفريق الفوقاني" حيث تكثر هذه الكثبان. وقد اشتهر أحد هذه الكثبان باسم "نادي الرملة"، وذلك في عهد قريب. توسّط سليمان هذه الجلسات، وطفق يروي الحكايات العجاب عن رحلة الأربعة عشر عاماً في بلاد الريف. عن العادات والتقاليد، الفنون والتطريب والمسارح و"التياتروهات"، عن الحسن والجمال الطلي الناصع البياض ومزايا الزواج بالمصريات، وعن الكثير من خفايا بلاد الريف، مما أذهل أترابه وكبار القرية الذين كانوا أيضاً يصغون لرواياته.
أمّا شرفة، فقد تحلّقت حولها البنات والفتيات يتعلّمن منها الكثير من فنون التدبير المنزلي والطبخ والخَبز (بفتح الخاء وتسكين الباء والزاي)، ويبتهجن لخفة دمها وسرعة بديهتها .. وكانت هي الأخرى شغوفة لمعرفة صنعة التجميل لدى السودانيات، الحنة والدّخّان وعطر الخُمرة (بضم الخاء)، وحتى "الكسرة" بالملاح تعلّمتها شَرَفة بسرعة وأجادتها إجادة كاملة حتى لا يبحث عنها سُليمان عند غيرها.
ومحمد هو الآخر كان كل ملح جلسات الصبية اليافعين، وقد كوّن هو ويحي وأحمد (ثلاثي متّحد) في مقابل بعض نزعات العدوان عند البعض، خاصةً من "الفرقان" المجاورة، وازدادت صلابة مقابلتهم للنزعات العدوانية بالتفاف أبناء أسرتهم وبقية أبناء الحي حولهم.
ومن جانب آخر، فقد برع محمّد في صناعة بعض أدوات اللعب التي تعلّمها منه الأتراب إلى جانب تلك الذخيرة الوافرة من الأزجال الفلاّحية والأغنيات والمواويل ... وتعرّف أتراب محمد ويحي وأحمد على ضروب من اللعب لم تكن معهودة لديهم، وأطلّوا من خلال هذا الثلاثي الرائع على ثقافة ومعرفة متطوّرة جعلت زعامة هذا الثلاثي تتأصّل وتتوطّد على مر الأيّام.
و ..... نواصل
لقد كان اللقاء فريداً حقّاً، لم تعهده هذه الضاحية الهادئة التي لم يعرف أهلها الهجرة والنجوع، وحتّى السفر كان محدوداً في طبقة مستخدمي الدولة الذين يضطرّون للسفر حيث يتم "نقلهم"، ومن بينهم – بالطبع – الفكي الضو الذي عمل قاضياً في العديد من أصقاع السودان. وهناك إشارة في رسائل المهدي إلى أنه – أي الفكي الضو – كان قاضياً لفشودة في جنوب السودان، فقد كان يعمل في السلك القضائي منذ فترة الحكم التركي.
توالت العزائم والولائم في القرية، وتوسّط سليمان جلسات الأتراب والأصحاب على كثبان الرمال في "قعر الحلّة"، و"الفريق الفوقاني" حيث تكثر هذه الكثبان. وقد اشتهر أحد هذه الكثبان باسم "نادي الرملة"، وذلك في عهد قريب. توسّط سليمان هذه الجلسات، وطفق يروي الحكايات العجاب عن رحلة الأربعة عشر عاماً في بلاد الريف. عن العادات والتقاليد، الفنون والتطريب والمسارح و"التياتروهات"، عن الحسن والجمال الطلي الناصع البياض ومزايا الزواج بالمصريات، وعن الكثير من خفايا بلاد الريف، مما أذهل أترابه وكبار القرية الذين كانوا أيضاً يصغون لرواياته.
أمّا شرفة، فقد تحلّقت حولها البنات والفتيات يتعلّمن منها الكثير من فنون التدبير المنزلي والطبخ والخَبز (بفتح الخاء وتسكين الباء والزاي)، ويبتهجن لخفة دمها وسرعة بديهتها .. وكانت هي الأخرى شغوفة لمعرفة صنعة التجميل لدى السودانيات، الحنة والدّخّان وعطر الخُمرة (بضم الخاء)، وحتى "الكسرة" بالملاح تعلّمتها شَرَفة بسرعة وأجادتها إجادة كاملة حتى لا يبحث عنها سُليمان عند غيرها.
ومحمد هو الآخر كان كل ملح جلسات الصبية اليافعين، وقد كوّن هو ويحي وأحمد (ثلاثي متّحد) في مقابل بعض نزعات العدوان عند البعض، خاصةً من "الفرقان" المجاورة، وازدادت صلابة مقابلتهم للنزعات العدوانية بالتفاف أبناء أسرتهم وبقية أبناء الحي حولهم.
