ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

يشمل القصائد الشعريه , الشعر الشعبى , الحلمنتيش , والدوبيت .

المشرف: بانه

أضف رد جديد
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

فى انتظار تعليقاتكم وارائكم مصادفة فى النت وجدت ذه الكتابات المتعلقة بكتابات واشعار حميد انقلها للفائدة ولتبادل الاراء


الملامح الدينية في شعر حميد :
إن حميد في شعره يتحدث إلى مجموعة من الأفراد إذن لابد له من أن يستصحب معه أعرافهم وتقاليدهم ولا يجب أن يهمل المعتقد الديني كعامل مهم ومؤثر في حياة الأفراد ، فرؤية حميد للدين إذا تأملناها وجدناها رؤية عميقة من حيث التناول والفهم ، ولم يذكرها لمجرد إقبال الناس عليه أو خوفا من أن ينعت باللادينية وحميد أخذ أجزاء كثيرة في شعره من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة وأقوال صحابة وإذا أردنا أن نتصفح بعض هذه النواحي في شعره نجدها كثيرة فخذ مثلا في قصيدة "الضو وجهجهة التساب" المعروفة باسم (البحر) إذ يقول حميد :
والضو شطب جهة اليمين من حجا إلى أن آمنين
وبيَّن بي دمو البسملة
وبي خط خلاويهو المكعوج والحرف واضح تخين
بي دم وطين
الضو كتب فوق باب أمير المؤمنين
" ما ضر بيت أبي لهبْ
لو ظلَّ بين المؤمنينْ
لـو جاء فينا ما ذهبْ
يا مسلمين بغير دينْ"
ومضى اسمو بين قوسين (غضبْ)
والمية أوووو كاللظي
رمت الدهاليز والأوض بس فضل الباب العظة

إننا إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى لا يخفى علينا التشبيه الشديد لهذه الأبيات وحادثة المقاطعة بين قريش وآل عبد المطلب التي كتبت في الصحيفة وعلقت في داخل الكعبة وكانت كلها ظلما وجور فأكلتها الأرضة كلها ولم تترك إلا كلمة " بسمك اللهم" ، فإذا نظرت إلى هذه الأبيات مرة أخرى أليست هي نفسها أن يسقط البيت كله إلا الباب الذي سجل فيه الضو ما يريد كأن البيت هو صحيفة قريش بكل دهاليزه وغرفه أما الباب فهو كلمة الحق الوحيدة بما سجله فيه الضو مثل كلمة "بسمك اللهم".
والأبيات نفسها تحمل رمزية شديدة فالضو لم يشطب الفعل رفضاً للدين ، إنما شطب التظاهر والتفاخر بالمظاهر الدينية فهو عندما شطب (حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً... أدخلوها بسلام آمنين) لم يشطب الدين إذ أنه (بيَّن بي دمو البسملة) لكي تكون بداية ما يريد أن يكتب فهو يجعل الضو ذو خلفية دينية تعرف الدين جيداً (بي خط خلاويهو المكعوج )ويوضح لماذا فعل ذلك بـ(يا مسلمين بغير دين) واستخدام كلمة مؤمنين له دلالة عميقة إذ أن بيت لبي لهب لا يضر إذا ما كان بين المؤمنين الحقيقيين ولكنه بين مسلمين اسماً فقوله تعالى يفرق بين الإيمان والإسلام : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان إلى قلوبكم ) فالفرق بين الإيمان والإسلام هو الفرق بين الدين والتظاهر بالدين .
وهو عندما يتحدث عن المنادين بالدين لغرض أو مدعيي التدين يقول ليفضح ممارستهم التي يتسترون بالدين لفعلها:

فِقرا تغش الله وتخش بيتو وتسرقو ورا العشا

أنظر كم من الملامح الدينية في هذه الكلمات على قلتها "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" فالدين الذي لم ينهى هؤلاء عن الغش والسرقة بعد صلاة العشاء ليس ديناً حقيقياً كما يقول وضاح عثمان عبد الجليل :
يا مؤمنين .... لو كان دا دين ..
تبت أيادي المسلمين
تبت أيادي الما بيكفر
ويطرش هتاريش اليمين

إذ أن الدين في نظر هؤلاء هو ممارسة الشعائر فقط دون اعتناقها اعتناقاً فعلياً ، وحميد يرفض أن يكون الدين عباءة يلبسها اللابسون لغرض في نفوسهم ونفوسهم لم تتشبع بأهداف الدين النبيلة فالله ليس حكراً على أحد بل هو سميعٌ لكل من دعاه قريبٌ لمن يلوذ به والدين غنى عن ترف المظاهر فخذ قول حميد في قصيدته كرويات مخاطباً أحد الذين يخادعون باسم الدين:
يا متلبك في الأدران ... الحجـر الأسـود مـاهو البروة
وماها الكعبة مكاوي تجيها ... حين ينكرفس توب التقوى
ومافي خرط للجنة تودي وما في خطط ممهـورة برشوة
والمشروع الديني الخـالص ... ما محتاج لدراسة جدوى
ويات من قال "يا رب" من قلـبو ما رد الخالق دايما "أيوة"
أقوى ولف بشكيرك فوق الراس النشف غيرك لا تستهوى

فهذه هي الطريقة الظاهرية للدين إذ يكون الحجر الأسود عبارة عن صابونة ، والتقوى إنما هي ثوب قابل للاتساخ والكي بعد أن "يتكرفس" ، فالدين ليس ثوبا يتسخ فيخلعه الإنسان في الكعبة المشرفة ليغسله بالحجر الأسود ، أما الكعبة في وجهة نظر هؤلاء إنما هي مكوة تزيل "الكرفسة " في هذا الثوب ، أما مشروع الدين فهو واجب من الله لا يحتاج لدراسات الجدوى من قبل الحكام ليتبينوا الربح والخسارة فيه ، والله لا يستمع إلى بعض العبيد ويتجاهل البعض الآخر (ويات من قال "يارب" من قلبو ما رد الخالق دايما "أيوة" ؟) لأن الله تعالى يقول :"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي .." والرسول يقول :" أدعو الله وأنتم موقنون بالإجابة " وحميد في نظرته للدين لا يعمد إلى النظرة الضيقة أو ينظر إلى الشعائر التي هي عبارة عن مظهر دون جوهر ، بل يعمد إلى الجوهر وينفذ إليه كنفاذ الضوء من الزجاج دون أن يكسره أو يخدشه ، ففي قول حميد في قصيدة الضو وجهجهة التساب انه لا يريد أن يصلي ويقرأ القرآن كالغناء ... بل يريد أن يستحضر جلال الموقف ولوازمه من طهارة القلب والجسد ، وطهارة القلب بحسن المقصد وطهارة الجسد حسية بالنظافة التي تعذرت لأن مكان قضاءها قد ذهب مع طوفان البحر ثم يستحضر الحمامة التي بعثها نبي الله نوح لتعرف هل يبست الأرض أم لا فيخاطبها قائلاً:
صلاية قرآن غير غنا
صل ياحمام قدامي أنا
غرقان لي في أنجاس لي هنا
ما شال مراحيضنا البحر
طفَّح زفارات كم سنة
بي إيش أتوضأ وأغتسل ؟
بي إيش يا ربنا ؟؟

ففي مرارة التساؤل تلمح الحوجة ولكن إذا علمت أن الضو في هذا التساؤل كان وهو في لجنة الفيضان لعلمت أن السؤال ليس لحوجة المياه فالمياه موجودة ولكنها ليست صالحة كما أن إدعاء الدين وشعائره موجودة ولكن هل هي صالحة ونقية أم أنها كالمياه التي غرق فيها حتى رأسه ولم يجد رغم ذلك الماء الذي يجعله طاهراً للوضوء؟
أما في قصيدة الحرية فتلمح قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" كلكم لآدم وأدم من تراب " في قول حميد الذي قدم السلام الذي هو المرادف للإسلام ، كما ذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرؤ ما نوى " فطريقه بياض النية كما قال ، والأروع أن الخطاب في القصيدة ليس موجها لفرد معين أو جماعة معينة بل لكل ابن آدم:
إنساني شعوب تتسالم ...... نتسـالم بي حنية
على نخب الود نتنادم ...... لا جنس ولا لونية
لا عرق لا آهـنتقادم ....... سكتنا بياض النية
مش كلنـا مـن آدم ؟ ...مش آدم أبو البشرية؟
السجـن إذن يترايم ........نبنيه قـلاع ثورية
مد كفك يا بني آدم .........حرية سـلام حرية

بالرغم من روعة التناول في هذه الأبيات ورغم أن حميد اتجه فيها إلى لزوم ما لا يلزم حيث قيَّد نفسه بقافيتين إحداهما في صدر البيت والثانية في عجزه إلا أن السمة الواضحة هي ربطه في الصياغة الأبيات للسبب الديني ومن ثم يعقبه الهدف الذي من أجله صاغ القصيدة :
مش كلنا من آدم ؟ ..... مش آدم أبو البشرية
السجن إذن يترايم ....... نبنيه قـلاع ثورية
مد كفك يا بني آدم ........حرية سـلام حرية
وتظهر كذلك اللمحة الدينية واضحة في شعر حميد في قصيدة من القصائد التي لم تلق شهرة واسعة كالسرة وست الدار والجابرية رغم أنها ممتلئة بالكثير من المعاني الجميلة وهي قصيدة "البحث عن ذاكرة لوطن مفقود" وفيها يقتبس حميد من الآيات القرآنية التي نزلت في استشهاد الصحابي الجليل مصعب بن عمير خير فتيان مكة في الجاهلية والإسلام وتحض على الثبات على المبدأ حيث يباشر حميد صياغة معنى بهذه الآية حيث يصوغ عليه كلمات تطابق المعني حينما يقول :
فينا من روَّح فدايتك ..
وفينا من لا زال …
وفينا
ما في من بدل لرايتك

