الطـبّ النـــبوي

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم

روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إذا دخلتم على المريض، فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئًا، وهو يطيب نفس المريض‏)‏‏.‏

وفي هذا الحديث نوع شريف جدًا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب‏.‏

وتفريح نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال ما يسره عليه، له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه، ويعظمونه، ورؤيتهم لهم، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم، وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم، فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد‏:‏ نوع يرجع إلى المريض، ونوع يعود على العائد، ونوع يعود على أهل المريض، ونوع يعود على العامة‏.‏

وقد تقدم في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، وربما كان يقول للمريض‏:‏ ‏(‏لا بأس طهور إن شاء الله‏)‏، وهذا من كمال اللطف، وحسن العلاج والتدبير‏.‏‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الأبدان

بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده هذا أصل عظيم من أصول العلاج، وأنفع شيء فيه، وإذا أخطأه الطبيب، أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه، ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل، فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي، ولا يؤثر في طباعهم شيئًا، بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم، والتجربة شاهدة بذلك، ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج انبوي، رآه كله موافقًا لعادة العليل وأرضه، وما نشأ عليه‏.‏ فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الإعتناء به، وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة، وكان فيهم كابقراط في قومه‏:‏ الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل بدن ما اعتاد‏.‏ وفي لفظ عنه‏:‏ الأزم دواء، والأزم‏:‏ الإمساك عن الأكل يعني به الجوع، وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الإمتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الإمتلاء، وهيجان الأخلاط، وحدتها أو غليانها‏.‏

وقوله‏:‏ المعدة بيت الداء‏.‏ المعدة‏:‏ عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها، مركب من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف، ويحيط بها لحم، وليف إحدى الطبقات بالطول، والأخرى بالعرض، والثالثة بالورب، وفم المعدة أكثر عصبًا، وقعرها أكثر لحمًا، وفي باطنها خمل، وهي محصورة في وسط البطن، وأميل إلى الجانب الأيمن قليلًا، خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهي بيت الداء، وكانت محلًا للهضم الأول، وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء، ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة الغذاء، أو لردائته، أو لسوء ترتيب في استعماله، أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبًا، فتكون المعدة بيت الداء لذلك، وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء، ومنع النفس من اتباع الشهوات، والتحرز عن الفضلات‏.‏

وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال‏:‏ العادة طبع ثان، وهي قوة عظيمة في البدن، حتى إن أمرًا واحدًا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات، كان مختلف النسبة إليها‏.‏ وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب، أحدها‏:‏ عود تناول الأشياء الحارة، والثاني‏:‏ عود تناول الأشياء الباردة، والثالث‏:‏ عود تناول الأشياء المتوسطة، فإن الأول متى تناول عسلًا لم يضر به، والثاني‏:‏ متى تناوله، أضر به، والثالث‏:‏ يضر به قليلًا، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة، ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تغذية المريض

بألطف ما اعتاده من الأغذية في الصحيحين من حديث عروة عن عائشة، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، واجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلى أهلهن، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، وصنعت ثريدًا ثم صبت التلبينة عليه، ثم قالت‏:‏ كلوا منها، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن‏)‏‏.‏

وفي السنن من حديث عائشة أيضًا قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏عليكم بالبغيض النافع التلبين‏)‏، قالت‏:‏ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه‏.‏ يعني يبرأ أو يموت‏.‏

وعنها‏:‏ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قيل له‏:‏ إن فلانًا وجع لا يطعم الطعام، قال‏:‏ ‏(‏عليكم بالتلبينة فحسوه إياها‏)‏، ويقول‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ‏)‏‏.‏

التلبين‏:‏ هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق إسمه، قال الهروي‏:‏ سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيء، وإذا شيءت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحًا، والتلبينة تطبخ منه مطحونًا، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيرًا في الإنتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونًا لا صحاحًا، وهو أكثر تغذية، وأقوى فعلًا، وأعظم جلاء، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحًا ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها‏.‏ والمقصود ‏:‏ أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاء ظاهرًا، ويغذي غذاء لطيفًا‏.‏ وإذا شرب حارًا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم فيها ‏:‏ ‏(‏مجمة لفؤاد المريض‏)‏ يروى بوجهين‏.‏ بفتح الميم والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، والأول‏:‏ أشهر، ومعناه ‏:‏ أنها مريحة له، أي ‏:‏ تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏(‏تذهب ببعض الحزن‏)‏ هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن‏.‏

وقد يقال ـ وهو أقرب ـ ‏:‏ إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية، والله أعلم‏.‏

وقد يقال‏:‏ إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلط مراري، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه، ويحدره، ويميعه، ويعدل كيفيته، ويكسر سورته، فيريحها ولا سيما لمن عادته الإغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم‏.‏ والله أعلم‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ وأما الأمر الطبي

