حكاية البحث عن سُليمان

يحتوي على كل أنواع القصص والأحداث الواقعية الشخصية .

المشرف: بانه

أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

الأعزاء قراء وأعضاء المنتدى ..
أستأذنكم، وفي باكورة مشاركاتي، إشراككم هذه القصة الواقعية، والتي كتبها المرحوم محمّد إبراهيم حتيكابي تحت عنوان "حكايات من زمانٍ فات .. حكاية البحث عن سليمان" قصة حدثت في القرن التاسع عشر، توفي جميع أبطالها، وبقي على قيد الحياة بعض أبنائهم وأحفادهم ليحكوا الحكاية، وبذل الباحث محمد حتيكابي جهد جهيد – كما يفعل دائما – للوصول إلى جميع الخيوط والحقائق. فجمع القصة ووضعها في أسلوب قصصي جميل وممتع، ونشرها بجريدة الرأي العام. فإلى تفاصيل القصة:
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

حكايات من زمانٍ فات
حكاية البحث عن سُليمان


"سليمان" في ريعان الشباب، هام عشقاً بفتاة من فتيات قبيلته "المحس"، تشرّبت الحسن من اخضرار الزرع في جروف النيل الأزرق حتى عناقه مع صنوه الأبيض عند المقرن. جفّ الدم في عروق سليمان وازدرد ريقه بصعوبة عندما لمس إعجاب الشباب بفتاته، فهرول إلى والده "الفكي الضو" مقتحماً خلوته .. متضرّعاً إليه بأن يخطب له "البتول"، وكان هذا اسمها.

رفع الفكي الضو رأسه إلى أعلى، ورمق ابنه بعينين إرتجف من نظراتها سليمان، وأيقن من أن الإجابة، وفقاً لترجمة صحيحة لما وراء هذه النظرات _ أيقن أنها الرفض، وقد صدق ظنه.

جاء صوت الشيخ الوقور متأنّياً وعميقاً وقاطعاً "لن أخطب لك إلاّ بعد أن تختم القرآن الكريم". فسقط قلب سليمان في جوفه .. إنه حتماً سيختم القرآن الكريم، ولكن هذا سيطول، والبتول يتحلّق من حولها الخطّاب.

خرج سليمان، وقد اغرورقت عيناه بالدموع. وعند جذع نخلة هادية عند عتبات النيل جلس والألم يعتصر قلبه عصراً. ستتزوّج البتول حتماً ولن تنتظره، ولن يقوى على أن يراها في بيت رجل غيره. ....... وهب كمن لسعته حية رقطاء، وضرب جذع النخلة بباطن قدمه اليمنى وانطلق يمشي دون هدف أو اتجاه.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

تتالت صورة البتول في شريط عقله، وخرجت زفرة حرّى، وطوّح بكلتا يديه في الهواء. وتوقّف ناظراً إلى الأفق بتحدٍّ، وقفزت إلى عقله فكرةً طائشة استوعبها عقله، ورويداً رويداً صارت يقيناً وقراراً حاسماً ... ... .... أن لا يعود إلى البيت.

نفّذ سليمان قراره، وحمل لوازمه وخرج واتّجه عبر النيل شمالاً، وواصل حتى التقى ركباً في طريقه إلى أقصى الشمال – إلى مصر – وكانت وجهة سفره التي قررها حتى يبتعد عن بلد فيه الحب مرفوض.

أعيت الفكي الضو الجهود والمحاولات التي بذلت للعثور على إبنه الكبير سليمان. وواصلت القبيلة وكل الخرطوم البحث الجاد ... ولكن دون جدوى.

وأخيراً، جاء إلى الفكي من يقول له بأن إبنه هاجر إلى بلاد الريّافة "مصر". فأقعد الشيخ العجز، ولم يكن هناك بد من أن يرفع يديه إلى السماء ورب السماء لأن يحفظ إبنه سليمان، ويغطّيه من شرور الدنيا وسيئات أعمال أهلها.

وعادت قبيلة محس الخرطوم تعيش حياتها بين جروف النيل وسواقيه، ولفّ النسيان سليمان إلاّ وسط أسرته التي تركت الأمر لله وهو وحده المتصرّف المقتدر له الملك وهو على كل شئ قدير.