أليست هي نفس الآية :" ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ".
كما إنني ألمح في قول حميد في قصيدة "مصابيح السماء الثامن" حينما أراد حميد حث الجمهور إلا أن يتمثل قصة السيدة أسماء بنت أبي بكر عندما جاءها ابنها عبد الله بن الزبير حينما حاصره الحجاج في مكة فذهب إلى أمه يستشيرها فقالت له :" بئس العبد أنت إن كنت تدافع عن الباطل فقد أهلكت نفسك وأصحابك ، وإن كنت تدافع عن الحق فامضي لما مضى له اخوتك " فقال:" يا أماهـإنما أخشى التمثيل بجثتي فقالت قولتها المشهورة :" إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها ". فتمثل حميد قولها في قصيدته حيث يقول :
"ما ضر من بعد الغرق
جوف الضحية إذا إنشرق ؟"

ثم يحض نفسه على مواصلة ما بدأه قائلاً:
يا سيفي هوبي على الكتل

وحميد يقسم الناس إلى فئتين لا غير ... فئة تأخذ الدين وسيلة للوصول إلى رغباتها وغاياتها دون أي إيمان حقيقي بهذا الذي تنادي به ، بل هو درع تستتر به من الناس وهذه الفئة محسوبة على الدين تضره ضرراً بالغاً أكثر من الذين يجاهرون بعدائهم للدين ، والفئة الثانية فئة مخدوعة بوهم الاعتماد على الغير في رفعة حالهم وليس للدن مكانة عندهم فهو يقول على لسان ست الدار:
واتذكرت كلامك لي
اتذكرت كلامك لي ...
إنو في ناس لاعبين بالدين ...
وناس لا عبابا الأمريكان
وهو بهذا لا يبتدع بدعة جديدة في النظرة العامة التي كانت سائدة عن الدين والرأسمالية ، رغم أنه هنا يقف بصورة غير واضحة مع الدين فهو ينزه الدين ويجعل الخطأ في الذين يطبقونه فيقول (ناس لاعبين بالدين) وليس الدين هو الذي يلعب بالناس ، بينما ذكر أن الرأسمالية هي التي تلعب بالناس.
وفي قصيدة السرة بت عوض الكريم يقول :
من بعد ما انبلج الفرج من ضيقا ...
خدعوها بي حيلة كتاب
رفعوهو فوق سن الحراب

وهي إشارة واضحة لما حدث في الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وخدعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في رفع المصحف على أسنة الرماح عندما كاد جيش علي أن ينتصر وما أعقبها من انقسام بين صفوف ابن أبي طالب ووجود الخوارج الذين خرجوا عليه لا تخفى على أحد ، وحيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح هي الحق الذي أريد به باطلا لذا نجد أن حميد يرمز إلى خديعة الشعب بنفس طريقة الحق الذي أريد به باطلا.
والجانب المسيحي في الدين نجد أن حميد لا يتجاهله بحكم انتماءه للدين الإسلامي إذ يقول حميد:
اشتكيتك لي القمر
لما أنسام السحر
الرياحين والزهر
شهدوا لي عليك يا إخية
جاء القمر سواك برية
وباعتزاز في إبرة حية
صاح في جمعنا يا برية
من يكن من غير خطية
.........
وقم رميتك بالتحية
فهو يأخذ قول السيد المسيح عليه السلام حينما قال :" من كان منكم بغير خطيئة فيرمها بحجر" ، فهو في هذه القصيدة يشكوها بشكوى واضحة بشهودها وحكمها ، فالحكم هو القمر والشهود أنسام السحر والرياحين والزهر ورغم الشهود فإن القمر يبرئها من التهمة المنسوبة إليها آخذاً قول السيد المسيح :" من كان منكم بلا خطيئة فيرمها بحجر" فيتجرأ هو ويرمها ولكن ... بالتحية
وحميد يورد ذكر الكثير من الأنبياء في قصائده ، وتجد إشارات جمة لقصص الأنبياء بما يتوافق وحال القصيدة التي ذكرها حميد وهو بهذا يلقي في أذن المتلقي ألوانا شتي من الخلفية الدينية ففي قصيدة البحث عن ذاكرة لوطن مفقود يقول:
(يوسف) الفي الجب يمرق
ضاربا ريقة اليلقي قوت
روقي أكنك ..
واللا كنك ..
تاوقي في البحر الخرافي ..
(يونسك) في ياتو حوت
سمَّ ينده جوفو حافي ..
وهطينا علي الأثافي ….
وهبي نارك لا تموت
يا حمامة غار (محمد)..
يا خيوط العنكبوت
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

في أبيات قليلة كهذه نجده يذكر سيدنا يوسف عليه السلام وقصة إلقاءه في البئر ، ويذكر سيدنا يونس عليه السلام وهو في جوف الحوت ، وكذلك يعرج على قصة الهجرة لرسولنا الكريم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار مع الحمامة والعنكبوت ، والقاسم المشترك لكل هذه القصص التي حدثت للأنبياء نجد الانقطاع التام عن العالم فالبئر والحوت والغار هم من أكثر المناطق خفاءً وعزلة في الأرض ، وإذا ما ذكر أحد هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ففور السماع تتبادر إلى الذهن القصة بكامل حذافيرها.
ثم وفي نفس القصيدة يأتي حميد لذكر قصص بعضا من الصحابة الإجلاء ومنهم من ذكره بالاسم أبو ذر أو بالقصة كمصعب بن عمير أو قصة سارية وعمر بن الخطاب فيقول:

فينا من روَّح فدايتك ..
وفينا من لا زال …
وفينا
ما في من بدل لرايتك
وانتي في ذات السكوت !!!
التراب يتشهي حنك ..
السحاب عابر يفوت
واللا يكمد للعيون
بالغبار غمة وسوافي
وأنتي يا آخر المرافئ
يا أم وجوداً صار خرافي
في صحاريك داخ غفاريك ..
من برد زمنو الرعافي
دون كواريك ..
مات واتاريك
غبتي بي كل المرافئ
يا لساريك .. لاك موافي
لا كمان قادرين نسيبك
نمشي في الزمن المجافي
ما عهدناك عاد تخافي
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

أما ما لا يريده حميد فهو جعل الدين وسيلة من الوسائل لكسب الدنيا وإلا هجر الدين سوى كان الدين الإسلامي أو المسيحي أو غيره ، فحميد في نظرته للأديان لا يفرق بينها بل يعلم أنها جميعها أديان الله وهو في نظرته للممارسات غير الصحيحة باسم الدين نجد غضبه للإسلام نفس غضبه للمسيحية وفي نقده للدينين بمنظور واحد فحين يقول :
إلا يا .. آخ … ما لقينا
الجوامع مستباحة ..
والمصلين صر جنب
الكنائس جالبا دينا !!
والمدينة تبيع عوينا !!!
لي النخاسية الغرب
لي اللحاسية وعقب
تشتري آفات الرعب
فحتى في نقد حميد للممارسات باسم الدين نجده لا ينسى تنزيه الدين من النقائص ، فالجوامع وقع عليها فعل الاستباحة من المصلين الذين لم يراعوا حقوق الدين فهم كلهم عليهم الجنابة (صر جنب) ، أما الكنائس فهي تعرض دينها للبيع وربما تكون هذه إشارة لممارسة قديمة هي بيع صكوك الغفران ، كما في استفظاعه لهذه الممارسات يقرن بها بيع الأبناء لتشتري بها أشياء هي من باب الآفات المرعبة .
وحميد أيضاً يقول في قصيدة السرة بت عوض الكريم في نفس الغرض منزها الدين جاعلا هذا الظلم من الذين يتحدثون باسمه فيقول:
ظلم الحُكم ياهو الظلم كان من جوامع كان كنيس
يبرا السما ...يبرا محمد سيدي يبرا المسيح
فحميد يقرن البراءة من هذا الظلم لله ولرسله فقوله يبرأ السماء يقصد بها تنزيه الله تعالى من الظلم ، وحينما يقول يبرأ محمد سيدي يبرأ المسيح فهو في حقيقة الأمر ينزه الرسل والأديان من الظلم حتى وإن جاء من مكان ممارسة هذه الأديان وعلى يد من يتبعونه وباسم هؤلاء الرسل عليهم السلام ، وليس ذلك فقط فخذ قوله عندما افترض أن الدين فقد جوهره عند الناس وصار التعامل بالقشور ففي هذه الحالة يكون الحال:
تختا الدراويش الضريح ..
يسكن خلاوينا الجنون
يهجر جوامعنا الإله
يا نورا آه ..
تطرح غيوم الشوق تئن ..
تشرق
تموت
خيل .. كلمة الحق التناهد في الشفاه
يعقر بسيمة الصح
مع لوبي الجروف
تغرز ضريعات الحروف
ينشف مراح الأمسيات ..
تتمطق الأرضة المروق والأغنيات
اللّي الشروق ..
والأرض
والحب والمطر
تتضهب تتوه ..
فأي ضياع اكثر من ذلك إذا فقد الدين القدرة على غسل دواخل الناس؟
ونجد أن حميد ينزه الدين من أغراض كثيرة وأخطاء ارتكبت باسمه فهو يرى أن الدين برئ من هذه الوجهة بل ويدافع عن الذين لديهم الجرأة لمواجهة الأخطاء فهم في الغالب أناس شرفاء ولكن دفعهم للخطأ ومجابهته جعلت الناس أو أصحاب الأغراض تثير ضدهم الزوابع وتتهمهم في أنفسهم لينشغلوا بالدفاع عنها دون الدفاع عن الحق فحميد عندما جعل الضو يبكي في قصيدة البحر لم يكن البكاء الذي يصدر عن الرجل بكل عنفوانه هو بكاء الألم أو بكاء الحاجة بل هو بكاء القهر إذ يقول حميد :
الضو بكى
بكى ما بكى
بكاهو حس الطائرات
بكاهو قدرتو تنتهي
بكاهو يرجى المعجزات
بكاهو يقنع بالرحيل
بكاهو ما كان الشدر ... ما الطير وما كان النخيل
بكاهو كيف سد شبر... من موية يصبح مستحيل
بكاهو يلغط في البحر ... والغيرو يشرب سلسبيل
بكاهو البينضم في الغلط ... يا قالو ملحد يا عميل

