فضيلة الايثار ونفحاتها فى مجتمعنا السودانى
--------------------------------------------------------------------------------
فضيـــلة الايثــــار
الايثار فضيلة نبيلة تعنى التجرد من الانانية وتفضيل الاخر وتقديمه على النفس بقناعة راضية متواضعة فهو أعلىدرجات
الجود والكرم والعطاء وهو معنى رفيع مستمد من روح القرآن الكريم اذ يقول الله تعالى فى سورة الحشر اية التاسعة
بســـم اللــــه الرحمــــن الرحيــــم
ويؤثرون على أنفسهــــم ولو كــان بهـــم خصــاصـــــة
صـــدق اللـــــه العــظيـــــــم
وهذه الآية العظيمة تؤكد لنا هذه القيمة وتبرز لنا أروع صور الايثار تلك التى يؤثر الانسان فيها الآخرين على نفسه حتى برغم أنه فى أمس الحاجة الى اختصاص نفسه أولا ، وهذا المعنى السامى يدحض تلك النزعات الفردية الطاغية
والتى ترى أن الايثار مسألة خيالية وأنه لون من ألوان السفه والاسراف الذى يستوجب حد المنع والزجر والحجر أحيانا
وحجة هؤلاء تستند على أمثال هذا القول الشائع "اللى يحتاجه البيت يحرم عالجامع " وجعلوا من هذا المثل سندا قويا
يبطل مفعول قيمة الايثار ويطارد أحرف هذه الكلمة ليرغمها على الاختفاء من قواميس التعامل الحياتى الانســـانــى....
مــوقــف مجتمــــعنــا الســــودانى مــــن هـــذه الفضيلة مقــارنة بمجتمعـــات أخـــر..................
تقول أحد أبيات أغنية يرددها الفنان الكابلى واصفة معنى الجود:
انمـــا الجــــود عطـــــاء القــــلب
تقطـــــيع مـــن الجلــــد وبــر وثـــواب
ولعلى أرى وبنظرة حيادية أن مجتمعنا السودانى ولله الحمد تشغل فيه هذه الفضيلة حيزا كبيرا فى نطاق تعاملاته
الانسانية فالمعروف أن الشعب السودانى يتميز أبنائه بصفات انسانية عالية يتفرد بها عمن سواه مقارنة بشعوب أخر
ويتجلى ذلك واضحا فى ملامح الذات السودانية حيث الشخصية البسيطة المتواضعة المسالمة العطوفة المعطاءة بسخاء
ويتحلى أبناء هذا الشعب بصفات المروءة والشهامة وقد أسهم كل ذلك فى ثقل الشخصية السودانية وجعلها مميزة ،
ولعلى أرى ذلك بوضوح من واقع معايشتى الزمنية لأعماق المجتمع المصرى ، فبرغم طول هذه المعايشة الا أننا نجد
أنفسنا متقوقعين فى داخل ذاتيتنا السودانية وموروثاتنا وعاداتنا الخاصة ، والفرق كبير ففى حين نتعامل نحن السودانيين بمنطق التكافل الاجتماعى الواسع وبغطاء فضفاض من التواصل والتراحم والعشم والمودة والترابط والتآزر
نجد أن الواقع فى الحياة المصرية المعاشة يقوم على الخصوصية الشديدة وأن مسألة التواصل والتراحم والتكافل هى
من الكماليات وتنحصر فى اضيق الحدود داخل حدود الاسرة الصغيرة المكونة من الاب والام والاولاد ، والاولاد هنا هم مربط الفرس حيث تنصرف جهود الابوين نحوهم فى حصار وتطويق مبالغ فيه حتى ان الجد والجدة غالبا مايكونون على
هامش الحياة فزيارتهم ومودتهم بحساب يليهم فى المرتبة اخوان الزوج والزوجة ثم الاعمام والاخوال وتواصلهم يكون دائما فى المناسبات الضرورية ، وهكذا نجد ان الابناء هم فقط المعنيون بالاهتمام والمتابعة والاحتواء فى هذا المجتمع
والمدهش أنه برغم كل هذا التفانى والعطاء المنهمر من الوالدين للابناء الا أن المردود غالبا مايكون مؤسفا ومحبطا من
جانب هؤلاء الابناء مستقبلا عند الاستقلال بالنفس فتتجلى هنا ظاهرة الانانية اذ بدلا من ان يسود منطق العرفان والوفا
بالجميل والبر لسداد فاتورة العطاء ووالتفانى من قبل الابوين تجدهم ينصرفون الى حياتهم الخاصة بكل قوة وحماس وينهمكون فى الانشغال بذاتهم فينصرفون تلقائيا عن متابعة ذويهم وبرهم ومودتهم الا فى المناسبات والضروريات