‏:‏ فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأن مخرجه من الحيوان، وهو كثير المنافع، جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب، وتفريحه، والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها، وهو مقو للبصر إذا اكتحل به، والخام منه ـ وهو المستعمل في صناعة الطب ـ حار يابس في الدرجة الأولى‏.‏ وقيل‏:‏ حار رطب فيها‏:‏ وقيل‏:‏ معتدل‏.‏ وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه‏.‏

قال الرازي‏:‏ الإبريسم أسخن من الكتان، وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن، فإنه يهزل، ويصلب البشرة وبالعكس‏.‏

قلت‏:‏ والملابس ثلاثة أقسام‏:‏ قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، و ملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه‏.‏

قال صاحب المنهاج‏:‏ ولبسه لا يسخن كالقطن، بل هو معتدل، كل لباس أملس صقيل، فإنه أقل إسخانًا للبدن، وأقل عونًا في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة‏.‏

ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائين في غيرها، صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجها مخالفًا لمزاج ما يتولد منه القمل‏.‏

وأما القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن، فالمتخذ من الحديد والرصاص، والخشب والتراب، ونحوها، فإن قيل‏:‏ فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث‏؟‏

قيل‏:‏ هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال‏.‏

ومثبتو التعليل والحكم ـ وهم الأكثرون ـ منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره‏.‏

ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء، ومنهم من قال‏:‏ حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة، فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فليسلم للشارع الحكيم، ولهذا كان أصح القولين‏:‏ أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث‏.‏

وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم‏)‏‏.‏

وفي صحيح البخاري عن حذيفة قال‏:‏ نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه، وقال‏:‏ ‏(‏و لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة‏)‏‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج ذات الجنب

روى الترمذي في جامعه من حديث زيد بن أرقم، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏

‏(‏تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت‏)‏‏.‏

وذات الجنب عند الأطباء نوعان‏:‏ حقيقي وغير حقيقي‏.‏ فالحقيقي‏:‏ ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع‏.‏ وغير الحقيقى‏:‏ ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات، فتحدث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود، وفي الحقيقي ناخس‏.‏

قال صاحب القانون‏:‏ قد يعرض في الجنب، والصفاقات، والعضل التي في الصدر، والأضلاع، ونواحيها أورام مؤذية جدًا موجعة، تسمى شوصة وبرسامًا، وذات الجنب‏.‏ وقد تكون أيضًا أوجاعًا في هذه الأعضاء ليست من ورم، ولكن من رياح غليظة، فيظن أنها من هذه العلة، ولا تكون منها‏.‏ قال‏:‏ واعلم أن كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقًا من مكان الألم، لأن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب، والغرض به ها هنا وجع الجنب، فإذا عرض في الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه، وعليه حمل كلام بقراط في قوله‏:‏ إن أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام‏.‏ قيل‏:‏ المراد به كل من به وجع جنب، أو وجع رئة من سوء مزاج، أو من أخلاط غليظة، أو لذاعة من غير ورم ولا حمى‏.‏

قال بعض الأطباء‏:‏ وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان، فهو ورم الجنب الحار، وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة، وإنما سمي ذات الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورمًا حارًا فقط‏.‏

ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض‏:‏ وهي الحمى والسعال، والوجع الناخس، وضيق النفس، والنبض المنشاري‏.‏

والعلاج الموجود في الحديث، ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري ـ وهو العود الهندي على ما جاء مفسرًا في أحاديث أخر ـ صنف من القسط إذا دق دقًا ناعمًا، وخلط بالزيت المسخن، ودلك به مكان الريح المذكور، أو لعق، كان دواء موافقًا لذلك، نافعًا له، محللًا لمادته، مذهبًا لها، مقويًا للأعضاء الباطنة، مفتحًا للسدد، والعود المذكور في منافعه كذلك‏.‏

قال المسبحي‏:‏ العود‏:‏ حار يابس، قابض يحبس البطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح السدد، نافع من ذات الجنب، ويذهب فضل الرطوبة، والعود المذكور جيد للدماغ‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة، والله أعلم‏.‏