فالضو رجل لا تهمه الثروات المادية فالشجر الذي يموت في الفيضان والسعية التي غرقت والنخل الذي هاجر عنه كلها أشياء لا تجعل الضو يبكي بل يبكيه ضياع بلاده والفرقة التي تحدث بين الشعب والحكام فعامة الشعب تعاني الأمرين (يلغط في البحر) والحكام في ترفهم ولذاتهم (والغيرو يشرب سلسبيل) وأيضا يبكيه أن الذي يتحدث عن الغلط تكال له التهم الجاهزة فهو إما أن يجرد من الدين أو يجرد من الوطنية فهو إما ملحد أو عميل ، وإذا تساءلنا عن علاقة حديثه هنا بالدين وكيف نفى عن هذه التهمة نجده يقول في الأبيات التي بعدها مباشرة على لسان الضو :
بكاهو آه .... ما هو الإله
يا دكة السلطة ودخانا وشملتا
فالإله ليس هو الذي أراد هذا فهذه ليست شريعته بل الذي أبكاه هو السلطة وما يتبعها من لذات حسية فالدكة كلمة لها معنيان ، الأول بمعنى المصطبة التي يجلس عليها الناس للسمر ، والثاني هي ما تستخدمه النساء في الزينة والتجمل للرجال والدخان إما أن يكون المقصود به دخان الطلح الذي تستخدمه النساء في الزينة أو يكون المقصود به دخان المشعوذين ودخان التبغ ، أما الشملة فمعناها ما تلتف به النساء للتعرض للدخان وهي تستر الجسد من أعلاه إلى أدناه فإما أن تكون هي المقصودة أو يكون المقصود بها ما يستر السلطة من مال وجاه وجبروت .
وبعد أن يصف حميد كل هذا يعود فيقول :
يا مسمي محنتنا امتحان ...
مرات قدر ... حيناً غضب
ناكر جبيهتنا وصلاةً صلتا
يوم يمحق الصاح الختا
وين تمشي من غضب الغلابة
اللابكتلك نازلتها ولا شكتلك علتا ؟
لملم خرافاتك عليك
ما حرقت نظريتي ليك
بس روحنا حقرتك سلتا
وبنجيبها ضربتنا وتصيب في حزتا
وفي حزتك يا بيتنا كب
ويا بيت أمير المؤمنين إت إتنكب ... إت إتنكب
وأجمل ما في هذه الأبيات أن تترك بلا تعليق سوى ما يفهمه القاري بفطنته.
الملامح الرمزية في شعر حميد :
شعر حميد مليء بالإيحاءات الرمزية ، منها ما هو الواضح البيَّن حتى يكاد يفقد معنى الرمز ومنها ما يحتاج إلى إعمال الفكر قليلا ومنها ما هو يكاد يكون طلسماً.
من يقرأ حميد بتأني يستطيع أن يرى عدة رموز تستوقفه ، فمثلا لابد أن يلاحظ تكرار الرقم ستة في العديد من القصائد والمناسبات فمثلا في قصيدة ست الدار يقول:
ستة خرفن وتيس ما كفن
وفي نفس القصيدة يقول :
هي يا الزين زغرد ...
بت أم زين جابتلها بت
ستة أولاد حتان البت
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

أما في قصيدة الجابرية فيقول :
إلا في ستة من الجابرية قالوا ..
تعبكم خارم بارم
يذهب حاكم خلف الحاكم
والجابرية بلد في حالها
أو :
ستة سنين قابض فوق جمرو
أو :
إلا الستة الصارو جماعة
فماذا يقصد حميد بالرقم ستة ؟
كنا في جلسة مناقشة نحن مجموعة من الأصدقاء ودار جدل حول هذه النقطة فقال بعضهم إنها ليست إلا رقم عادي جاءت به أوزان القصيدة وزعم البعض أنه يقصد أيام الأسبوع ويقصد بالتيس الجمعة ولكن هذا الرأي ليس صحيحاً لأن حميد يقول :
ستة خرفن في فد يوم إنصفن
فالرمز الذي يقصده حميد بالرقم ستة هو الأحزاب ( الاتحادي الديمقراطي – الأمة – البعث – الشيوعي – الناصري – الوحدة الجنوبي)أما التيس فيقصد به الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية القومية آنذاك ، بالإضافة إلى أن اللحية التي هي أحد صفات الإسلاميين ، وحميد يجعلها وجه الشبه بين الإسلاميين والتيس ، وكان الرئيس جعفر نميري قد انقلب على جميع الأحزاب لذا أشار حميد إلى أن :
ستة خرفن وتيس ما كفن ثم عاد نميري فاستعان بالإسلاميين وصفى وحَجَر على بقية الأحزاب وطاردها ومنع نشاطها لذا قال حميد :
ستة خرفن في فد يوم إنصفن
ولم يأتي لذكر التيس ، ثم نجد نفس الرمز يتكرر في نفس القصيدة عندما تقول ست الدار مخاطبة الزين :
هيي يا الزين زغرد
بت أم زين جابتلها بت
ستة أولاد حتان البت
نجد أن ميلاد الأحزاب السودانية الستة أقدم من ميلاد الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية القومية أو جبهة الميثاق ، وهنا حميد يسخر سخرية مبطنة داخل الكلام حيث أنه من المعروف في البيئة السودانية عدم الاهتمام بميلاد الفتاة حيث يرغب الناس في ميلاد الأولاد ، وعند الفرح تزغرد النساء وليس الرجال لذا ينعكس الحال في واقع القصيدة إذ لابد أن يزغرد الزين لأن بت أم زين " وهي السودان " جابتلها "بت" فحميد في عداءه للحركة الإسلامية يجعلها تيسا وسط الخراف ، أو فتاة وسط الأولاد واختياره لوصفها بالفتاة إذ أن وجهة نظره أن التراخي من سمات الحركة حيث يقول في الجابرية واصفا إمام الحلة في الصلاة :
صوتو مرخرخ لامن يقرا
يقرا ويقطع ... زي البِطرا
عند الركعة ركوعو متختخ
عند السجدة سجودو ممخمخ
شيخ الحلة بقول في أمرو
زول غرقان في الدين من عمرو
ستة سنين قابض فوق جمرو
وما فكاه طريق الله
فتراخيه حتى في قرأته في الصلاة فالصوت مرخرخ وهذا ليس ناتجاً عن ضعف الحبال الصوتية أو ليس التراخي في الصوت فقط ، بل إنه عند الركوع ركوعه متختخ وكذلك عند السجود اشد حالات التراخي حيث أنه ممخمخ وحميد لا يقرن هذا التراخي بالرجل لذاته بل لكل الذين انضموا له فليونة هذا الرجل يعقبها تساؤل يدور في أذهان العامة لذا يجيب عليه شيخ الحلة – وهنا إشارة خفية في كلمة شيخ الحلة – بأن هذا الرجل غرقان في الدين منذ أن كان عمره ستة سنوات وهذا أيضاً رمز . وحميد لا يقر هذا ، فالدين ليس تراخي ولا ينتج عنه تراخي فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وحميد يبين حجته في الأبيات التي تلي هذه المذكورة.
وفي قصيدة الجابرية يقول حميد :
إلا في ستة من الجابرية ...
قالوا تعبكم خارم بارم
يذهب حاكم خلف الحاكم
والجابرية تظل في حالها
حلة حياتها تسر الظالم
لا جلكوز لا تقرا رسالة
ولا راح يطلع منها عالم
يشير حميد هنا إلى أن من وقف في وجه الخداع والظلم في الجابرية التي هي السودان المصغر هم فقط ستة أفراد وأخفى حميد السابع في بناء القصيدة إلا انه ذكره بشكل عرضي "تسر الظالم " وعندما تولى شيخ البلة دائرة الجابرية في الديمقراطية نجد أن الستة كانوا هم موضع المعارضة الفعالة التي لا تبالي برضاء شيخ البلة الذي مثل الحزب الحاكم فقال :
إلا الستة الصاروا جماعة
قالوا دا زول تربايته مياعة
ما بشبهنا رفعة وضاعة
وقصة دينو ودقنو بضاعة
ونحن آمالنا تباعة
وإما مباعة
وفي الحالتين آمالنا مضاعة
ثم يستمر حميد في تحديد سمات هؤلاء الستة الذين لا يمثلون ذواتهم فقط إنما يمثلون القوة الفاعلة في المجتمع لذا كان لابد أن يُبعدوا من المجتمع حتى لا يكونوا نواة التفجير فيه فيقول حميد ممثلاً اعتقال الستة :
ومن يوم داك ما شفنا الستة
كما أن حميد عندما يريد أن يصف شيخ البلة على لسان شيخ الحلة الذي يعتبر من حزبه – لاحظ السخرية في توارد كلمة شيخ – فيقول :
شيخ الحلة بقول في أمره …
زول غرقان في الدين من عمره…
ستة سنين قابض فوق جمره
ومافكاه طريق الله
ولكن الستة يرفضون هذا التبرير غير المقنع لنعومة هذا الشيخ ...وهكذا.
كما أن حميد يستخدم لفظ الاثنين كرمز للدلالة على حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي فيقول في قصيدة تلغرافات على لسان ست الدار :
التومات طيبات ونصاح
إلا غُباش باللحيل آ الزين
أو :
التومات أول البارح جني يرطنن
قالن أنحنا الخواجات
وفي قصيدة الضوء وجهجهة التساب المعروفة باسم البحر لا يأتي ذكر التومات صراحة بل ضمنياً في كلمة (فرخينو) أي فرخيه وفرخا القمري رقم مزدوج ككلمة التومات التي ذكرها حميد بقوله:
عش قمري بي فرخينو ...
كان من حظ ورل
أو :
عصرت على طرف الطريق
عقدت سفنجتها بي دلق
كان كل فردة جارها من بلد
وينشافن الاتنين خضر
والليل ستر... الليل ستر
فهو يقصد بالتومات حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي كما ذكرنا وإشارته إلى (غباش باللحيل) كناية على عدم أي تجديد في خطط الحزبين منذ أمد بعيد وسيطرة وجوه محددة على مقاليد وآراء الحزبين وهو عندما يقول :
التومات أول البارح جني يرطنن قالن أنحنا الخواجات
فهو يشير إلى تقليد بعض زعامات الحزبين إلى الأجانب أو ميلهم إلى الدعم الخارجي والمعارضات الخارجية ثم عندما يقول : العضمين الروكة أنزرعن
يشير إشارة واضحة إلى التجديد في الحزبين بانضمام جيل من الشباب الذين نظروا إلى موروث الحزب من زاوية أن الأفراد يمضوا ويبقى الحزب ، أو بصيغة أخرى أن الولاء ليس لفرد بعينه أو مصلحة بعينها إنما الولاء للحزب والمصلحة مصلحة الحزب ، لهذا فهذه هي الزراعة التي لحقت بالحزبين أو العضمين الروكة .
ثم نجد إشارة عددية أخرى تتكرر في قصيدة ست الدار مرتين حيث يقول على لسان ست الدار بت أحمد
كانوا حداشر وخواجية
ثم يقول في نفس القصيدة على لسان الزين ود حامد:
شرقت شمس اليوم التاني
كنا حداشر ونوباوية
متهمننا بالتخريب والتحريض والشيوعية
وتناقشنا في معنى هذا الرمز العددي فقال جزء من الأصدقاء إنه يقصد انشقاق الأحزاب على بعضها البعض كما يقول أحمد مطر :
أكثر الأشياء في بلدتنا
الفقر والأحزاب وحالات الطلاق
ولكن هذا التفسير ينقصه معنى الإشارة إلى التأنيث في (خواجية ونوباوية) فهي لا تستقيم مع هذا التفسير لذا فقد قال أحدهم إنه يقصد قوله تعالى :"إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " فست الدار تقصد بالحداشر أخوة يوسف والتأنيث لها أما الزين فهو يعقوب عليه السلام إلا أن المعنى أيضاً لا يستقيم فست الدار لا تحلم وليس هناك نبوءة تتحقق وما وصلنا له أن حميد يقصد عدد شهور السنة الاثني عشر ويؤنث الشهر الذي حدث فيه الانقلاب ، فجعفر نميري عندما قام بالانقلاب استعان بالرموز الوطنية في الحزب الشيوعي لذا كان شهر الانقلاب نوباوية أما عندما انقلب على الشيوعيين صار خواجية إشارة إلى استعانته بأجانب .
إذا تركنا الترميز العددي جانباً نجد أن حميد يملأ شعره بترميز آخر يكاد يخلب اللب فهو يقول في نورا :
مرة شافت في رؤاها
طيرة تآكل في جناها
حيطة تتمطى وتفلع
في قفا الزول البناها
حلم نورا في هذه القصيدة هو واقع حال الشيوعيين مع ثورة مايو فالشيوعيون هم من أتى بمايو ووضعوا نميري في سدة الحكم على أن يحكموا هم بتوجيه النميري لكل الخطوات التي يرغبون فيها إلا أن النميري انقلب على الشيوعيين قتلا ومطاردة وتشريداً فكان كأنه "حيطة تتمطى وتفلع في قفا الزول البناها"
كذلك اتجه حميد إلى الترميز برمز واضح في اسم راشد إذ يقول في ست الدار :
شهر اتنين المدرسة تأجز
شهر اتنين حا نطهر رشد
وراشد حالف ما يطهر
إلا أبوه وعمتو تحضر
وإلا يجيبوا الغنايين
شان الشول بت سرنا ترقص
قلنا نجيب المداحين
طنطن راشد "ياخ أنا جايي من الحج"
وعارف راشد لما يطنطن....
كل الدنيا الفوقي تطنطن
غايتو بشر بس ربي يهون
ربي يهون
راشد هو الاسم الكودي لعبد الخالق محجوب والمقصود به هنا الحزب الشيوعي ككل ، فالتطهير داخل الحزب كان من سمات الحزب الشيوعي الأولى والميل للدنيا بشكل عام "الغنايين" وليس إلى الآخرة "المداحين" كما أن الحزب الشيوعي كان من اكثر الأحزاب نشاطاً في إشعال الثورات والإضرابات العمالية أو المظاهرات الطلابية لذلك " وعارف راشد لما يطنطن ... كل الدنيا الفوقي تطنطن... غايتو بشر بس ربي يهون " فراشد ليس فرداً عادياً لكي ما يكون غضبه غضباً عادياً
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

