دومة ود حامد . رائعة الطيب صالح
--------------------------------------------------------------------------------
( 1)
لو جئت بلدنا سائحا فأغلب الظن يا بني أنك لن تمكث فيها طويلا . تجيئنا شتاء ، وقت لقاح النخيل ، فترى سحابة داكنة ربضت على البلدة ، ليس هذا يا بني غبارا ، ولا هو بالضباب الذي يثور بعد وقوع المطر ، هذا سرب واحد من أسراب " النمتة " التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق . لعلك رأيت هذه الآفة من قبل . لكن هذا النوع منها أحلف أنك ما رأيته قط . هاك يا بني هذه الشبكة من التل فضعها على رأسك وإنها لن تقيك هذه الشياطين ، ولكنها تقويك على احتمالهم . أذكر صاحبا لابني يزامله في المدرسة ، استضافه عندنا قبل عام ، في مثل هذا الوقت ، أهله من البندر. بات عندنا ليلة وأصبح متورم الوجه محموما مزكوما وحلف لا يبيت ليلة أخرى عندنا .
وتجيئنا صيفا فتجد عندنا ذباب البقر ، ذباب كحملان الخريف ، كما نقول بلهجتنا . وهذا البلاء أهون عليك " النمتة " ألف مرة . إنه يا بني ذباب متمرس يعض ويلسع ويطن ويزن ، وعنده حب عظيم لبني آدم ، إذا شم رائحتهم لازمهم ملازمة. هش عنك يابني – قاتل الله " النمتة " .
وتجيئنا في وقت ليس صيفا ولا شتاء فلا تجد شيئا . أنت ولا شك يا بني تقرأ الجرائد كل يوم ، وتسمع الإذاعات وتزور السنما مرة أو مرتين في الأسبوع ، وإذا مرضت فمن حقك أن تعالج في المستشفى وإذا كان لك ابن فمن حقه أن يتعلم في المدرسة . أنا أعرف يا بني أنك تكره الطرقات المظلمة وتحب أن ترى ضوء الكهرباء يتوهج ليلا. وأنت لست شغوفا بالمشي ، وركوب الحمير يحدث ندوبا في مقعدك .
يا ليت يا بني يا ليت .. الطرقات المرصوفة في المدن ، المواصلات الحديثة ، العربات الجميلة المريحة .. ليس عندنا من كل هذا شيء .. نحن قوم نعيش على الستر .
سترحل عن بلدنا غدا ، وأنا واثق من ذلك ، وحسنا تفعل ، مالك ولهذا العناء .. نحن قوم جلودنا ثخينة ، ليست كجلود الناس . لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة ، بل نحن في الواقع نحبها ، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا .. سترحل في غد يا بني .. إنني أعلم ذلك . ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئا واحدا .. قل إننا نعتز به .. عندكم في المدن المتاحف .. أماكن تحفظ تاريخ القطر والأجيال السالفة . هذا الذي أحب أن أريكه .. قل إنه متحف نصر أن يراه زوارنا .
مرة جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهرا . وحل علينا في موسم لم ير ذباب البقر اسمن منه في ذلك الموسم . تورم وجه الرجل في اليوم الأول ، وتصبر وصلى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية ، وحدثنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفطرة . وفي اليوم الثالث أصابته حمى الملاريا ، وأصابته الدسنتاريا وانسدت عيناه تماما . زرته في عصر ذلك اليوم فوجدته طريح الفراش . يقف على رأسه غلام يهش الذباب ، قلت له (( يا شيخ ، ليس في بلدنا شئ نريكه ، ولكنني أحب أن ترى دومة ود حامد )) . لم يسألني ما دومة ودحامد ، وإن كنت أرجح أنه سمع بأمرها . فمن ذا الذي لم يسمع بها ؟ ولكنه رفع إلي وجهه كأنه رئة بقرة ذبيح ، وكانت عيناه كما قلت لك مغلقتين ، ولكنني كنت اعلم أن وراء اهدابهما مرارة ، وقال لي :
(( والله لو كانت دومتكم هذه دومة الجندل ، وكنتم المسلمين تقاتلون مع علي ومعاوية ، وكنت أنا حكما بينكم في يدي هاتين مصائركم ما تحركت من مكاني هذا شبر )) .