و ..... نواصل
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

عادت حكاية سليمان من جديد ساخنة. وذلك عندما أكمل أخوه الأصغر "حسن" كلية غردون وتخرّج في قسم الشريعة بها والتحق بسلك القضاء الشرعي، ولكن!! سليمان وقف حائلاً دون حسن ولبس "القفطان" والطربوش المغربي والعمامة البيضاء الصغيرة والحزام الحرير المزركش. وقف دونه والجلوس في كرسي القضاء.

كيف كان هذا؟؟ وسليمان لم يعد موجوداً وسط أهله وعشيرته حتى تمتد يده وتحول دون حسن وأحلامه، فقد إنقضت عشر سنوات على هجرته الهاربة.

كان ذلك بطريق آخر .. فقد أصرّ والدهما الفكي الضو ود سليمان أن لا يهنأ إبنه حسن بوظيفة ومنصب ما دام الأخ الأكبر سليمان غائباً ولا يعرف له مكان ولا يدري أحد هل هو حي أم مات .. فصاح الفكي الضو في إبنه "لن تتوظّف حتى تذهب وتبحث عن أخيك وتحضره (في إيدك)".
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

لم تجدِ التوسّلات أيضاً هذه المرّة أمام إصرار الفكي الضو الذي عُرف حازماً وأوامره لا تُرد أو تُراجع، بل هي واجبة النفاذ.

وسافر حسن، بعد أن تلقّى وعداً من مفتي الديار السودانية الشيخ/ الطيب أحمد هاشم وشيخ العلماء الشيخ/ أبوالقاسم أحمد هاشم بأن مكانه محفوظ، وذلك بعد أن عجزا وعجز العشرات من إثناء الفكي الضو ليحيد عن قراره.

سافر حسن الشاب اليافع الفتي إلى مصر بعد أن حمل معه ما يعينه على وعثاء السفر، وبدأ عملية البحث المضني عن شقيقه سليمان في مصر الواسعة المتّسعة، وكأنه يبحث عن إبرة في كومة قش.

إستهل حسن بحثه بأرض النوبة، واخترق الصعيد الجواني بطوله، والصعيد البحراني حتى وصل القاهرة قاطعاً المسافة في ثلاث سنوات لم يترك فيها كفر أو نجع إلاّ وزرعه جيئةً وذهابا، ولم يتخطّ مدينة إلاّ وأمضى فيها الأيام العديدة والأسابيع يبحث ويعمل، وقد طاف بعديد من المهن والحرف لتموّل رحلته المضنية.

نالت منه هذه الرحلة ما نالت من إرهاق وتعب، ولكنها أضافت إلى ذخيرة معرفته الكثير. إلتقى الناس من أرياف مصر ودساكرها، تعرّف عليهم وعرفوه. إستزاد من علمهم ومعارفهم، وعبّ من حكم أقوالهم وحكاياتهم وزجلهم، مما جعله متفرّداً ومتفوّقاً على كل أترابه، فقد إنفرد عليهم بتراكمات لم تتوفر لغيره، ولكنها قطعاً أكلت من جسده وعافيته الكثير.

وصل حسن الضو القاهرة، وقضى بها أكثر من ثلاثة شهور جاث فيها الدار بحثاً عن أخيه. طرق مساجدها ومقاهيها وأزقتها وحاراتها وحواريها دون أن يعثر على أثر لأخيه.

وبعد أن إنتصف العام الرابع من رحلته الطويلة المرهقة، بدأ حسن رحلة البحث عن سليمان في أرض الدلتا، ولم تساوره أي أحاسيس باليأس، وكان قد إستمرأ السفر والترحال، وصارت جزء من اهتماماته، بل كل اهتماماته.

طاف حسن ديار الشيخ البدوي ودخل مزاره وصلّى في مسجده في طنطا .. وغاص وغوّر في الدلتا. وعند (المنصورة) جلس عند الكبري الخشبي متّكئاً على جمّيزة ضخمة تاركا الحبل لبنات أفكاره تسوح وتتطوّف في البعيد، والصمت يلف المكان. وفجأة هبّ مذعوراً لصوت أجش يفاجئه بالتحيّة، ويمد يداً معروقة عليها نقوش من الوشم الأخضر. مدّ حسن يده ليصافح ذلك الشيخ الذي اقتحم عليه خلوته. وبرغم هذا الإزعاج الذي سببه له ذلك الرجل المسن، فقد تعوّد حسن على التعامل بهدوء ودون انفعال حتى مع أضعف خلقه تبارك وتعالى، عسى أن يكون قد وضع الله فيهم سرّه.