ويتجه حميد اتجاهاً أخراً في الرمزية في قصيدة الضو وجهجهة التساب حين يرمز لكل الأحزاب السياسية بالكلاب ثم يختار لكل حزب صفة يلحقه بها فهو يقول :
يا الدنيا كيف متقلبنة
تصحا العصافير الوديعة
مع الصباح متخلقنة
شر الكلاب متمسكنة
وين جرتا وهوهيوا وين
الليلة غاب
كلب الجناين زيو زي كل الكلاب
كلب الغلابة المستغلين العبيد
الليلة ريس سيد مهاب
كلب أب زهانة تهينو هانة
ومن المهانة تقولو (تك)
فماذا يريد حميد أن يقول ؟ وعلاما يرمز بكل هذه الكلاب ؟ وما المقصد من هذه الرمزية ؟
أولاً وقبل كل شيء حميد لا يقصد الإهانة بكلمة (كلب) بل يقصد التبعية غير المشروطة كتبعية الكلب لصاحبه هو يقصد بالعصافير الوديع طلاب المدارس والجامعات الذين كانوا يخرجون في الصباح الباكر إلى المدارس ولكنهم أخذوا يخرجون إلى المظاهرات التي كانت الشرارة للانتفاضة فهذه العصافير الوديعة تستيقظ منذ الصباح في أشد حالات الغضب (متخلقنة) ثم يعرج حميد ليستعرض باقي تشكيل الشارع السياسي أو الشارع السوداني فهو يرمز بكلمة شر الكلاب ويقصد بهم الشرطة أو رجال الأمن ففي حالة مسكنة لا يستطيعون شيئاً مما يجعل حميد يتساءل ساخراً ( وين جرتا وهوهيوا ؟ وين؟) فهذه العنترة قد غابت عنها وصارت لا حول لها ولا قوة بل أنها صارت تخشى على نفسها ثم يتساءل عن كلب الجناين الذي صار مثله كمثل بقية الكلاب لا تمييز له عن غيره ، وحميد يقصد بكلب الجناين اتباع حزبي الأمة و الاتحادي الديمقراطي الذين هم أحزاب لها جنائنها المعروفة في العاصمة المثلثة وبيوت عريقة ، وهم يعتبرون أنفسهم مميزون إلا أن هذه الأحزاب في انتفاضة السادس من أبريل صارت مثلها مثل البقية لا امتيازات لها ، أما عن كلب الغلابة المستغَلين العبيد وهو يقصد به أتباع الحزب الشيوعي السوداني ففي رؤية حميد أن الحزب الشيوعي هو ناصر الفقراء والمستضعفين في الأرض (يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة ... اتحدوا) فهذا الكلب اليوم ريس سيد مهاب تخشاه جميع الكلاب أي أن الحزب الشيوعي في تلك الأيام تخشاه جميع الأحزاب وهذا رأي لا يخلو من وجاهة وقد يقصد حميد بكلب الغلابة الجماهير عموماً ولكن هذا رأي ضعيف.
ثم يسخر حميد تلك السخرية المبطنة بالرمز في كلمة كلب ود أبزهانة ويقصد بهم أفراد جهاز الأمن وأتباع الرئيس جعفر نميري فهذه الكلاب صارت لا حول لها ولا قوة إلى درجة الإهانة البالغة التي تستطيع فيها أن تقول لهذا الكلب (تك) التي تقال للماعز(كلب ود أبزهانة تهينو هانة... ومن المهانة تقولو تك) ، وهذه السخرية التي تثير في داخلك آلاف الخيالات كذلك الضحك من حال هذا الكلب إنما هذا هو حال انقلابات الفرح فالدنيا لا تبق على حالٍ واحدة فهي تدور على كل أهلها .
ومما يدل على أن حميد قصد نميري بكلب ود أب زهانة قوله في قصيدة ست الدار على لسان ست الدار
زولك دا يحير ....
وكت الجد كان أدى ينقنق
وكت الفارغة يشيل ويبعزق
فهذه هي الرعونة الحقة -وهنا كلمة (كان) بمعنى (إذا)- وهذه إشارة لسياسة الصرف غير الرشيدة في عهد الرئيس النميري.
لملامح الاشتراكية في شعر حميد:
فئة غير قليلة من قراء حميد يقطعون بشيوعيته بحيث لا يقبلون غير ذلك ، بل أن كل قارئ لأشعار حميد يوصف بالشيوعية وحتى من يقرأ أي شعر بطريقة حميد أو يكتبه يوصف بأنه شيوعي ، فهل هناك مؤشرات في شعر حميد تنفي أو تقطع بشيوعيته؟
قطعاً أن لكل شاعر مهما صغر أو عظم بصمته التي تلمحها من خلال أبياته ومفرداته وهذه البصمة تكون مزيجاً من ثقافته ومعتقداته وبيئته ، فإذا كان هناك بصيص من ضوء في شعر حميد يبيِّن شيوعيته لا نجده إلا في مدلول كلمة العمال أو ذكر اتجاه اليسار ، ولا أنسى تلك القصيدة التي وصلتني مكتوبة باليد من صديق على لسان حميد يقول فيها :
شيوعيين وحتى الموت شيوعيين
وقبل أن أقطع ببصمة حميد فيها أو لا ، ذكر صديق آخر أن القصيدة لشاعر سماه هو ولا أذكره الآن ورغم وضوح بصمة حميد في هذه القصيدة إلا أنني أحب أن أتجول في القصائد التي أقطع أنها لحميد دون شك ، ففي قصيدة ست الدار يقول على لسان الزين :
زيت العامل يا هو البطلع مو المكنات الأمريكية
إيد العامل يا ها العاد تنتج مو المكنات الأمريكية
ودرن الأيدي العمالية ....
أنضف من لسنات الفجرة
ودين الدقن الشيطانية
وانضف من كرفتة البنك الدولي
وكل وجوه الرأسمالية وانضف من ......
فالعمال هم طبقة البروتارية أما الطبقة البرجوازية فهي العدو التقليدي لها ، وفي الفكر الشيوعي نجد أن هذه الطبقة والدين هم العدوين الرئيسيين للإنسان وحميد لا يربط بين الدين والطبقة الرأسمالية في هذا الموضع فقط بل يقول :
باسم الدين والأمريكان أي عوج مبدئ ومختوم
صوتنا هناك وهنا مكتوم ... مكتوم ... مكتوم
وما في فرق في الوقت الراهن بين واشنطن والخرطوم
وهو أيضاً يقول في نفس القصيدة مصنفاً الأفراد إلى صنفين :
وإتذكرت كلامك لي
اتذكرت كلامك لي ...
إنو في ناس لاعبين بالدين ...
وناس لا عبابا الأمريكان
فهي نفس العدوين التقليديين للشيوعية (الدين – والرأسمالية)
أما في قصيدة السرة بت عوض الكريم فيقول :
عدلت نعال مقلوبة في الجيهة اليمين ...حدرت شمال
فالسرة التي عدلت "نعال" - وهذه الكلمة لها مدلول خفي غير ما هو ظاهر- كانت هذه النعال في اتجاه اليمين أما السرة نفسها فقد اتجهت في اتجاه الشمال وهذه الاتجاهات ليست صدفة ، فالأحزاب الدينية هي الأحزاب اليمينية أما الأحزاب الاشتراكية أو التقدمية فهي الأحزاب اليسارية وحميد يريد أن يجعل السرة المرأة الرمز في قصيدته ذات ميول يسارية أما في قصيدة كرويات فيقول :
بين الميضنة والإرصاد اتجرحت غيمة
الغيمة الطيبة وحاملة حلال
من ألق البسمة الفي الأطفال
اتسرحت فيها شظايا الواقع
بين تقريبك وسرقة زادك
مدت أيدك تالا القبلة رشاشها يصيبك
تسبي نديهتك ... تفقد جيهتك
تنزف تنسف دانات دعت الهوس الديني
تجيني قوافل أورادك
إذن فربط حميد رأس المال والدين ليس جديداً في الشعر وبالذات الحديث منه وهناك حادثة استلهمها حميد وتناولها ليجعلها وقود لثورته الشعرية تشابهها حادثة أخرى تناولها الشاعر صلاح أحمد إبراهيم فالحادثة التي تناولها صلاح أحمد إبراهيم حدثت عندما حاول بعض مزارعي مشروع "جودة" التأكد من أن ما يُعطونه من أثمان القطن صحيح فكان أن زجت السلطة بمائتين منهم في مكان ضيق بحيث لم يصبح عليهم الصبح إلا وهم موتى فصرخ الشاعر صلاح أحمد إبراهيم في قصيدة منها :
لو لأنهم حزمة جرجير يعد كي يباع
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
وبللت شفاههم رشاشة صغيرة
وقبَّلت خدودهم رطوبة الأنداء
والبهجة النضيرة
لو أنهم فراخ تصنع من أوراكها الحساء
لنزلاء الفندق الكبير
لوضعوا في قفصٍ لا يمنع الهواء
وقُدِم الحَب لهم والماء
لو أنهم ... لكنهم رعاع
من الرزيقات
من الحسينات
من المساليت
نعم رعاع
من الحثالات التي في القاع
من الذين إنغرست في قلوبهم براثن الإقطاع
وسملت عيونهم مرارة الخداع
وفي المساء.....
بينما كان الحكام في القصف وفي السكر
وفي برود بين غانيات البيض ينعمون بالسمر
كانت هناك عشرون دستة من البشر
تموت بالإرهاق
تموت بالاختناق
أما حميد فتناول في قصيدة ست الدار فصل مائتين عامل من عمال السكة حديد عن العمل وحبس مجموعات منهم واصفاً بداية المهزلة :
جانا وفد في المصنع زائر
وكان الوفد دا أمريكاني
لفة وجانا اليوم التاني
جانا مدير المصنع ثائر
وشو حمار العمدة العاير
قال المصنع فيهو خسائر
يبقى يخفضوا متين عامل
متين عامل متين عامل
ما يهموش الهم المصنع
تف قرارو وفات في حالو
مسئولين ونقابيين ...
ما في العارض ولة أحتجَّا
مافي الناقش ولة اترجَّا
بالرغم من حادثة صلاح أحمد إبراهيم أشد إيلاماً في النفس من حادثة حميد إلا أننا نجد أن تناول حميد لها كان بثورية اشد من تناول صلاح الذي تناولها ببرود لا يتناسب مع الموقف أو لعله برود الحزن ، أما في إبراز الجوانب الإنسانية نجد أن حميد أيضاً تفوق على صلاح أحمد إبراهيم حين يقول حميد:
متين عامل يبقوا هوامل ؟
متين بيت ....؟
متين أسرة بلا راس خيط
متين أسرة ملوها جراح
مليون أسرة حا تولد صاح
فحميد يرى أن فصل العامل ليس ضياعاً له هو إنما هو ضياع لأسرة بكاملها فقرار العامل بالفصل يجر بلواه على كل الأسرة إلا أنه يري أن هذه الابتلاءات تولد جيل قوي الشكيمة يستطيع أن يقف متحديا لكل المصائب التي تمر به ، وحميد أشد إحساسا بواقع العمال من غيره فالعمال في قصائد حميد تلمحهم بوضوح شديد ، سوى في ست الدار أو الجابرية أو البحث عن ذاكرة لوطن مفقود أو عم عبد الرحيم الذي يمثل راس الذروة في العمالية أو المزارعين... الخ.
ولعل من أبرز السمات التي تقطع بانتماء حميد للجهات اليسارية قوله في تلغرافات ست الدار :
والبوليس صاقع شيوعية شيوعية
وفاكر نفسه بنبذ فينا
أيا بوليس امك مسكينة
البوليس عمدني شيوعي
والتحقيق طلعني مدان
التحقيق طبعا تحقيقهم
أو تحقيق الأمريكان
فالبوليس الذي أخذ يناديهم (شيوعية .. شيوعية) متعمدا نطق هذه الصفة عليهم في كلمة مرة فهو يعتقد أنه بذلك يسيء إليهم ، إلا أن حميد يسخر منه سخرية مبطنة داخل الحديث فيرد عليه رد العليم بالأمور الذي لا يري في الشيوعية أي تقليل من الشأن ( أيا بوليس أمك مسكينة) وهو يختار الأم لأنها هي التي تنشي الطفل وتلقنه الصحيح من الخطأ وتسقيه المبادئ لذلك فهو يربط أن أمه مسكينة لأنها لم تستطيع أن تميز بين الجماعات مما جعل أبنها يرى أن كلمة شيوعية تقلل من قدرهم.
ونجد أيضاً في قصيدة السرة بت عوض الكريم أن لحميد ملامح يسارية واضحة في ذكر أعضاء الحزب الشيوعي ، والحديث عنهم ليس بالرمز بل صراحة ويسير بهم في درب الوطنية على خطى الشهيد عبد الفضيل الماظ ومن ثم يستحث الرجال أو الشعب ليسير في نفس الطريق فالحرية (شمس المشارق ) لها ميس ، ينهج نهج التحريض على لسان المرأة التي هي المحرك الأول لأفعال الرجال فهو يقول :
فوق سكة الماظ الصعب ..
هاشم .. حلالي قدل عريس
هيلة آرجال عسكرن
شمس المشارق ليها ميس
هية آرجال هتفت نفيسة
وحرَّقت توبا الوحيد
عقدت شديد ... قرقابا
حافي ودون قميص
جرت الكرارق زي برق
ختفت من السحارة...
لي هاشم حريرة وقرمصيص
فحميد هنا يتحدث بصورة واضحة لا لبس فيها عن انقلاب هاشم العطا وسقوطه فهاشم الذي قدل عريس هو هاشم العطا ، وحيث أنه بعد فشل الانقلاب والقبض على أعضائه ومحاكمتهم بالإعدام لا يرى أن تلك إلا صورة من صور النضال بل وجوهره فهم عرسان تتوجهم المرأة المحرضة (بالحريرة والقرمصيص) وهو لا يرى غير ذلك حتى وإن كانت تلك قاصمة الظهر للشيوعيين في السودان أما نفيسة التي جرت الكرارق زي برق فهي عضو الحزب الشيوعي الظاهر (نفيسة احمد إبراهيم) ، وحميد لم يكتف بهؤلاء فقط من أعضاء الحزب الشيوعي ، بل تعداه إلى بعض الأعضاء الذين لهم لمسات واضحة في نشاط الحزب الشيوعي فالسرة بيت عوض الكريم عندما نال البلد استقلاله خنقتها العبرات وليس ذلك إلا لأنها تذكرت بعضا من الرجال الذين جاهدوا لنيل الاستقلال فيقول حميد واصفا حالتها وذكراها:
دمَّاعا رقرق في العيون ...
عن ساعة المحجوب نضم
وإنشر في زروق بزم
فالمرأة التي لم تبك عند مقتل ابنها الوحيد وتماسكت بقوة ولم يهز ثباتها إلا عندما بكى الرجال من حولها نجدها تبكي أو تتهيأ للبكاء عندما يتحدث المحجوب أو تتذكر مصيبتها في زروق (وهو عبد الخالق زروق عضو الحزب الشيوعي البارز) ، فالولاء الذي يصوره حميد هنا عند المرأة السرة بت عوض الكريم هو الولاء الذي يفوق قرابة الدم
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