وليس ادل على ذلك من انتشار بيوت المسنين ودور الايواء والملاجئ فى المجتمع المصرى ،ـ كم ا تتضح هذه الظاهرة
بجلاء فى التناولات الدرامية المكثفة فى الوسائل المسموعة والمرئية كذلك فى تناولات الصحافة من احداث مؤسفة و خطيرة كظاهرة ضرب الابناء لذويهم وعدم رعايتهم والانفاق عليهم او التسلط عليهم للحجر على اموالهم والتصرف فيها
ولعل مرد كل ذلك من وجهة نظرى هو اسلوب التربية المغالى فى الذاتية والممعن فى الاسراف فى الاحاطة والتفاخر
بالأبناء لحد الغرورمما يشبع فيهمروح الاثرة وحب النفس وتعطشهم لمزيد من الاخذ والتكديس والتحدث عن الذات بفخر
( مــــداخـــلـــة )
اود ان اشير هنا الى أننى لااود بهذا التناول تجريح الذات المصرية بقدر ماهدفت الى سرد حقائق معاشة والامر كذلك لايتعلق بعامة المجتمع المصرى فهناك نماذج مشرفة يعصمها التحلى بروح الدين والقيم على اعطاء الوالدين حقوقهم
المفروضة بوازع من الضمير والخلق والاصالة والمجتمع الريفى الاصيل يضرب لنا فى ذلك اروع الامثال ...................
كما اننى اود ان اشير الى ان هناك جانب ايجابى فى هذا التفاعل غى داخل الاسرة المصرية اذ ان مبدا احتواء الابناء وتكريس الجهود لرعايتهم وتلبية متطلباتهم له بعد ايجابى مثمر يتم به تحقيق الاستقرار والحياة المنظمة الهادئة المشبعة
مما يساعد على توفير المناخ الداعم للابناء لبتاء مستقبلهم ، وانما مكمن السلبية هنا هو المغالاة والاسراف فى ذلك
وعلى العكس نجد انه فى الجانب السودانى لايجد الابناء كل هذا المناخ الداعم المنظم المستقر كأرضية خصبة لنموهم جسديا وعقليا وتفسيا فهم لايحظون بكل هذا الترف من الاهتمام والرعاية فلا يخصص لهم مثلا غرف خاصة وامتعة خاصة
وكوتات غذائية معززة ، وانما الطفل السودانى يذوب فى محيط الاسرة الكبيرة والعائلة والاقارب والمعارف والجيران فلا حدود فاصلة بل ان اشياءه الخاصة كثيرا ماتحتل اذا ماعرج على البيت ضيف او زائر او مقيم لفترة طويلة قادم من الريف للدراسة او العلاج او للعمل ، وهكذا تذوب الفردية فى حياة الانسان السودانى دوما وابدا...............................
الا ان المغالاة ايضا فى جانب الحياة الاجتماعية السودانية انما ينم عن فوضى وعشوائية وعدم تخطيط مما يتسبب معه
تفويت الفرص على الابناء واعاقة تحصيلهم العلوم وعلى عدم حصولهم على قدر لازم من الخصوصية والاستقرار والراحة
ومايستتبع ذلك من ارهاق جسدى ومادى وفكرى ينعكس اثره ايضا على الوالدين والمجتمع والوطن .........................
تنويه
اود ان اتناول هذه المسالة لاحقا ان شاءالله فى موضوع اخر بعنوان (كرم الضيافة السودانى مابين الافراط والتفريط)
وارجو ان اوفق فى هذا وان يحوز جهدى الرضاء والقبول ....................................................................................
ولكم خالص الشكر والعرفان
مع تحياتى
فاطمة سيد محمد صالح
فضيلة الايثار ونفحاتها فى مجتمعنا السودانى
المشرف: بانه
-
فاطمة سيد محمد صالح

- مشاركات: 10
- اشترك في: الأحد 2008.4.6 5:02 pm
- مكان: الاسكندرية بجمهورية مصر
رد: فضيلة الايثار ونفحاتها فى مجتمعنا السودانى
نعم كما ذكرتى أختى فاطمة فضيلة الإيثار تعنى التجرد من الأنانية
و تفضيل الآخرين ..... موضوعك جميل و ممتاز ... أرجو أن تواصلى.
و تفضيل الآخرين ..... موضوعك جميل و ممتاز ... أرجو أن تواصلى.
رد: فضيلة الايثار ونفحاتها فى مجتمعنا السودانى
مشكورة الاخت فاطمة وبارك الله فيكى

