عندما يُكثف الزمن من خلال الاخيلة، والرؤى المستوحاة من مدلولات الاساطير والاحلام وعالم الطيور والحيوان وصور الطبيعة من شمس وقمر وازهار وانهار وجبال ورمال توقن ان الناظم ما هو سوى محمد عبد الحي ذلك الشاعر الذى ينزع نحو صهر تجاربه وافكاره ورؤاه في بوتقة وجدانية وانسانية.. تصل إلى ذروتها عند قصيدته العودة الى سنار، التى حشدها بالرمزية التى تشف عن حقيقة مواقفه تجاه تناقضات واقع الهوية السودانية.
* حصن من التراث:
وكانت العودة إلى سنار رحلة عبر الزمان مروراً بخيال تتمثله كل الرموز الافريقية وتقف شاهداً على مسرح السودانوية كعنصر إيدلوجي وروى شعرية قائمة على إستلهام التراث كمضاد حيوي لمواجهة الاستلاب الثقافي والروحي الذى يتربص المثقف السوداني المعاصر.
ولكن ما هي سنار التى تغنى لها محمد عبد الحي العضو المؤسس لجماعة الغابة والصحراء تلك الجماعة التى إحتطبت ونقبت في الادب والثقافة والتراث السوداني وإستزادت حتى توصل كل منهم إلى الحقيقة التى ينشدها ويستطيع ان يضعها اساساً لابحاثه ودراساته وإختار عبد الحي العودة الطوعية لسنار!! إحتماء بحقيقة السودانوية بتكوينها العرقي والاثني المعاصر لما بعد معركة «أربجي» وما نتج عنها من تلاقح ثقافي وسودنة للاعراق الزنجية والنوبية والمستعربة و«يطيق الليل الذى يفتح في الجمجمة البيضاء.. خرافة تعود.. وهلة وهلة إلى نطفتها الاشياء.. وينضج اللهيب في عظام شمسها الفائرة الزرقاء ويعبر السمندل الاحلام.. في قميصه.. المصنوع من شرار».. إذاً ليس بالضرورة ان تؤول مفردة «سنار» لسنار عاصمة السلطنة الزرقاء فقط ، بل قد تكون «سنار» هي الحقيقة والمستحيل.. هي كل ما يكون وما لا يكون قد تكون «مقبرة» أو «كتاب» أو حتى «رمح» أو حتي «حجل» بل هي رمز ما لشئ ما يمثل أقصى تطلعات واحلام الشاعر إنها بقعة معطاة تضم البعيد والقريب وتربت على الكل وتعطي خيرها لكل من يطرق بابها مجاباً بإحساس ذى حدين «ذلك يخطر في جلد الفهد وهذا يسطع في قمصان الماء» إنها إشراقة الصبح الامل المرتجى «سنار تسفر في نقاء الصحو ترحاً أزرقاً جبلاً.. الهاً طائراً فهداً حصاناً ابيضاً كتاباً.. وتموج في دعة فلا شئ نشاز.. كل شئ مقطع إشارة.. تمتد من وتر إلى وتر على قيثارة الأرض العظيمة..»
* البحر:
ويأتي البحر زخماً بالامواج والاصداف والمرجان واللؤلؤ.. مليئ بحياة كاملة يقتات كبارها على الصغار والكل صغير وضعيف يحتمى برحم البحر الزاخر بكل ما هو ثمين وحقير.. وعلى ساحلية تصطف أرواح الاسلاف لاستقبال العائد وسط مهرجان من الفرح وزفة مشاعر «خيل تحجل في دائرة النار.. وترقص في الاجراس والديباج.. إمرأة تفتح باب النهر وتدعو.. من عتمات الجبل الصامت والاحراج.. حراس اللغة.. المملكة الزرقاء».. ويكون إستقبال أرواح الاجداد اكثر حفاوة حين يقدمون للعائد الهدايا «الليلة يستقبلني أهلي.. اهدوني مسبحة من أسنان الموتى.. إبريقاً جمجمة.. مصلاة من جلد الجاموس.. يرمز يلمع بين النخلة والابنوس..»
ويصل إحتفاء الشاعر بالرمزية وثنائية والمدلولات الوثنية والدينية لدرجة «العض» بنواجذ الاسلاف الذين قبضوا على جمر الدعوة الاسلامية بأرض الهجرة الأولى كما اكد بروفيسور عبد الله الطيب أن جزءاً من أرض السودان الحالي تعد ذلك المكان الذى كان يطلق عليه «الحبشة» التى إستقبل حاكمها وشعبها أول وفد من المهاجرين إبان بواكير الاسلام.. ويصور نواجذ أسلافه مسبحة وجماجمهم اباريق وجلد أحد الهتهم مصلاة وهنا فقط يظهر ألق التفاعل بالوافد والتنازل له عن ذاتهم وكل مقدساتهم الليلة يستقبلني أهلي.. وكانت الغابة والصحراء.. امرأة عارية تنام على سرير البرق في انتظار ثورها الالهي.. الذى يزور في الظلام.. وكان افق الوجه والقناع شكلاً «واحداً» يزهر في سلطنة البراءة.. حمأ البرأة».
عندما كان السودان ينام في غفلة من الوثنية وأعقاب مسيحية ناقصة بدأ العرب بنشر الاسلام واللغة العربية في السودان ولذلك كان خيار محمد عبد الحي ليس الغابة والصحراء ولكن العودة إلى سنار كأنة ينادي بأن يتفق الجميع على سودان ما بعد معركة «أربجي» سودان التلاحم والتصاهر الذى كون أول حكومة سودانية وأول ملامح وإدارة سودانية ذات الهوية والملامح المميزة
العودة إلى سنار والهوية السودانية..
المشرف: بانه
- عزالدين حسون

- مشاركات: 16
- اشترك في: الخميس 2007.8.16 9:09 am
- مكان: كسلا
- النيل الازرق

- مشاركات: 202
- اشترك في: الأحد 2007.8.26 11:14 pm
- مكان: المهدية ح4
- اتصال:
رد: العودة إلى سنار والهوية السودانية..
مشكور اخى العزيز على الموضوع الاكثر من رائع و نتمنى جميعا بقلب واحد ان يكون المليون ميل موحدا متماسكا اشد صلابة من الماس فهو اغلى