وبصق على الأرض كأنه يشتمني وأشاح عني بوجهه . وسمعنا بعدها أن الشيخ أرسل برقية إلى مرسليه يقول لهم فيها :
(( ذباب البقر أكل رقبتي ، والملاريا خرقت جلدي ، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي . أقيلوا عثرتي يرحمكم الله .. هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بوعظ غيري )) .
ورحل الرجل ولم ترسل لنا الحكومة واعظا بعده . لكن قريتنا يا بني شهدت والله رجالا كبارا ذوي حول وطول وأسماء في البلد مثل الطبول ، وما ظننا يوما مجرد ظن أنهم سيأتون إلى هنا – جاءوا والله أفواجا أفواجا .
ها قد وصلنا .. تصبر يا بني – ما هي إلا ساعة وتهب نسمة العصر فتخفف من تكالب هذه الآفة على وجهك .
ها هي ذي دومة ودحامد .. أنظر إليها شامخة برأسها إلى السماء .. أنظر إليها ضاربة بعروقها في الأرض .. أنظر إلى جذعها المكتنز الممتلئ كقامة المرأة البدينة ، وإلى الجريد في أعلاها كأنه عرف المهرة الجامحة . حين تميل الشمس وقت العصر ، ترسل الدومة ظلها في هذه الربوة العالية عبر النهر ، ويستظل به الجالس على الضفة الأخرى . وحين تصعد الشمس وقت الضحى ، يمتد ظل الدومة فوق الأرض المزروعة والبيوت حتى يصل إلى المقبرة . أتراها عقابا خرافيا باسطا على البلد بكل ما فيها ؟ قررت الحكومة مرة قطعها عندما أرادوا أن ينظموا مشروعا زراعيا ، وقالوا إن موضع الدومة هذا هو خير موضع لإقامة مكنة الماء . أهل بلدنا كم تراعم منصرفون كل إلى هم يومه ، ولا أذكر أنهم ثاروا على شيء قط ، ولكنهم لما سمعوا بأمر قطع الدومة ، هبوا على آخرهم هبة رجل ، وسدوا على مفتش المركز السبل . كان ذلك في عهد الحكم الأجنبي . أعانهم الذباب أيضا ذباب البقر . وعلا اللقط من حول الرجل يقولون له إذا قطعتم الدومة فإننا سنحارب الحكومة حتى نموت عن آخرنا . وفعل الذباب فعله في وجه الرجل . فتشت أوراقه في الماء وسمعناه يصيح (( خلاص .. في دومة مافيش مشروع )) . ولم تأت مكنة ماء ولم يأت مشروع . ولكن بقيت لنا دومتنا .
هيا يا بني إلى البيت فليس هذا وقت الحديث خارج البيوت .. هذا الوقت قبل المغيب بقليل ،، وقت يتسع فيه نشاط جيش " النمتة " قبل أن ينام . وفي هذا الوقت لايقوى على لسعه إلا من عاشره عشرة طويلة وثخن جلده مثلنا . أنظر إليها يا بني – إلى الدومة – شامخة آنفة متكبرة ، كأنها صنم قديم . أينما كنت في هذه البلدة تراها .. بل أنك لتراها وأنت راجع بلدنا من هنا.
سترحل عن بلدنا غدا ، ما في ذلك شك .. هذي آثار الجولة الصغيرة التي قمنا بها بادية على وجهك ورقبتك ويديك أيضا . لكن قبل أن ترحل سأتم لك قصة الدومة ، دومة ود حامد تفضل يا بني .. البيت بيتك ..
تقول من زرع الدومة ؟
( يتبع ) ...........................................