إنفرجت أسارير الرجل العجوز، وتفتّحت شفتاه عن فم مهترئ الأسنان. كرّر الرجل التحية، وسأل حسن "إنت نوبي؟" فقال حسن: "لا .. أنا من السودان". صاح الرجل "ياه السودان دا بعيد خالص".

وانبرى الرجل يتحدّث عن معارفه من السودانيين، وحسن يلاحقه بالأسئلة عن أوصاف من يعرف، والرجل يواصل ويواصل، وحسن يلاحقه بالأسئلة، وقد أيقن أن الرجل ربّما يكون مفتاحاً يفتح له أبواب الأمل في لقاء أخيه.

وفجأة توقّف الرجل، الذي يبدو أن ملكة التأليف عنده قد جفّت وذبلت، وظهر على حقيقته متسوّلاً ليس إلاّ. فدفع إليه حسن بقطعة نقد فضّية هي آخر ما عنده.


و .... نواصل
صورة العضو الرمزية
صلاح يحيى سليمان
مشاركات: 3213
اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
مكان: المانيا
اتصال:

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة صلاح يحيى سليمان »


الاخ العزيز ابو الريش

اسعدنى جدا ...ان ارى اليوم تدوينك لقصة جدى سليمان الضو ...فى انا سودانى ...بعد متابعتى لها فى سودانيز او لاين ...ولقد سعدت جدا ...لكل الجهود التى بزلها المرحوم حتيكابى فى سرد القصة وخاصة التحريات التى قام بها قبل نشره لوقائع القصة ...مما اكد لى حقيقة احداث الحكاية كما سمعتها من احدى الحبوبات وانا فى عمر العاشرة ....فلقد حكت لى تفاصيل كل القصة كما جاء فى سرده لها...مع التحفظ فى توضيحها لبعض الاشياء ..كمثال سبب ..خصام الجد سليمان الضو مع والده ....فعندما كنت الح عليها بذكر سبب الخصام ..كانت تدعى عدم معرفتها ....وتكتفى بقولها ( اتشكل مع ابوهو ومرق خله البيت ).

ما يدور فى بالى حتى هذه اللحظة من القصة ......من هى هذه البتول ؟؟؟؟؟؟؟؟

وشكر


واصـــــــــل.

أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

الأخ صلاح ...

تحياتي

أنا قلت يا ود إنت جديد هنا .. ومن قولة تيت منزل ليك موضوع والناس شكلها ما عجبها الموضوع وما دخلت معاك. :040:


ما يدور فى بالى حتى هذه اللحظة من القصة ......من هى هذه البتول ؟؟؟؟؟؟؟؟
يا زول ما تخليها ... إنت عايز تعرف حبوبتك كان مفروض تكون منو؟ :040:

يا ريت يا صلاح لو عندك صورة للوالد أو أي من أبطال القصة .. يكون جميل لو نزلت هنا.


نواصل
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

قضى حسن في المنصورة أسابيع، طاف خلالها أريافها بعد أن غطّى كافّة أنحاء المدينة وحواريها، وخرج منها متجوّلاً من مدينة لأخرى، حتى حملته قدماه لمركز "دِكِرنِس" (بكسر الدال والكاف والنون، وتسكين الراء والسين)، التي وصلها ليلاً ليقضي الليل في مسجدها الكبير. وفي الفجر، وبعد الصلاة، تجاذبه المصلّون، كل يدعوه إلى منزله حتى يتناول معه طعام الإفطار، وذلك بعد أن لمسوا منه غزارة علمه واتّساع معرفته، وثراء مخزونه من ثقافة دينية.