ومن جانب آخر، فقد برع محمّد في صناعة بعض أدوات اللعب التي تعلّمها منه الأتراب إلى جانب تلك الذخيرة الوافرة من الأزجال الفلاّحية والأغنيات والمواويل ... وتعرّف أتراب محمد ويحي وأحمد على ضروب من اللعب لم تكن معهودة لديهم، وأطلّوا من خلال هذا الثلاثي الرائع على ثقافة ومعرفة متطوّرة جعلت زعامة هذا الثلاثي تتأصّل وتتوطّد على مر الأيّام.
و ..... نواصل
رد: حكاية البحث عن سُليمان
لم تكن الحياة بالنسبة لأسرة سليمان تسير في خطٍّ مستقيم متصاعد دائماً. بل كانت تمر لحظات هبوط في ذلك الخط، خاصةً عندما تجلس شرفة في المساء وحدها مع أطفالها تداعبهم وتسترجع معهم بعض ذكريات الماضي القريب. وكانت تلك الجلسات كثيراً ما تُفضي إلى خلق جو من الأسى على فراق قريتهم "برنبال". وكانوا كثيراً ما يطلقون العنان لخيالهم الذي يحملهم على جناحيه إلى "برنبال" الترعة والغيطان والخالة "ألفية" والخال "سيّد" والخال "عطوة" والجد "عبدالله" وبقية أفراد الأسرة .. وعند عويس "بتاع الدكّان" كانت تقف رحلة التذكّر وتشتعل نفوسهم إشتهاء للذائذ ما كان يجلبه عم عويس من مصر "القاهرة".
وكان سليمان عندما يعود ويرى أسرته في مثل تلك الجلسة، كان يحترم شوقهم وحنينهم، فهو الآخر إشتاق للرفاق جلساء قهوة عبدالجوّاد، واستنشاق واستنثار دخان الشيشة، وارتشاف كوبة "الحلبة الحصا" و"الينسون والقهوة والشاي" .. وليالي البهجة والطرب عند بدء أيام الحصاد خاصةً حصاد القمح .. وجو الغيطان الرطب المضمّخ بروائح الزرع ومواويل الفلاّحين التي تتعالى تزيل التعب وتغسل من القلوب الكثير من المعاناة والإرهاق.
إشتاق سليمان للحظات العودة إلى الدار، حيث كانت شرفة يقطّر جبينها عرقاً وهي في مواجهة الفرن تعد العيش، فيدخل سليمان على أطراف أصابعه حتى "يخضّها" فتنتفض في ذعر يعقبه قهقهات تجلجل في المكان ... وتتوالى الصور في مخيلة سليمان وتتوالى ... وفجأة تنقطع بخبطة خفيفة على الكتف، ويدور سليمان ليرى شقيقه حسن وهو يصيح فيه "متلبّد هنا بتعمل شنو؟"، فضحك سليمان، وهنا تلفتت شرفة وأبناؤها الثلاثة يهرولون للقاء الوالد سليمان والعم حسن، وهم يغطّون على تلبّسهم بجريرة العودة – في الخيال – إلى "برنبال". ويصدر تأكيد من شرفة لهذه الجريرة وتلحقه برجاء بأن يأخذهم سليمان في زيارة إلى الأهل في "برنبال".
وهنا يصيح حسن مازحاً "بي كرشك دي بتسافري كيفن؟؟ طلّعي الفي بطنك دا .. وبعدين قولي دايرة السفر"..
ويضحك الجميع، وتحتج شرفة على قول حسن، ولكنها تخاطبه بود شديد "علشان إنت مع أمك وأبوك ما بتشعر بالأنا فيه". تقولها وهي تدفع حسن من كتفه بيمناها.
كان حسن أقرب الأهل إلى قلوب شرفة و أبنائها، وكان كثيراً ما يناكفهم ويثيرهم، خاصةً شرفة ... وكان حسن يكثر من تقليد بعض رموز "برينبال". ومرةً قال حسن لزوجة أخيه "إنتو في بلدكم بتشيلو البضاعة في راسكم تنادون عليها في الشوارع "يا اخضر يا عريض يا خص" "اللي عبّا العنب عبّاك يا بلح"، وكان ينعتهم بالإلحاح البغيض لبيع بضائعهم، ولكن رجل كان يسير في الشارع في تلك اللحظة ألجم حسن وأوقف استرساله، وفتح المجال لشرفة لترد على حسن. فقد كان الرجل يسير في الشارع ينادي على ما تحمله ناقته من حطب. ولم يمر وقت طويل حتى كان هناك من ينادي على ما يحمله من "زبالة".