حميد والحركة الإسلامية :
يختلف حميد مع الأحزاب اليمينية ولكن اختلافه مع الحركة الإسلامية اختلافا شديدا في الأصول والفروع ، فحميد ذو ميول وانتماءات يسارية يكون من الطبيعي أن يوجه جل عداءه للأحزاب اليمينية ، والحركة الإسلامية في شعر حميد أوضح من أن يبحث عنها القارئ فهو إما أن يذكرها بالاسم أو بالصفة أو باللحية أو بالشعار ففي قصيدة الجابرية يلمح للحركة بأحد شعاراتها فيقول :
هتف الشيخ وهتفنا وراه ...
لا ولاء لغير الله
غاغاغا
لا تبديل لشرع الله
جا جا جا جا جا
فهذا الشعار ( لا ولاء لغير الله ولا تبديل لشرع الله) كان الشعار المعروف للحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية القومية أبان الانتخابات في الديمقراطية الثالثة ، وهو لا يسخر من الشعار في حد ذاته ، بل إنه يسخر من الذين يرددونه دون أن يعرفوا معناه ، فيظهره في شكل حروف لا معنى لها ، والحركة الإسلامية كتوجه ليس لحميد معها عداء ، ولكن كتنظيم وممارسات لا يخفي حميد هذا التضاد بينه وبينها ، وهو يصور كل الأشكال التقصيرية التي يراها في الحياة على أساس أن تنظيم الحركة الإسلامية هو المسئول عنها أو هو من وراءها وفي هذا شططا لا مبرر له ، وهو يرى أن الدين ليس فيهم أصيلا بل هو عباءة يلبسونها لغرض ما في أنفسهم ، وهذا الغرض أما الكسب المادي أو كسب السلطة وليس للنزاهة أو التدين ، وهو يرى أنهم غير أهل لأي شيء فهو يعترض على هذه الممارسات بعبارات بسيطة ولكنها فعالة فخذ مثلا في قوله :
في يات كتاب ...؟
يات حديث يا فاجر الله بيسألك
وإذا لم يجيء بالحديث مباشرا هكذا فهو يبين لك نوعين من الحياة أو يصور لك واقع حياة في منتهى الكمال والروعة ثم يأتي فيشوه هذا الواقع ويعطيك من الإشارات ما تؤمن به أنت أن من وراءه ينتمون إلى الاتجاه الإسلامي أو الحركة الإسلامية فخذ حديثه عن الضو في بلدته وأهلها قبل أن يترك بلدته وينزح :
الدندهوبات زي بعض ...
شكل العديدي ورصها
نفس العناقريب نفسها
عفشك دا حق غيرك تشك ...
يدخل في بالك ألف شك
ما الحالة أصلا من بعض
قبل انقلابات التساب
الدنيا كلها حلتك
تنضم مع الفي آخر البلد
من غير تفوتها محلتك
تحكيلو قصة تقصها
إن نفسو فيها تحسها
إن ما ها فيها تحسها
حتى الأحاسيس نفسها
ما الحالة كلها من بعض
ثم يغير حميد أو يشوه لك هذه الصورة حتى يوصلها إلى الموت والفناء وعندما تأسف لغياب هذه الصورة وتتساءل عن الذي غير هذه الصورة تجد الجواب أوضح من أن تبحث عنه.
وهو هنا يرمز للحركة الإسلامية باللحية التي اشتهرت بها دون الأحزاب الأخرى رغم أن كثير من أتباع بعض الأحزاب يلتحون وحتى من اتباع الحزب الشيوعي نفسه تجد الملتحين إلا أن حميد صار لا يقصد باللحية إلا أتباع الحركة الإسلامية فقط وهو يواصل في سرد الواقع فيقول :
تحكيلو قصة تقصها
إن نفسو فيها تحسها
إن ما ها فيها تحسها
حتى الأحاسيس نفسها
ما الحالة كلها من بعض
إلا المساخيت الدقون ...
ختوها بين أهلك قرض
بالدين وبالطين بالنسب ...
بالميكرفونات بالخطب
بالبنطلونات بالرتب ...
فرق تسد
تاخد قناديلك تفوت ...
وإنكتلو في حزمة قصب
ويوما التصد تلقى البيوت
في ازيارها باني العنكبوت
والحزمة شاهد في الترب
حرسك يظمبر منها
فرسك يكد
لا أسيادها تسأل منها
لا زول يرد
فهؤلاء المساخيط أصحاب اللحى قد أشعلوا نار الفتنة بين الناس (ختوها بين أهلك قرض) وكان وقود هذه الفتنة أي شيء يساعد على إشعالها وليس الدين فقط فهم لا يتورعون في ركوب أي مركب من أجل الوصول إلى هدفهم (بالدين وبالطين بالنسب ... بالميكرفونات بالخطب بالبنطلونات بالرتب ) فوسيلتهم المناسبة هي التي توصلهم إلى الهدف سوى أكانت هذه الوسيلة هي الدين أم الثروة أم عراقة الجاه أو المظاهر أو الأحاديث أو التقليد والتسمي بالحضارة أو بقوة السلطة أو الجيش وهم في صراعهم هذا إنما يتقاتلون من أجل توافه الحياة وليس لبها لأنك تأخذ لب الحياة (القناديل ) وهم يتعاركون في التوافه (وإنكتلو في حزمة قصب) وليس هذا فقط بل وعندما ترجع إليهم تجدهم قد ماتوا وتركوا ما يتعاركون فيه وصار لهم كشاهد القبر .
وهو يقول لك في أسلوبه الرشيق العبارة التي تنفذ إلى الصميم ففي البلاء الذي أصابه لم يقف أيا منهم كما يوصي الدين أن المسلمين كالبنيان المرصوص أو كالجسد الواحد أو أن المسلمين تتكافأ دماءهم ، لذا تجده يوضح بسخرية نظرتهم للدين عندما يقول :
ورتني ملتي ملتي
والموية بدلت الوجوه
يا بادي من بيتك تتوه
تضهب ضهب
لو بابو مافي أو العتب ...
احسبلو من قوز الرماد
أو بيت أمير المؤمنين
اللسة حيطو تسوي رب .. رب.. دررردرب
أي كأن الدين عبارة عن قناع من الألوان التي تذهبها المياه أو كأنه مساحيق للتجميل إذا مرت عليها المياه بدلت أصل الوجه وأظهرته على حقيقته ، والملة (بفتح الميم وتشديد وفتح اللام) وهنا يقصد بها البلاء والابتلاء الذي نزل به الفيضان عليهم أظهرت له الملة (بكسر الميم وتشديد وفتح اللام) وهي الدين حدث لها الفحص والتحميص ، فهذا البلاء الذي كشف إدعاء التدين وأصاب الناس بما يشبه الذهول جعل الإنسان يتوه عن بيته لذا يجب على حميد أن يوجه كل ضال ويهديه إلى بيته بأبرز شيئين في البلدة هما (قوز الرماد وبيت أمير المؤمنين) كالملة والملة ، وحميد في كلمة أمير المؤمنين يقصد مبايعة النميري كأمير للمؤمنين بعد إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية يف 23 سبتمبر 1983م .
وينفي حميد عن اتباع الحركة الإسلامية الدين كاعتقاد يؤثر على نواحي الحياة فهم خفاف الذمم رغم ثقل التقييم وهم متسخي الضمائر رغم نظافة الجلابيب أما أقوالهم عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإنما هو إدعاء فقط أو (صلبطة) دون إيمان وحميد يقول أن الزمن مهما طال فمصيره إلى زوال وإلى كشف الحقيقة :
ضر يا جلاليب الرهاف
ذمما خفاف
ضر يا ضرر ضر يادقين
منصلبطين عرق النبي ؟