بقي في دِكِرنس هذه أياماً ثلاثة طاف بها دون أن يعثر على أثر لأخيه، وخرج إلى الأرياف، وطاف العديد من القرى والنجوع . وفي حافّة إحدى الترع توقف عند قرية تتسابق عندها ثلّة من الأطفال والصبية الصغار، والذين توقّفوا فجأةً، ورجعوا لرؤية الرجل الغريب الشديد السُّمرة، وتراجعوا للوراء قليلاً إلاّ طفل قصير القامة به بدانة، ظلّ يغرز نظراته في وجه ذلك الغريب ... وتقدّم فاغراً فاه.

سأله حسن "إسمك أيه يا شاطر". فرد ّعليه الطفل "أنا إسمي يحي وابوي إسمو سليمان ضو" ....... وواصل الطفل بعد أن إزدرد ريقه "إنت بتعرف بوي؟؟" هو م السودان بيشبه لك .. أنا بوي أسمر زيّك.
صورة العضو الرمزية
صلاح يحيى سليمان
مشاركات: 3213
اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
مكان: المانيا
اتصال:

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة صلاح يحيى سليمان »

أبوالريش كتب:

سأله حسن "إسمك أيه يا شاطر". فرد ّعليه الطفل "أنا إسمي يحي وابوي إسمو سليمان الضو" ....... وواصل الطفل بعد أن إزدرد ريقه "إنت بتعرف بوي؟؟" هو م السودان بيشبه لك .. أنا بوي أسمر زيّك.



الوالد المرحوم يحيى سليمان الضو

صورة

رحمة الله عليه



أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

يا سلااااام يا صلاح ...

شكراً للإستجابة وتنزيل صورة الوالد رحمة الله عليه




نواصل
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

دارت الدنيا من حوله، وطافت بصره غشاوة، ورويداً رويداً مال بجسمه إلى الأرض وتهاوى فاقداً الوعي بفعل المفاجأة.

كانت خلف أكمة عند أطراف القرية تقف والدة "يحي" ترقب إبنها ولقاء الغريب .. فهرولت تتبعها بعض الفتيات يحملن الغريب إلى داخل الدار، ويجري يحي إلى والده سليمان في الغيطان يحمل إليه الخبر .. خبر وصول الغريب الذي يشبهه

جاء سليمان يتبعه إبنه الكبير "محمد" إبن الأحد عشر ربيعاً، وكاد قلبه أن يقفز من صدره عندما وقعت عيناه على الغريب، وصاح: أخوي!! مالو؟ أيه الحصل؟؟ مين اللي عمل فيهو كده؟؟ فصاحت الزوجة: مافي حد لمسو، ده كان يتحدّت (بالتاء) مع يحي، وفجأة وقع من طولو.

"دا أخوي شقيقي"

"أيوه أنا عرفتو من أول ما شفتو، واضح دا أخوك حسن اللي كنت بتحدّتني عنه".

وصدرت من حسن زفرة حاره، وفتح عينيه ليرى "يحي" و"أحمد" و"محمّد" أبناء أخيه يتحلّقون حوله، ومن على البعد وقعت عيناه على سليمان الذي شلّت حركته المفاجأة .. .. ..

وكان اللقاء مؤثّراً ... عناق .... دموع .... نواح بصوت يقطع نياط القلب.

وخرجت "شّرّفّة" (بفتح الشين والراء والفاء) زوجة سليمان إلى الخارج وهي تجلجل بالزغاريد والتي جذبت نساء القرية اللاّتي رمين بما في الأيدي، ودون أن يدرين الخبر، إنطلقن في زغاريد إرتجّت لها أركان القرية، ووصلت إلى أطراف الغيطان، فتدافع الرجال يزيلون الطين من الأيدي والأرجل على أطراف الجداول والترع، ويمسحون حبيبات العرق، ويتناولون جلابيبهم، وفي عجالة يدرعونها على رقابهم، ويكملون لبسها وهم يجرون إلى داخل القرية، متّجهين صوب مصدر الزغاريد التي لم تتوقّف لحظة.