كان توالي أولئك الباعة في ذلك الوقت خير معين لشرفة لمكّنها من الرد على حسن الذي توقّف والبسمة تشع من بين شفتيه. فقد صاحت شرفة "مش أحسن بيع الخص والبلح؟؟ مش أحسن من بيع الزبالة والحطب؟؟"، وهنا إنفجر الجميع بالضحك الصاخب. ولكن، وفجأة توقّف بالباب من يعلن بأن الفكي الضو "عايزك يا سليمان". خبت الضحكات، وعدّل سليمان من ملبسه، وأعاد لف عمامته، ونظر إلى الجمع أمامه نظرة بلا معنى، ودار متوجّهاً إلى الديوان للمثول بين يدي والده، وهو لا يعلم ماذا هناك!!
وكان سليمان عندما يعود ويرى أسرته في مثل تلك الجلسة، كان يحترم شوقهم وحنينهم، فهو الآخر إشتاق للرفاق جلساء قهوة عبدالجوّاد، واستنشاق واستنثار دخان الشيشة، وارتشاف كوبة "الحلبة الحصا" و"الينسون والقهوة والشاي" .. وليالي البهجة والطرب عند بدء أيام الحصاد خاصةً حصاد القمح .. وجو الغيطان الرطب المضمّخ بروائح الزرع ومواويل الفلاّحين التي تتعالى تزيل التعب وتغسل من القلوب الكثير من المعاناة والإرهاق.
إشتاق سليمان للحظات العودة إلى الدار، حيث كانت شرفة يقطّر جبينها عرقاً وهي في مواجهة الفرن تعد العيش، فيدخل سليمان على أطراف أصابعه حتى "يخضّها" فتنتفض في ذعر يعقبه قهقهات تجلجل في المكان ... وتتوالى الصور في مخيلة سليمان وتتوالى ... وفجأة تنقطع بخبطة خفيفة على الكتف، ويدور سليمان ليرى شقيقه حسن وهو يصيح فيه "متلبّد هنا بتعمل شنو؟"، فضحك سليمان، وهنا تلفتت شرفة وأبناؤها الثلاثة يهرولون للقاء الوالد سليمان والعم حسن، وهم يغطّون على تلبّسهم بجريرة العودة – في الخيال – إلى "برنبال". ويصدر تأكيد من شرفة لهذه الجريرة وتلحقه برجاء بأن يأخذهم سليمان في زيارة إلى الأهل في "برنبال".
وهنا يصيح حسن مازحاً "بي كرشك دي بتسافري كيفن؟؟ طلّعي الفي بطنك دا .. وبعدين قولي دايرة السفر"..
ويضحك الجميع، وتحتج شرفة على قول حسن، ولكنها تخاطبه بود شديد "علشان إنت مع أمك وأبوك ما بتشعر بالأنا فيه". تقولها وهي تدفع حسن من كتفه بيمناها.
كان حسن أقرب الأهل إلى قلوب شرفة و أبنائها، وكان كثيراً ما يناكفهم ويثيرهم، خاصةً شرفة ... وكان حسن يكثر من تقليد بعض رموز "برينبال". ومرةً قال حسن لزوجة أخيه "إنتو في بلدكم بتشيلو البضاعة في راسكم تنادون عليها في الشوارع "يا اخضر يا عريض يا خص" "اللي عبّا العنب عبّاك يا بلح"، وكان ينعتهم بالإلحاح البغيض لبيع بضائعهم، ولكن رجل كان يسير في الشارع في تلك اللحظة ألجم حسن وأوقف استرساله، وفتح المجال لشرفة لترد على حسن. فقد كان الرجل يسير في الشارع ينادي على ما تحمله ناقته من حطب. ولم يمر وقت طويل حتى كان هناك من ينادي على ما يحمله من "زبالة".
كان توالي أولئك الباعة في ذلك الوقت خير معين لشرفة لمكّنها من الرد على حسن الذي توقّف والبسمة تشع من بين شفتيه. فقد صاحت شرفة "مش أحسن بيع الخص والبلح؟؟ مش أحسن من بيع الزبالة والحطب؟؟"، وهنا إنفجر الجميع بالضحك الصاخب. ولكن، وفجأة توقّف بالباب من يعلن بأن الفكي الضو "عايزك يا سليمان". خبت الضحكات، وعدّل سليمان من ملبسه، وأعاد لف عمامته، ونظر إلى الجمع أمامه نظرة بلا معنى، ودار متوجّهاً إلى الديوان للمثول بين يدي والده، وهو لا يعلم ماذا هناك!!
رد: حكاية البحث عن سُليمان
نواصل ...