بالنار بتلعبوا يا عوين ؟
لي الحول قريب درب السلامة ...
تخوجوا بي درب الحرب ؟
غنى قلب ولا الحرب بقرة حلب
والأرض طين ؟
ما كان عمل ... ما كان دا دين
يا أرزقية تخمجو دم
والدم مو موية ومانا طين
فهم في رأيه أسوأ الناس ؛ لأن إدعاء أنهم يفعلون ما يأمر به الدين يجعل الناس تقف ضد الدين لأجلهم ، فهذا لعب بالنار فالدين سلام وأمن وليس حرب وقتال أما هم المتسلقين على غيرهم – أرزقية – فليس هذا الذي يفعلونه يمت إلى الدين بصلة وليس هو عمل يفخر به ، وهم يلعبون بدماء الناس (تخمجوا دم ) ولكن حميد يستنكر عليهم هذا في أن هذا الدم ليس رخيصا ليتلاعبوا به ، فهو ليس مياه وليس الإنسان طينا رخيصا لأن هذا الطين نفخ الله فيه من الروح ما جعله يسمو عن الطين كقيمة وإن كان منه كتكوين
وفي قصيدة الجابرية يشير للحركة الإسلامية بالخمار فهو عندما يصف شيخ البلة يصفه وصفا دقيقا بعد أن تم انتخابه في دائرة الجابرية ثم أختفي عنها وعاد في الانتخابات التالية فحميد هنا يقول ليبين انتماءه إلى الحركة الإسلامية ورفاهية عيشه :
أول يوم شفناه ...
يوم ما شفنا اللاندكروزر اللونا مخطط
والبنوت الراسها مربط
ولوري مكوش أقمشة سكر
حتى الفوفو ... عتل تؤجر
فرفاهية العيش بدأت بالعربة اللاندكروزر المميزة وبالأتباع من المريدين الذين يحيطون به ولكل منهم هدفه فالتموين موجود من الأقمشة حتى السكر تأتي به اللواري بل حتى مسحوق الفول السوداني (الفوفو) بل حتى الأجر في الآخرة إذا أنزلت أو رفعت (عتل تؤجر) رغم أن كلمة تؤجر تؤخذ بمعنى الأجر والأجرة وكلاهما حافز للعمل.
كما أن حميد لا يبخل على عدوه التقليدي بأن يجرده من كل المعاني الطيبة ابتداء من الوطنية وحتى أصغر الأشياء ، بل أنه يرى أن كل من لا يحمل هذه الأشياء الطيبة أي قدر فهو منهم ففي قصيدة السرة بت عوض الكريم التي يصورها على أنها امرأة كبيرة خبرت الحياة وعركتها الحياة وصارت في المكان الذي تعطي فيه النصيحة فإن نصيحتها تكون بعصارة تجربتها فهي ترفض المساعدة كفرد بإباء وشمم ، فالبلد كمجموع هو الأولى بالمساعدة والمروءة ليست إلا له فكرامتك يجب أن تحفظها لتحفظك الكرامة فالموت هو ما تنتهي إليه كل الأشياء المادية ولكن الموت الحقيقي هو أن تكون حيا كميت والحياة الحقيقية هي وسط المتعبين والكادحين أو المساكين حتى ولو بدت كالجحيم أما الحياة وسط المرفهين – الفقر بكسر الفاء - فليست هذه حياة أما إذا لم تستطيع أن تفعل أي من هذا فتابع أصحاب اللحى وكن منهم
مديت يميني اساعدا
مدت يسارا تباعدا
قالت لي : آبوي وفِّر ضراعك للبلد
وادخر مروتك آولد لي يوم بحين
أحفض كرامتك تحفضك
الموت ولا العيش المهين
الموت نفاد الما نفد
الموت حياة الميتين
أختوها جنة مع الفِقَر
وأدخل جحيم المتعبين
وإن ما قدرت على دا آبوي... ربيلك دقين
وصنت ... ربيلك دقين
وضحكت ... حمدنا الله الحنون
جِيدن خلقنا بلا دقون وضحكنا زييين
ساقت حديثا على الخراب
الشوفتو ما دايرالا عين
فالسرة كامرأة تري أن الله إذا خلقها دون لحية فهذه نعمة كبيرة لها لأنها ترى اللحية إشارة معينة لأشياء أخرى غير التدين .
وفي قصيدة الضو وجهجهة التساب يسمى حميد الحركة الإسلامية بالكلمة التي درج الشعب أو الناس على أن ينادوا بها المنتمين للتنظيم الإسلامي فحميد يقول :
السبحي والكوز مو ألتا
تشبه أمير المؤمنين ...
باكر يقولوا سرقتها
فنننن يفنها في البحر
فالسبحة والكوز ليست ملكا لها ولا تشبه ست نور إنما تشبه أمير المؤمنين فإذا أخذتها سوف تتهم بالسرقة ، لذا لا يجد الضو غير أن يقذف بها إلى البحر لتغرقا فيه غير آسف عليهما ، هذا ما يبدو من صياغة الأبيات أما إذا أخذنا ما وراء الأسطر فحميد يقصد بالسبحة التظاهر بالدين والإدعاء بالتدين أما الكوز فهم ما درج منافسي وأعداء الحركة الإسلامية على مناداة أتباع الحركة به ، أما كلمة تشبه أمير المؤمنين فهي سخريته من الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري الذي أعلن الشريعة ، وحميد يرى أن هذا إنما هو تشبه مظهري وساذج ، كما أنه يقول باكر يقولوا سرقتها فهذا كان إشارة للاتهامات الجاهزة التي كانت توزع شمالا ويمينا دون تمحيص لذلك فهو يتخلص منها بأن يقذفها إلى البحر وقذفها إلى البحر إخفاء لها كأن حميد يريد أن يقذف بما رمز له حقيقة في البحر .
وحميد في نفس قصيدة الضو وجهجهة التساب يجعل الحسن الصبي الصغير يسامر والده الضو ويحكي له ببراءة الطفولة ما رأى ، وهو يصور الأحداث كأنك تشاهدها وينقل لك بلسان الطفل الشيء الذي تعلم أنت أن وراءه ما وراءه ، وهو من خلال ما يقصه على والده لا يريد أن يصل لشيء سوى أن يخبر والده بما حدث في غيابه ، كما أن وصفه كطفل وصفا مجردا ليس عليه عاطفة فيصف الرجال بالكثرة على حسب عادة الأطفال ويلفت انتباهه الدقن الكبير ، ويصف والدته باسمها فقط دون أي صفة ، وهذا التجرد يجعل المتلقي ينتبه للصفات المجردة أكثر من أي شيء ويصف كيف أن أمة بكت دون أن يتأثر لها على غير عادة الأطفال عند بكاء أمهاتهم ولكن الحسن كان يصور الأحداث ويختزنها ليبثها لوالده مما شغله عن الاهتمام بوالدته وبكاءها :
في مرة جونا رجال كبار ... كبار
غمتولي في إيدي قروش كتار ... كتار
أمون شالتا فنتا
الراجل أب دقناً كبير ...
سبالها دنقر لقطا
وأنا قم بكيت
أمونة فكت صرتا ...
وأدتني صندوق بسكويت
وأنا قم سكت أمونة شوووو قامت بكت
فبكاء أمونة لعلمها بما وراء الأشياء ، وسكوته كطفل إنما لجهله بما يريد منه الراجل أب دقنا كبير ، هذا الرجل الخير الذي غمت له في يده كمية كبيرة من القروش لم تتركها أمونة له بل قذفت بها إلى الأرض ، واستعاضت عنها بصندوق بسكويت كانت تدخره في ثوبها ، أما ذلك الرجل فقد (سبالها) لعنها ولعن معها أشياء كثيرة وانحنى ليجمع ما تناثر من هذه الأموال .
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