إنطلق الفلاّحون يتصايحون وهم يتجهون إلى مصدر الزغاريد حتى وصلوا منزل سليمان والذي إكتظّ بالنساء والأطفال وهم في هياجٍ صاخب. وفجأة انطلقت إحداهنّ تغني وتصفّق، وتحوّل الجمع إلى كورَس تعالت منه أنغام حلوة يتردد صداها فتنداح في الفضاء تعانق سامقات شجر الكافور المخضر، وتعبر المسافات في القرى المجاورة.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

عاشت قرية "برنبال" مركز دِكِرنِس ليالي فاح غامر وكأن حسن لم يكن شقيق سليمان وحده، بل شقيق كل أهل القرية. وظلت "شرفة" زوجة سليمان كأم العروس، وحتّى أشقائها سيد وعطوة، وشقيقتها ألفية كانوا شركاء حقيقيين في الإحتفاء بمقدم حسن، وكأنه إبن أمهم وأبيهم. أمّا والدهم "عبدالله السودني" – كما كان يُعرف – فإن مقدم حسن من السودان أثار في نفسه الحنين إلى الوطن. فالعم عبدالله والد شرفة ونسيب سليمان هو الآخر من أصل سوداني.

تنقّل حسن في موائد القرية، والتي أصرّ كل فرد منها أن يستضيفه، وحتّى حسناوات القرية كن يبدين تودّداً خاصاً مغرضاً "عسى أن يكون حسن من النصيب". ولكن حسن لم يكن في ذهنه إلاّ إنهاء هذه المهمة العسيرة، والعودة بأخيه إلى قريتهم "بُرّي المحس" شرق الخرطوم. وتحيّن حسن الفرصة ليطلع أخيه سليمان على أهداف رحلته إليهم.

سر سليمان أيّما سرور عندما علم بأن والدهم حي يرزق وأنه في شوق للقائه .. وهذا يعني أنه قد عفى عنه وسامحه على فعلته الطائشة. وكان أن علم قبل سنوات بأن والده وكل أهله المحس قد رحلوا من الخرطوم إلى منطقة شرقها أطلق عليها "بري المحس"، وقد حكى له بعض شباب "برنبال" ممن كانوا في التجنيد وعملوا في الجيش المصري بالسودان حكاية رحلة قاموا بها إلى جنائن "بري" وأنهم في أحد العطلات قضوا نهارهم في جنينة رجل اسمه "الضو سليمان"، وأنه أكرم وفادتهم.

وافق سليمان على العودة، ورحّبت "شرفة" وابتهج والدها "عبدالله السوداني" بأن تعيش ابنته في السودان حيث أهله وعشيرته ... ولكن في الجانب الآخر بكت أمها وأشقائها على فراقها وفراق أطفالها.

إتفق سليمان مع أخيه حسن على أن يعود حسن ومعه صغيراه "يحي" و"أحمد"، وأن يترك له "محمد" يساعده على جمع المحصول، ومن ثمّ سيعود سليمان وزوجته وابنهما محمد إلى أرض الوطن فيما بعد.

وقفت القرية عند الترعة حينما حان يوم الفراق، وخرجت "برنبال" إلى حافة الترعة عند بداية الطريق "البراني". خرجت برنبال عن آخرها لوداع حسن والصغيرين "يحي" و"أحمد"، وغالبت "شرفة" دمعات حرّى سالت على خدّيها لفراق صغيريها، ولكنها تجلّدت بالصبر على أمل اللحاق بهما قريباً.
صورة العضو الرمزية
صلاح يحيى سليمان
مشاركات: 3213
اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
مكان: المانيا
اتصال:

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة صلاح يحيى سليمان »

أبوالريش كتب: وقد حكى له بعض شباب "برنبال" ممن كانوا في التجنيد وعملوا في الجيش المصري بالسودان حكاية رحلة قاموا بها إلى جنائن "بري" وأنهم في أحد العطلات قضوا نهارهم في جنينة رجل اسمه "الضو سليمان"، وأنه أكرم وفادتهم.
محمد ..الحته دى مهمة....
جنينة...يعنى قطعة ارض كبيرة
حاجه كده ذى القرين فليج.
اقول ليك ...ياها القرين فليج ذاته.
.......
...
..
نطالب بحقوقنا وحقوق اجدادنا.
معاى؟؟؟؟
صورة العضو الرمزية
صلاح يحيى سليمان
مشاركات: 3213
اشترك في: الاثنين 2006.10.23 11:47 pm
مكان: المانيا
اتصال:

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة صلاح يحيى سليمان »

أبوالريش كتب:



وكان أن علم قبل سنوات بأن والده وكل أهله المحس قد رحلوا من الخرطوم إلى منطقة شرقها أطلق عليها "بري المحس"،


الاخ محمد

عاوز اوضح حاجة...