--------------------------------------------------------------------------------
( 1)
لو جئت بلدنا سائحا فأغلب الظن يا بني أنك لن تمكث فيها طويلا . تجيئنا شتاء ، وقت لقاح النخيل ، فترى سحابة داكنة ربضت على البلدة ، ليس هذا يا بني غبارا ، ولا هو بالضباب الذي يثور بعد وقوع المطر ، هذا سرب واحد من أسراب " النمتة " التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق . لعلك رأيت هذه الآفة من قبل . لكن هذا النوع منها أحلف أنك ما رأيته قط . هاك يا بني هذه الشبكة من التل فضعها على رأسك وإنها لن تقيك هذه الشياطين ، ولكنها تقويك على احتمالهم . أذكر صاحبا لابني يزامله في المدرسة ، استضافه عندنا قبل عام ، في مثل هذا الوقت ، أهله من البندر. بات عندنا ليلة وأصبح متورم الوجه محموما مزكوما وحلف لا يبيت ليلة أخرى عندنا .
وتجيئنا صيفا فتجد عندنا ذباب البقر ، ذباب كحملان الخريف ، كما نقول بلهجتنا . وهذا البلاء أهون عليك " النمتة " ألف مرة . إنه يا بني ذباب متمرس يعض ويلسع ويطن ويزن ، وعنده حب عظيم لبني آدم ، إذا شم رائحتهم لازمهم ملازمة. هش عنك يابني – قاتل الله " النمتة " .
وتجيئنا في وقت ليس صيفا ولا شتاء فلا تجد شيئا . أنت ولا شك يا بني تقرأ الجرائد كل يوم ، وتسمع الإذاعات وتزور السنما مرة أو مرتين في الأسبوع ، وإذا مرضت فمن حقك أن تعالج في المستشفى وإذا كان لك ابن فمن حقه أن يتعلم في المدرسة . أنا أعرف يا بني أنك تكره الطرقات المظلمة وتحب أن ترى ضوء الكهرباء يتوهج ليلا. وأنت لست شغوفا بالمشي ، وركوب الحمير يحدث ندوبا في مقعدك .
يا ليت يا بني يا ليت .. الطرقات المرصوفة في المدن ، المواصلات الحديثة ، العربات الجميلة المريحة .. ليس عندنا من كل هذا شيء .. نحن قوم نعيش على الستر .
سترحل عن بلدنا غدا ، وأنا واثق من ذلك ، وحسنا تفعل ، مالك ولهذا العناء .. نحن قوم جلودنا ثخينة ، ليست كجلود الناس . لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة ، بل نحن في الواقع نحبها ، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا .. سترحل في غد يا بني .. إنني أعلم ذلك . ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئا واحدا .. قل إننا نعتز به .. عندكم في المدن المتاحف .. أماكن تحفظ تاريخ القطر والأجيال السالفة . هذا الذي أحب أن أريكه .. قل إنه متحف نصر أن يراه زوارنا .
مرة جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهرا . وحل علينا في موسم لم ير ذباب البقر اسمن منه في ذلك الموسم . تورم وجه الرجل في اليوم الأول ، وتصبر وصلى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية ، وحدثنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفطرة . وفي اليوم الثالث أصابته حمى الملاريا ، وأصابته الدسنتاريا وانسدت عيناه تماما . زرته في عصر ذلك اليوم فوجدته طريح الفراش . يقف على رأسه غلام يهش الذباب ، قلت له (( يا شيخ ، ليس في بلدنا شئ نريكه ، ولكنني أحب أن ترى دومة ود حامد )) . لم يسألني ما دومة ودحامد ، وإن كنت أرجح أنه سمع بأمرها . فمن ذا الذي لم يسمع بها ؟ ولكنه رفع إلي وجهه كأنه رئة بقرة ذبيح ، وكانت عيناه كما قلت لك مغلقتين ، ولكنني كنت اعلم أن وراء اهدابهما مرارة ، وقال لي :
(( والله لو كانت دومتكم هذه دومة الجندل ، وكنتم المسلمين تقاتلون مع علي ومعاوية ، وكنت أنا حكما بينكم في يدي هاتين مصائركم ما تحركت من مكاني هذا شبر )) .