دخل سليمان بعد تردد للقاء والده الفكي الضو الذي لم يكن المثول أمامه بالأمر السهل. فقد كان لا يلتقي أحداً إلاّ إذا جدّ أمر يستحق هذا اللقاء. فقد كان كثير الإختلاء بنفسه، حازم التعامل مع الناس. أليس هو الفكي الضو ود سليمان القاضي الذي لا يعرف أنصاف الحلول، وتجاوز ما هو معقول، والتعامل بتساهل مخل بالفوارق بينه وبين من هم دونه عمراً ووضعاًن خاصةً مع أبنائه. فقد كان الحزم والشدّة هي ما يأخذ به في علاقاته مع الأنجال .. خاصةً كبيرهم الذي سيخلفه من بعده في قيادة هذه الأسرة، وبقية أبناء فخذهم في قبيلة محس الخرطوم.
دخل سليمان على والده الفكي الضو في هدوء تام، وكان الوالد مكباً على كتابٍ يقرؤه وهو في حالة إنصراف تام عن كل من حوله ... صمت سليمان وهو يقف عند الباب منتظراً الأوامر بالتقدّم دون أن يصدر صوتاً، والوالد يديم الإنكباب على كتابه حتّى تنمّلت أقدام سليمان من طول الوقوف. وفجأة حانت من الفكي الضو إلتفاتة ، فأغلق كتابه بعد أن وضع حيث كان يقرأ ورقة صغيرة كان يحملها بين أصابعه، واشار إلى سليمان بالجلوس دون أن ينطق حرفاً.
أطاع سليمان وجلس على البساط قبالة والده الذي كان يفترش "فروة" عجل يغلب عليها اللون الأسود الممزوج ببقع كبيرة بيضاء. وضع الفكي الضو الكتاب من يده، والتفت إلى سليمان الذي تجمّد في مكانه لا يدري ماذا سيقال. فقد كان الفكي الضو رجل عسير أن تقرأ أفكاره، وسليمان – ولا غير سليمان – لا يقوى على إطالة النظر في وجه الفكي الضو أو حتى محاولة رمقه بنظرات عابرة.
دخل سليمان بعد تردد للقاء والده الفكي الضو الذي لم يكن المثول أمامه بالأمر السهل. فقد كان لا يلتقي أحداً إلاّ إذا جدّ أمر يستحق هذا اللقاء. فقد كان كثير الإختلاء بنفسه، حازم التعامل مع الناس. أليس هو الفكي الضو ود سليمان القاضي الذي لا يعرف أنصاف الحلول، وتجاوز ما هو معقول، والتعامل بتساهل مخل بالفوارق بينه وبين من هم دونه عمراً ووضعاًن خاصةً مع أبنائه. فقد كان الحزم والشدّة هي ما يأخذ به في علاقاته مع الأنجال .. خاصةً كبيرهم الذي سيخلفه من بعده في قيادة هذه الأسرة، وبقية أبناء فخذهم في قبيلة محس الخرطوم.
دخل سليمان على والده الفكي الضو في هدوء تام، وكان الوالد مكباً على كتابٍ يقرؤه وهو في حالة إنصراف تام عن كل من حوله ... صمت سليمان وهو يقف عند الباب منتظراً الأوامر بالتقدّم دون أن يصدر صوتاً، والوالد يديم الإنكباب على كتابه حتّى تنمّلت أقدام سليمان من طول الوقوف. وفجأة حانت من الفكي الضو إلتفاتة ، فأغلق كتابه بعد أن وضع حيث كان يقرأ ورقة صغيرة كان يحملها بين أصابعه، واشار إلى سليمان بالجلوس دون أن ينطق حرفاً.
أطاع سليمان وجلس على البساط قبالة والده الذي كان يفترش "فروة" عجل يغلب عليها اللون الأسود الممزوج ببقع كبيرة بيضاء. وضع الفكي الضو الكتاب من يده، والتفت إلى سليمان الذي تجمّد في مكانه لا يدري ماذا سيقال. فقد كان الفكي الضو رجل عسير أن تقرأ أفكاره، وسليمان – ولا غير سليمان – لا يقوى على إطالة النظر في وجه الفكي الضو أو حتى محاولة رمقه بنظرات عابرة.
رد: حكاية البحث عن سُليمان
شكرا جزيلا على القصة
منتظرين التكملة
بس ما قلت لينا البتول حصل ليها شنو ؟؟ : )
منتظرين التكملة
بس ما قلت لينا البتول حصل ليها شنو ؟؟ : )
رد: حكاية البحث عن سُليمان
العزيزة gladness،gladness كتب:شكرا جزيلا على القصة
منتظرين التكملة
بس ما قلت لينا البتول حصل ليها شنو ؟؟ : )
بما إنو القصة حدثت في نهاية القرن 19، فأكيد البتول ليها أبناء وأحفاد وأحفاد أحفاد موجودين بيناتنا، ورغم ارتباطي بكل شخوص القصة، إلاّ أني لم أعرف من هي حتى الآن.
نواصل القصة .....