منطقة برى القديمة ليست هى المنطقة الحالية....فلقد كانت برى القديمة تمدت لتشمل كلية البوليس الحالية
ومنطقة الكلاب البوليسية وحتى اطراف غابة ود النور ..اي منطقة القاردن ستى الحالية.
والمنطقة الزراعية التى مارس فيها اجدادنا الزراعة امتدت من منطقة كبرى بحرى القديم ( مزارع المرحوم ميرغنى الجرافى) وحتى شاطئ غابة ود النور ( منطقة الاسكندرية سابقا).

بعد طوفان للنيل الازرق غمر معظم منطقة برى القديمة ...تم تخطيط برى الحالية

وشكرا
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

المشرف العام كتب:الاخ محمد

عاوز اوضح حاجة...

منطقة برى القديمة ليست هى المنطقة الحالية....فلقد كانت برى القديمة تمدت لتشمل كلية البوليس الحالية
ومنطقة الكلاب البوليسية وحتى اطراف غابة ود النور ..اي منطقة القاردن ستى الحالية.
والمنطقة الزراعية التى مارس فيها اجدادنا الزراعة امتدت من منطقة كبرى بحرى القديم ( مزارع المرحوم ميرغنى الجرافى) وحتى شاطئ غابة ود النور ( منطقة الاسكندرية سابقا).

بعد طوفان للنيل الازرق غمر معظم منطقة برى القديمة ...تم تخطيط برى الحالية

وشكرا
الكلام ده صحيح 100%، وأذكر إننا شفنا أطلال بري القديمة والتي تمت إزالتها عند إنشاء المعرض الدولي والقرين فيليدج. وحسب روايات الأهل أنهم إضطروا للإتجاه جنوباً في مكان بري الحالي نتيجة لفيضان النيل.
طبعاً لا يفوتنا هنا ذكر أن جزء من هذه المنطقة قامت فيها حالياً الفلل الرئاسية وجاردين سيتي.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

سار حسن والطفلين قليلاً حتى آخر الترعة يتبعهما سليمان مطأطئاً رأسه مهموماً وهو يغالب لواعج الأسى لفراق طفليه، وهما في عفوية وسذاجة يجريان ويدوران حول "عمو حسن" يشدّان جلبابه ويتصايحان في نشوة غامرة فرحاً بالسفر مع "عمّو" الذي لم يفارقاه منذ أن وطئت قدماه أرض القرية، حتى المبيت كان لا يحلو لهما إلاّ في أحضانه الرؤومة. وصلا ساحة صغيرة تكدّست فيها "الحناطير" المزركشة بخيولها المطهمة المزوّقة. وكان الوداع المر. وحتى شرفة جاءت متقطّعة الأنفاس تجري لتكون في وداعهم، ولم تجدِ مع إصرارها على الحضور صرخات عطوة، وحدّة أوامر سيّد، فحملت يحي وقبّلته قبلة أودعتها كل حنان الأم وحبّها العارم، وكذلك فعلت بأحمد، وأمسكت بتلابيب حسن وهي تستحلفه بالله أن "يخلي بالو م العيال". وانتزع حسن نفسه انتزاعاً من قبضتها وقفز إلى الحنطور وهو يغالب دموعه، فقد كان موقفاً مؤثّراً. وحتى وداعه لأخيه سليمان كان عجولاً. وطرقع سائق الحنطور "الحوذي" بسوطه الطويل في الهواء، فصهلت الجياد وهمهمت وهي تنطلق بالثلاثة، حسن والطفلين. وفي الطريق الضيّق المحفوف بالأشجار الكثيفة والحوذي يلسع ظهور الخيل بالسط وهو يصدر صيحات حادة يستحثّها على الجري والخبيب.