وبصق على الأرض كأنه يشتمني وأشاح عني بوجهه . وسمعنا بعدها أن الشيخ أرسل برقية إلى مرسليه يقول لهم فيها :
(( ذباب البقر أكل رقبتي ، والملاريا خرقت جلدي ، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي . أقيلوا عثرتي يرحمكم الله .. هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بوعظ غيري )) .
ورحل الرجل ولم ترسل لنا الحكومة واعظا بعده . لكن قريتنا يا بني شهدت والله رجالا كبارا ذوي حول وطول وأسماء في البلد مثل الطبول ، وما ظننا يوما مجرد ظن أنهم سيأتون إلى هنا – جاءوا والله أفواجا أفواجا .
ها قد وصلنا .. تصبر يا بني – ما هي إلا ساعة وتهب نسمة العصر فتخفف من تكالب هذه الآفة على وجهك .
ها هي ذي دومة ودحامد .. أنظر إليها شامخة برأسها إلى السماء .. أنظر إليها ضاربة بعروقها في الأرض .. أنظر إلى جذعها المكتنز الممتلئ كقامة المرأة البدينة ، وإلى الجريد في أعلاها كأنه عرف المهرة الجامحة . حين تميل الشمس وقت العصر ، ترسل الدومة ظلها في هذه الربوة العالية عبر النهر ، ويستظل به الجالس على الضفة الأخرى . وحين تصعد الشمس وقت الضحى ، يمتد ظل الدومة فوق الأرض المزروعة والبيوت حتى يصل إلى المقبرة . أتراها عقابا خرافيا باسطا على البلد بكل ما فيها ؟ قررت الحكومة مرة قطعها عندما أرادوا أن ينظموا مشروعا زراعيا ، وقالوا إن موضع الدومة هذا هو خير موضع لإقامة مكنة الماء . أهل بلدنا كم تراعم منصرفون كل إلى هم يومه ، ولا أذكر أنهم ثاروا على شيء قط ، ولكنهم لما سمعوا بأمر قطع الدومة ، هبوا على آخرهم هبة رجل ، وسدوا على مفتش المركز السبل . كان ذلك في عهد الحكم الأجنبي . أعانهم الذباب أيضا ذباب البقر . وعلا اللقط من حول الرجل يقولون له إذا قطعتم الدومة فإننا سنحارب الحكومة حتى نموت عن آخرنا . وفعل الذباب فعله في وجه الرجل . فتشت أوراقه في الماء وسمعناه يصيح (( خلاص .. في دومة مافيش مشروع )) . ولم تأت مكنة ماء ولم يأت مشروع . ولكن بقيت لنا دومتنا .
هيا يا بني إلى البيت فليس هذا وقت الحديث خارج البيوت .. هذا الوقت قبل المغيب بقليل ،، وقت يتسع فيه نشاط جيش " النمتة " قبل أن ينام . وفي هذا الوقت لايقوى على لسعه إلا من عاشره عشرة طويلة وثخن جلده مثلنا . أنظر إليها يا بني – إلى الدومة – شامخة آنفة متكبرة ، كأنها صنم قديم . أينما كنت في هذه البلدة تراها .. بل أنك لتراها وأنت راجع بلدنا من هنا.
سترحل عن بلدنا غدا ، ما في ذلك شك .. هذي آثار الجولة الصغيرة التي قمنا بها بادية على وجهك ورقبتك ويديك أيضا . لكن قبل أن ترحل سأتم لك قصة الدومة ، دومة ود حامد تفضل يا بني .. البيت بيتك ..
تقول من زرع الدومة ؟
( يتبع ) ...........................................
