ارتقى ( ابن الشيخ ) درجات السلم بسرعة حتى وصل اليها ووجدها كما رآها أول مرة تفيض نداوة ونضارة وجمال ويمتد نورها ليشمل حتى النوافذ والأبواب في ذلك العنبر السعيد بوجودها فيه.
وقفا سوياً على سياج النافذة المطلة على الحديقة يتأملان القمر والنجوم والأوراق المنسدلة على فروعها وكأنها تؤدي فروض الإحترام لجزع الشجرة النائمة في صمت.
سرح صاحبنا بفكره بعيداً هذه المرة وسعيداً برؤيتها تتعافى أخيراً من وعكتها التي سببها لها دون قصد منه وأبتسم ناظراً اليها والى وجهها الذي يحاكي البدر في ليلة تمامه وقد كانت الليلة هي ليلة تمامه ولكن حتى البدر كان خجولاً من نور هذا الجمال الرباني الذي لم يرى ولن يرى مثله قريباً في بشر.
قضيا في وقفتهما تلك وقتاً طويلاً حتى أحس صاحبنا بأنها قد تعبت من الوقوف فأمسك بيدها وقادها الى داخل الغرفة وجلس قربها وقد اتكأت على يدها اليسرى في السرير الأبيض وأرسلت اليمنى لتداعب شعره وعنقه ووجهه وسألته :
هي : خفت علي من الموت ؟
هو : لو ماخفت عليك أخاف على منو تاني ؟
هي : مش نحن متواعدين نحب بعض لحدما نموت ؟ طيب لو مت حأكون وفيت معاك بي وعدي مش ؟
هو : لأ .. نحن إتفقنا نحيا سوا ونموت سوا يعني لو متي كنتي حتخليني وتمشي براك ودا ما اتفاقنا
هي : بضحكة خلابة يعني انت حتكون حارسني كدا طوالي ؟ خليني شوية ابعد عنك عشان تشتاق لي
هو : يابت أنا محتاج ابعد عشان اشتاق ليك ؟؟ هو أنا لما تكوني معاي بكون مشتاق ليك ولما تمشي بشتاق ليك ولما تجي بشتاق ليك وماعارف زاتو اسوي معاك شنو
وضحكوا سوياً وطبع قبلة على جبينها ونظر الى أمها التي كانت تجلس في السرير المقابل حيث قالت :
الام : ياولدي ربنا يخليكم لى بعض وتشتاقو لى بعض اكتر واكتر والله ذكرتوني أيامنا أنا وأبوها زماااان الله يرحمو ماكان بقدر يبعد عني كلو كلو
هو : في خبث وإنتي كنتي بتقدري تبعدي عنو ياخالة ؟؟
الام : ضاحكة ياولدي انت عاد ماتزرزرني كدا
وضحكوا جميعاً ثم التفت صاحبنا الى ملهمته وقال لها:
هو : أحمد وين ؟
هي : أحمد مشى البيت يرتبو عشان طالعين بكرة طبعاً
هو : والله دا أحلى خبر أسمعو الليلة ومن ساعة كلموني بيهو لحد هسه ماقادر ألم نفسي من الفرح
هي : طيب ياحبيبي انت كمان لازم تمشي بيتكم خلاص أنا كويسة هسه وبعدين عشان تغير ملابسك دي وتحلق وتجيني بكرة الصباح تطلعني لأني ما حأطلع من هنا إلا معاك وإنت عارف كدا ... ولا عايزني أطلع معاك وإنت كدا ؟
هو : لأ خلاص حأمشي وأجيكم الصباح
هي : طيب
هو : يالله ياخالة أنا حأجيكم الصباح ان شاءالله
ثم ودع ملهمته بطريقته الخاصة وهمس لها شيئاً في أذنها فأبتسمت بسعادة غامرة وخرج الى الطريق يبحث عن وسيلة مواصلات في هذا الوقت المتأخر حتى وجد عربة أشار اليها فحمله سائقها معه وكان طريقه نفس طريق منزل صاحبنا فوصل ودخل الى غرفته بعد أن جلس مع والدته لبرهة ليطمئنها على ملهمته ثم استوى على سريره ليستسلم للنوم .