إنطلقت الجياد وهي تطوي الأرض طيا، حتى وصلت إلى المنصورة، مخترقةً دكرنس وعديداً من القرى والدساكر ، وقد نام أحمد ويحي بعد أن استهلكا كل حيويتهما في حركةٍ وصياح وضحكات طفلة في سعادة غامرة.

أطلق الحوذي جياده لترتاح ووضع أمامهما وجبة تبن شهية إلى جانب الماء .. وساعد حسن في إنزال الطفلين الذين استغرقا في سباتٍ عميق واصلاه على أريكة أحد المقاهي.

ومن جديد تواصلت الرحلة وحمل حسن الطفلين ووضعهما في رفق على الحنطور مع الحرص الشديد على أن لا يقطعا نومتهما، وعادت الجياد من جديد إلى "خبيبها" العجول وهي تطوي المسافات، وبدأ النعاس يداعب أجفان حسن، ولكنه غالب وتغلّب عليه خوفاً من أن يصيب الصغيرين مكروها لو غفل عنهما.

وهكذا توالت المدن والقرى حتى وصل الركب الميمون إلى قاهرة المعز، ودلف حسن إلى إحدى "المنزلات"، وقد تملّك الجميع الإرهاق والتعب، وحرص حسن على وضع الطفلين في "طشت" ماء دافئ مزيلاً عنهما غبار تلك الرحلة المضنية .. ومن ثم جلسا معاً على مائدة شهية عوضتهما عن تلك الوجبات البائسة التي تناولوها في الطريق.

وبعدها خلدوا إلى راحة استمرت عدة أيام طاف فيها حسن بالطفلين على أرجاء القاهرة وشهدوا الأهرامات والآثار واستراحوا في المنتزهات وابتهجوا برؤية الحيوانات في حديقة الحيوان بالجيزة واستمتعوا برؤية "المشخصاتية" و"صندوق الدنيا" وساحات الملاهي .. وما تحمله القاهرة في جوفها من مباهج وطرائف.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

وفي ذات مساء، حمل حسن كل أغراضهم وما اشتراه من أسواق القاهرة ودفع بالطفلين أمامه حتى ميدان "باب الحديد"، وهناك صعدوا القطار الذي أصاب منظره أحمد ويحي بذعر وخوف، فترددا قبل أن يلِجا أبوابه، ولكن حسن طيّب خاطرهما وطمأنهما، وأزال الكثير من مخاوفهما.. فصعدا إلى جوف القطار وجلسا دون أن يقولا كلمة، والوجوم يلف وجهيهما الصغيرين.

وفجأة، أطلق القطار صرخة ارتجّت لها فرائض الطفلين فدفنا وجهيهما في حجر عمهما وهما ينتحبان، وجفل القطار كمن داس على جمرة نار، وتحرّك محدثاً صريراً حاداً ، والتزم السير الهادئ إلى مسافة قصيرة وأصوات الناس تتعالى بين مودّع ومغادر، وزغاريد لأهل عريس في طريقه إلى حيث أحلامه، وعويل أهل ميّت في طريقهم إلى حيث قضى النحب.

أما حسن والصغيرين، فقد لفّهما الوجوم والصمت، وعاد القطار يتوقّف هنيهة، ويجفل مرّة أخرى فتنهال بعض القفاف الموضوعة في الرفوف العلوية، تنهال على رؤوس بعض الركّاب فتصدر صرخة وشتمة ولعناً، ويتعالى عقبها صوت اعتذار .. ويبدأ القطار الإنطلاق السريع، بعد أن تخطّى كبري "أم بابا". وبدأت في تلك اللحظة رحلة العودة جنوباً بالنسبة للعم حسن، ورحلة المجهول بالنسبة للطفلين يحي وأحمد.

طالت الرحلة، ومن القطار انتقل الثلاثة إلى المركب الحديدية التي تطلق في عنان السماء دخاناً أسوداً تلفظه من جوفها، وكانت الحياة في المركب ليست كما كانت في القطار، فقد تعامل معها الصغيرين بود ملحوظ. وعلى صفحة النيل انسابت المركب جنوباً بيسر، برغم أنها كانت تسير عكس التيار.

ثلاثة أيام بلياليها انقضت، وقد خلد الصغيران وحسن إلى الراحة، وناموا ساعات طوال أذهب عنهم كل نتاج عسر تلك الرحلة على ظهر القطار.