كما نجد في نفس القصيدة وبنفس براءة الأطفال وكثرة تساؤلاتهم التي أستخدمها حميد ليوصل ما يريد قوله على لسان الحسن وهو يدير الحوار مع الضو ، فالحسن يتساءل عن كل شيء ويفترض له الحلول المباشرة والسهلة التي لا يستطيع الكبار أن يتوصلوا لها وهو بأسئلته هذه يثقل ضمير الضو ويمتحن قدرته على الإقناع ، كما يضع صبر أمونة على المحك فلا أمونة ولا الضو استطاعا أن يقنعاه بل قهراه على أن ينام دون أن يجيبا أسئلته التي تؤرقه وهي في الحقيقة إذا تغاضينا عن السؤال نجد أنه واقع وأفكار حميد وتساؤلاته للجميع فخذ في قصيدة الضو وجهجهة التساب نجد الحوار يدور كالآتي بين الحسن والضو وضع في انتباهك أنك الضو :


صح يابا في الجامع في تمساح إنبطح؟
أي آلحسن
يابا التماسيح مسلمين ؟؟ لا مجرمين
لابسين دقون شايلين سبح
ما تضربوهم بالسلاح وتكتلوهم تاح ترح
والضو سرح ... والضو سرح
وأمونة من البعييد حلقا إنجرح
نوم يا قشر .. نوم قبال أجيك
فهذا الطفل على صغر سنه – من وجهة نظر حميد – يري أن ضرب التماسيح الذين يلبسون اللحى والسبح وقتلهم بالسلاح هو الأمر الصحيح الذي لا يريد من يصححه ففي التساؤل عن التمساح الذي رقد واستقر في الجامع معنى غير ما يبدو عليه ، وعندما يجيب الأب بصحة الخبر يكون التساؤل عن إسلام هذا التمساح الذي أتخذ بيت الله مقرا فعندما تأتيه الإجابة من أبيه بالنفي يكون قد وصل بعقله الصغير إلى لب القضية ؛ فطالما أنه غير مسلم ويتخذ من المسلمين صفاتهم فيجب طرده أو قتله ولو حتى بقوة السلاح ، ولكن لا يستطيع أبوه أن يستطرد مع في الحديث ويخبره بتعقد الأمر وأنه ليس بهذه البساطة لذا تصيح أمه بأكثر ما تستطيع – حلقا أتجرح – تطلب منه أن ينام (نوم آقشر).
وإذا رجعنا إلى قصيدة السرة بت عوض الكريم نجد قوله :
وما جاتا راحة طلقتا إلا التعمر طلقتا
بي بناديقاً حقتا بي ها الشوارع وبقتا
تنسد منك دقتا ودم خلقتا ومر شرقتا
ونار شنقتا يا دقن ... دينك سِرقتا؟
نجد أن حميد هنا يتساءل تساؤلا استنكاريا فهل دينك هو السرقة ؟ والسؤال يخرج عن معناه الحقيقي لتقرير واقع أن الدين يتخذه هذا الرجل كغطاء لفعل ما يريد ومنها السرقة وهو يصفه بأوضح ما فيه فلا يقول له إلا ( يا دقن ) كأنما ليس هذا الرجل إلا لحية فقط وهنا إطلاق الصفة وأراد الموصوف .
وحميد يربط الظلم ربطا بينا بالحركة الإسلامية أو باللحية أو الدقن ويجعلها المرادف الطبيعي للظلم ، ولأن بيئة حميد بيئة زراعية أو ريفية نجده يختار أسوأ ما في البيئة الزراعية من المزروعات التي تنمو دون رعاية بل وتكون وبالا على الزرع والمزارع على حد السواء ولا يسلم منها أحد :
ساعة مروق الإنجليز...
قلنا الظلم راح وانقضى
تاريهو كمتر قام دقون
حلفا وعُشر ... معيوقا نال
دمسييس ... ضريسا حسكنيت
شوك جمال
فمع ثمانية أصناف من النباتات الشوكية أو الطفيلية يدمج حميد اللحى فحين تكون الدقون مرادف أو مصاحب للـ(الحلفا والعشر والمعيوقة والنال والدمسيس والضريسة والحسكنيت وشوك الجمال ) فماذا تبقى لها وحميد يجردها من الإسلام ثم لا ينسى أن يبين إسلامه هو ، فبعد ذلك كله تحمد السرة بت عوض الكريم الله وتصفه بصفة الربوبية للعالمين وتقر له بالحمد على نعمه الكثير التي منها النظر والسمع ونعمة الإنجاب ، وكذلك تحمده على تفتح بصيرتها فقلبها ليس أعمى ولم تغير في دينها بالممارسة أو الاعتقاد وهو بذلك يوحي للغير أن غيرها قد غير دينه . 123
وحميد يستنكر على لسان السرة بت عوض الكريم أن يكون هناك من لم يدرك حتى الآن بل تستنكر أن يكون بعضهم متذبذب الإدراك أو بين بين فخذ قولها :
معقول في ناساً ما وعت ؟
لي الليلة بالم بين بين ؟
وكيف انتو نوحنا من الدعت
...مؤمنا من جُحر الدقون
الكاكي يلدغ مرتين ؟
والتالتة قرصة أبو الحصين
فحميد في عداءه الشديد للحركة وللعسكرية ، فيجعل للحى جحورا كأنها أفاعي فهي تلدغ كما تلدغ الأفاعي فالكاكي هو اللباس العسكري ويقصد به حميد الحكومات العسكرية فكلمة يلدغ مرتين يقصد حكومة الفريق إبراهيم عبود وحكومة المشير جعفر محمد نميري أما الحكومة العسكرية الثالثة فيقصد بها ثورة الإنقاذ الوطني أو حكومة الفريق عمر حسن أحمد البشير .
وحميد لا يرى في معركته مع الحركة الإسلامية أي حدود أو قوانين يجب الالتزام بها فهو ينسب لهم كلما يريد أن ينسبه سوى أكان صحيحا أم لم يكن .
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