لكنه لم ينام , إحساس غريب إنتابه في هذه اللحظات , إحساس بعدم إنتهاء معاناته وملهمته في ذلك المستشفى , حاول وحاول أكثر من مرة لكن النوم لم يجد لعينيه طريقاً , وعند الخامسة فجراً نهض من فراشه وكأن منادياً يناديه ويحثه أن يسرع لتلبية النداء كان نداء ملهمته لقد عرف ذلك بإحساسه وحده وسمعه بأذنيه ولم يسمعه أحد غيره بل لن يستطيع احد غيره سماعه.
تناول مفتاح أحدى عربات والده وفي سرعة فائقة كان في المستشفى مهرولاً الى حيث ملهمته وجميع من بذلك المستشفى يغطون في نوم عميق.
وصل الى حيث غرفتها
رأى أمها نائمة ووجدها هي على فراشها مغمضة عينيها بهدوء وعلى ثغرها طيف تلك الإبتسامة التي كانت قد ودعته بها.
مد يده ليتحسس جبينها فوجده بارداً...
أحس بضوء غريب لم يراهـ بعينيه....
شعر بتواجد أجسام غير مرئية ....
لعلهم ملائكة الرحمن قد أتوا ليشهدوا مراسم صعود أروع واجمل روح وجدت على الأرض بعد أن اعدوا لها مكانها مع الصديقين والشهداء في جنة الخلد.
ذعر أشد الذعر ودنا منها واضعاً أذنه على صدرها..
خيل اليه وكأنه يسمع ارتجاع الصدى عن آخر نبضة تناديه...
وبعدها ..... لم يسمع شيئاً ...
احس وكأن الأرض قد توقفت عن الدوران وكأن الكون قد أعلن حداده الى أجل غير مسمى فصرخ صرخة شقت أركان ذلك المستشفى وزلزلت أساسه وأيقظت حتى الطيور في أعشاشها على أشجار الحديقة.
وقبل أن يكتسي كل شيء في عينه بالسواد..
وقبل أن يفقد إحساسه بالزمان والمكان ..
وقبل أن تعجز أطرافه عن حمله ويفقد سيطرته على كل شيء
وأثناء سقوطه الى هاوية اللاوعي ...
حانت من صاحبنا إلتفاتة لمح فيها دمعة صغيرة تجد طريقها أخيراً لتنساب بإنكسارعلى خدها الأيمن
كانت أسخن دمعة وداع على الإطلاق تعلن إغلاق الستار على آخر فصول ذلك الحب والوعد المستحيل .
----------- تــــــمــــــت---------------
ملحوظة:
أرجو عدم نشرها أو نقلها إلى مكان آخر
مع ودي واحتراماتي للجميع..
ودالدرديري
شعرت بالروعة تتكيء على جدار البوست فعرفتك
تمنت أحرفي أن تُصاغ تعابير شكر لتناسب مرورك المعطر
نعم إنتهت هذه القصة الحلومر ولكن...
بدأت بعدها مأساة التعايش مع واقع فرضه القدر ويالها من مأساة
سلمت أناملك
يعيش الأمس مسطوراً في حنايا الذاكرة
محفوراً في وجدانك صوراً وأهازيج ساحرة
وبين حلاوة التاريخ بين مرارة الأيام... ستمل من السير على دروب مختلفة,, تتمنى هدمها وبناء درب واحد,,, وإن كانت النهاية مأساوية،، لكنها تبقى من حكم الدنيا ومن إرداة الله لنا،،،
رغم علمي بالقصة بمقتطفات مسبقة،، ولك يبقى السرد بتفاصيله له طعم آخــــــر،،،،