وتواصلت الرحلة وانتقل حسن والصبيين إلى قطار السودان عند وادي حلفا متوجهين إلى الخرطوم. وفي الخرطوم حطّوا الرحال، ورفع حسن يديه إلى السماء شاكراً لله حفظه وتوفيقه لهم حتى عاد إلى أرض الوطن الحبيب.

لم يمض وقت طويل حتى كان حسن والصغيرين على أطراف "بري المحس"، وتعالت ضربات قلبه حتى كاد قلبه أن يقفز من بين جنبيه.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

كان الوقت صباحاً والشمس تنسل خارجة من وراء الأفق. والقرية تتمطّى بعد طول رقاد، وخيوط الدخان السوداء تتعالى من وسط البيوت الكاكي، ورجل على حمار يتثاءب في كسل واضح، وصبي يافع يطرد أمامه غنيمات مكتنزة باللحم .. ورجل يلبس "بالطو" من الصوف الأسود، وينتعل "شبطاً" ثقيل الوزن، وعلى رأسه عمامة ملفوفة بعناية مغروسة في إحدى جانبيها ريشة نعام سوداء دلالة على أنه من "عساكر الميري". وامرأة تحمل على رأسها صفيحة ماء ممتلئة وهي تصب برشاشها على رأسها وبقية بدنها .. وشاب يلبس ملابساً مضمّخة بالزيت الأسود، وعلى رأسه قبّعة باليةً قليلاً.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

دلفت عربة "البيبي" الصغيرة الحمراء، وعلى متنها حسن والصغيرين .. دلفت نحو شارع ضيّق في أوّل القرية، لتدخل في شارع متّسع قليلاً. وعند ركن جامع القرية الشمالي الغربي توقّفت، ونزل حسن وصاح في إمرأة كانت تحمل إناءاً به لبن، وهي تهم بدخول المنزل. صاح فيها حسن منادياً، فدارت حول نفسها دون أن تدري ماذا تفعل، ورمت بالإناء من يدها وصاحت " حسن .. حسن .. يا ناس البيت .. أبوي الفكي .. حسن أهو دا .. حسن رجع" .. وانبرت تبكي فرحاً، وجرت إلى داخل الدار، وكأن كلباً مسعوراً كان يجري خلفها.
أبوالريش
مشاركات: 116
اشترك في: الخميس 2008.12.18 9:54 pm
مكان: الدوحة - قطر

رد: حكاية البحث عن سُليمان

مشاركة بواسطة أبوالريش »

وهاج أهل الدار وماجوا، وانطلقوا دون وعي، نساء .. أطفال .. رجال، ليأخذا حسن بالأحضان. أمّا يحي وأحمد، فقد ذُهلا لهذه المقابلة، ولكنهما لم ينطقا بحرف، وتجاذبتهما الأيدي والشفاه توسعهما لثماً وتقبيلاً.

وكان الفكي الضو هو الوحيد الذي لم ينفعل بما حدث – على الأقل مظهراً – وهذا يحتمه الوقار الذي كان يتميّز به، برغم من أنه كان يتحرّق شوقاً لإبنيه سليمان وحسن اللذين حتماً قد حضرا معاً وفقاً لإحساسه الذي لا يخيب. تمهّل الفكي الضو قليلاً وخرج في تؤدّة إلى خارج غرفته، ومعه صديقه محمد حاج أحمد الذي اندفع هو الآخر ليكون في استقبال حسن الذي كان له في نفسه مكانة خاصة.

تقدّم حسن إلى عمّه ود حاج أحمد وسلّم عليه، وانتقل ليقبّل يد والده الذي قابله ببرود مصطنع هذه المرّة، وخرج صوته مهزوزاً، ولكنه واثقاً "وين أخوك سليمان؟؟"

- قال جاي بعد أيام إن شاء الله.
- "منو القال ليك بجي؟" كان تجيبو في إيدك.
- قال بجي بعد ما يتم محصولو الزارعو، وأداني ليك أمانة.
- أمانة شنو؟
- " أهم ديل أولاده أحمد ويحي"
أضف رد جديد

العودة إلى ”سيناريو وأحـداث“