تسعين سنة
ومن فتنك ....أستغفر الله العظيم
جوك الرجال
يا السرة بت عوض الكريم
من وين ووين
لا الكلو طين أغراك ...
لا السمح الوسيم
السرة صديت المشايخ والعمد
مرسالا ليك ضيعت بي ألف البشارة عليهو ..
كيف قلبك صمد يا بت قصاد المغريات ؟ ...
الجان يجب والهام يهيم
والبشروك بالجنة من فقر البلد ...
أسقوك بالغفلة المحايات ... مانفع
رتباً كبار قلتيلا "لا"
شعراء ومغنين ختا فيك دوداي غناهو وما شفع ..
الجان يجن والهم يهيم
والإنجليزي أسلم في شان هواك...
ساعة طلعتي تجيبي عود السيسبان
اتصيدك آلسرة بت عوض الكريم
مرقنو كرعين الحصان
والجاك ناط كتفتي باليل في اللمين
مع الصبح طلب عفو وسترة
وعفيتي وسترتي يا السرة القوية
بقتلو توبة سوية من هتك العرض
فالسرة امرأة فاتنة ليست قبيحة حتى تكون عفتها ناتجة عن انصراف الرجال عنها ، فهي رغم تقدمها في السن (من فتنك ....أستغفر الله العظيم) وهي ليست في بيئة محصورة حتى تكون عفتها نابعة من محافظة الرجال الذين يمتون لها بدرجة من درجات القرابة والمعرفة (جوك الرجال يا السرة بت عوض الكريم من وين ووين) ورغم كثرة الطالبين إلا أنها تظل كما هي صامدة في وجه المغريات (لا الكلو طين أغراك ... لا السمح الوسيم) فليس المال ولا الوسامة هي ما ترغب فيه ، وكذلك هي لا تريد السلطة (السرة صديت المشايخ والعمد مرسالا ليك ضيعت بي ألف البشارة عليهو .. كيف قلبك صمد يا بت قصاد المغريات ؟) فالمشايخ والعمد لم ينجحوا في إغراء هذه المرأة برغم البشارات التي توعدوها بها وكذلك (والبشروك بالجنة من فقرا البلد ...أسقوك بالغفلة المحايات ... ما نفع) أي ولا حتى المكانة الدينة التي تنالها بقربها من فقرا البلد الذين جعلوا صكوك الغفران ثمنا لها حيث بشروها بالجنة وكذلك ضربها لحالات الدجل حيث لا تعتقد في المحايات التي شربتها بالخداع من فقرا البلد أما عن السلطة الحكومية فـ(رتباً كبار قلتيلا "لا") إذن لا يبق إلا جانب المكانة الفنية أو الرغبة في الشهرة لكن (شعراء ومغنين ختا فيك دوداي غناهو وما شفع ..) إذن كل هذه المطامع لم تنال من عفتها فلتكن كصاحبة المنخل بالحب والهيام إلا أن السرة تظل كما هي (الجان يجن والهم يهيم) أما إذا قلنا أن السرة لا ترغب في رجال بلدها فيجيب حميد (والإنجليزي أسلم في شان هواك...ساعة طلعتي تجيبي عود السيسبان ... اتصيدك آلسرة بت عوض الكريم ... مرقنو كرعين الحصان) فإسلام الإنجليزي لم يفت من عضدها وتصيده لها عندما تكون وحدها لم يجعلها تخضع بل تدافع عن نفسها ضد هذا المعتدي الذي أنجته حوافر الخيل إذن لم تفلح كل هذه الطرق فالسرة امرأة والمرأة ترغب في أن تكون تلك المحبوبة التي يتكبد عاشقها من أجلها المخاطر ويلقي بنفسه في التهلكة من أجلها أو يفقد زمام نفسه أمامها فليس هناك إلا أن يقتحم خلوتها من يريدها حيث الليل يستر كل شيء ولا يعلم أحد بما يحدث إلا (والجاك ناط كتفتي بالليل في اللمين... مع الصبح طلب عفو وسترة ....وعفيتي وسترتي يا السرة القوية.... بقتلو توبة سوية من هتك العرض) والسرة سترت لأنها لا ترغب في أن تنال شهرة أنها مرغوبة بل لأنها ترغب في الستر لها ولغيرها الذي أقلع عن هذه العادة وقوة السرة تنبع من الفضيلة الحقة التي لا تخضع للمغريات أو للرقابة.
وليس هذا موقفا واحدا جاء بالمصادفة ، فالعفة لدى حميد أصيلة وأصالتها عن قناعة فالسرة كانت مثال أما المثال الآخر فهو في ضرب مثل العفة تأتي نصيرة ضاربة مثلا آخر فنصيرة المرأة ذات الغنى والجاه والأسرة ورغم ذلك عندما ضربتها عاديات الدهر لم تنحرف عن الطريق بل فضلت الموت على الانحراف وذل الحاجة ، أي أن حميد لا يري أن العفة مقصورة على طبقة دون طبقة أخرى فنصيرة في المجاعة أخذت تستبدل الذهب بالدقيق الجيد ولما لم تجد تنازلت وطالبت بأن يكون حتى غير جيد ولما لم تجد أخذت تستجدى هذا الدقيق وليس ذلك لأنها جائعة بل لأن أطفالها هم الجياع ولما لم تجد ولاح لها شبح الرذيلة أقدمت نصيرة على ما تقدم عليه المرأة الحرة حيث المنية ولا الدنية فحميد يصور القصة كالآتي:

فنصيرة التي تفضل الموت بأفظع الطرق بالجوع والعطش والحبس على أن تعيش في كنف الرذيلة السرة بت عوض الكريم ...
مرة من صميم ضهر الغلابة
الما بتنكس راسها غير ...
ساعة الصلاة ... أو
ترمي تيراب في التراب ... أو تستشف وجه الأديم
ولحميد نبرة ساخرة تلمسها في جل قصائده فخذ قوله على لسان أحد المشردين(الشماسة) الذي يخاطب عيوشة وهو يحكي لها واقعة اعتقاله من قبل البوليس بتهمة التشرد :
ودونا لي ضابط
كالعادة وإنكفرن
قال أنا وين أوديهن
والعندي ما قادر
بالمويه أكفيهن
والعسكر أدونا
سوطين وفكونا :
ما يقبضوا الضبان
ما يقبضوا الباعوض
الما بدور فتيش
اشمعنا إحنا وليش
إحنا الحرامية
ولَّة البدسوا العيش
الزول يدور يكفر
يرجع يقول معليش
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

فى انتظار مداخلاتكم
والتحية وعيد مبارك
صورة العضو الرمزية
فارس الرومانسية
مشاركات: 756
اشترك في: الاثنين 2008.6.23 4:02 pm
مكان: بين جرح السحابه وشهقه الارض البكر
اتصال:

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة فارس الرومانسية »

[mark=00FFCC]يا ود @ علبوب

عيد مبارك عليك

اعترف ولو ان الاعتراف جريمه فى عالم العقلاء
اعترف انى لم ار شمس الغدالا من خلال شعر حميد
ولم استنشق هواء السودان الا عندما اقرا اشعار حميد
لكن الان اخذتنى الاقدار بعيدا
وما زلت اتسكع فى زوايا مكتبه الرائع حميد
يا الله كم احبه كثيرا
اخى ابدعت حين كتبت
حميد كنز نفتخر به جميعا
انا اشكرك بعنف وحراره
ودمت فى حب
[/mark]
صورة العضو الرمزية
محمدالرشيدمحمداحمد
مشاركات: 151
اشترك في: الأربعاء 2008.9.10 5:08 pm
مكان: السودان
اتصال:

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة محمدالرشيدمحمداحمد »

لك مني يا ودعلبوب الشكر والتقدير
واحيك علي هذه الدراسة القيمة والهادفة في شعر الاستاذ حميدحسن سالم
كم أعجبتني هذه الدراسة ,,, ولي عودة مرات ومرات لها
وختاماً تقبل مروري وشكري وتقديري
alsmoal
مشاركات: 11
اشترك في: الاثنين 2008.2.11 2:24 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة alsmoal »

ودعلبوب لك التحيه اينما كنت علي هذا الطرح السر ولك التحيه بحجم السودان وانت تتحدث عن الهرم الاغبش وشاعر الغلابة ومناضل الكلمات الرجل الشامخ كنخيل الشمال والطويل كغابات الجنوب والواسع كرمال الغرب والعالي كجبال الشرق والعميق كعمق النيل والذي ناضل بالكلمات من أجل وطن موحد وسالم الاسطورة (حميد) إذا لم يكن في السودان حميد فتأكد انك ليس في السودان فحميد هو السودان والسودان هو حميد فالرجل أعطي لهذا السودان ولا يزال وحميد مدرسه شعرية فريدة ونادره قل مايجود بمثلها السودان فالتحية لحميد بقدر ماقدم وأبدع .
وكما تلاحظون حميد أخذ أجزاء كثيرة في شعره من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ووازعه الديني قوي جدا وتحدث حميد وذكر الكثير من الأنبياء في قصائده ، وتجد إشارات جمة لقصص الأنبياء بما يتوافق وحال القصائدة التي ذكرها حميد وهو بهذا يلقي في أذن المتلقي ألوانا شتي من الخلفية الدينية والحديث عن حميد يطول ومحتاج لصفحات وصفحات .
وأحييك مرة اخري علي هذه الدراسه القيمه والهادفه
وتقبل مروري
ودعلبوب
مشاركات: 278
اشترك في: الأربعاء 2006.12.27 4:10 pm
مكان: الخرطوم

رد: ملامح عامة لشعر حميد ( منقول)

مشاركة بواسطة ودعلبوب »

شكرا لمروركم
سعدت بمداخلاتكم
ودعونا نفتح باباَ للحوار والدراسة والنقد لكلمات الرائع حميد
أضف رد جديد

العودة إلى ”همس القصيد“