وذات الجنب‏:‏ من الأمراض الخطرة، وفي الحديث الصحيح‏:‏ عن أم سلمة، أنها قالت‏:‏ بدأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمرضه في بيت ميمونة، وكان كلما خف عليه، خرج وصلى بالناس، وكان كلما وجد ثقلًا قال‏:‏ ‏(‏مروا أبا بكر فليصل بالناس‏)‏، واشتد شكواه حتى غمر عليه من شدة الوجع، فاجتمع عنده نساؤه، وعمه العباس، وأم الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس، فتشاوروا في لده، فلدوه وهو مغمور، فلما أفاق قال‏:‏ ‏(‏من فعل بي هذا، هذا من عمل نساء جئن من ها هنا، وأشار بيده إلى أرض الحبشة، وكانت أم سلمة وأسماء لدتاه، فقالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ خشينا أن يكون بك ذات الجنب‏.‏ قال‏:‏ فبم لددتموني‏؟‏ قالوا‏:‏ بالعود الهندي، وشيء من ورس، وقطرات من زيت‏.‏ فقال‏:‏ ما كان الله ليقذفني بذلك الداء، ثم قال‏:‏ عزمت عليكم أن لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس‏)‏‏.‏

وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت‏:‏ لددنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأشار أن لا تلدوني، فقلنا‏:‏ كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال‏:‏ ‏(‏ألم أنهكم أن تلدوني، لا يبقى منكم أحد إلا لد غير عمي العباس، فإنه لم يشهدكم‏)‏‏.‏

قال أبو عبيد عن الأصمعي‏:‏ اللدود‏:‏ ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ من لديدي الوادي، وهما جانباه‏.‏ وأما الوجور‏:‏ فهو في وسط الفم‏.‏

قلت‏:‏ واللدود ـ بالفتح‏:‏ ـ هو الدواء الذي يلد به‏.‏ والسعوط‏:‏ ما أدخل من أنفه‏.‏

وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل سواء، إذا لم يكن فعله محرمًا لحق الله، وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعة عشر دليلًا قد ذكرناها في موضع آخر، وهو منصوص أحمد وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين، وترجمة المسألة بالقصاص في اللطمة والضربة، وفيها عدة أحاديث لا معارض لها البتة، فيتعين القول بها‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود

ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك‏:‏ ‏(‏أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاة مصلية بخيبر، فقال‏:‏ ما هذه ‏؟‏ قالت‏:‏ هدية، وحذرت أن تقول‏:‏ من الصدقة، فلا يأكل منها، فأكل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكل الصحابة، ثم قال‏:‏ أمسكوا، ثم قال للمرأة‏:‏ هل سممت هذه الشاة ‏؟‏ قالت‏:‏ من أخبرك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا العظم لساقها، وهو في يده‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ لم‏؟‏ قالت‏:‏ أردت إن كنت كاذبًا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيًا، لم يضرك، قال‏:‏ فاحتجم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة على الكاهل، وأمر أصحابه أن يحتجموا، فاحتجموا، فمات بعضهم‏)‏‏.‏

وفي طريق أخرى‏:‏ واحتجم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبي بياضة من الأنصار، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فقال‏:‏ ‏(‏ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني‏)‏ فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيدًا، قاله موسى بن عقبة‏.‏

معالجة السم تكون بالإستفراغات، وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها، وإما بخواصها، فمن عدم الدواء، فليبادر إلى الإستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارًا، والزمان حارًا، فإن القوة السمية تسري إلى الدم، فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب، فيكون الهلاك، فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم، وأخرج الدم، خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغًا تامًا لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة، فتبطل فعله أو تضعفه‏.‏

ولما احتجم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ احتجم في الكاهل، وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت الماده السمية مع الدم لا خروجًا كليًا، بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له، فلما أراد الله إكرامه بالشهادة، ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود‏:‏ ‏{‏أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏، فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه، وتحقق، وجاء بلفظ‏:‏ تقتلون بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه، والله أعلم‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج السحر الذي سحرته اليهود به

قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا‏:‏ لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنه ـا ـ أنها قالت‏:‏ سحر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه، ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر‏.‏
قال القاضي عياض‏:‏ والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل يجوز عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقة، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان‏.‏
والمقصود‏:‏ ذكر هديه في علاج هذا المرض، وقد روي عنه فيه نوعان‏:‏
أحدهما ـ وهو أبلغهما ـ‏:‏ استخراجه وإبطاله، كما صح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدل عليه، فاستخرجه من بئر، فكان في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر، فلما استخرجه، ذهب ما به، حتى كأنما أنشط من عقال، فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ‏.‏
والنوع الثاني‏:‏ الإستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جدًا‏.‏
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب غريب الحديث له بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ احتجم على رأسه بقرن حين طب‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ معنى طب‏:‏ أي سحر‏.‏
وقد أشكل هذا على من قل علمه، وقال‏:‏ ما للحجامة والسحر، وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء، ولو وجد هذا القائل أبقراط، أو ابن سينا، أو غيرهما قد نص على هذا العلاج، لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال‏:‏ قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله‏.‏
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه، فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية‏.‏
والسحر‏:‏ هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها، وهو أشد ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي‏.‏
قال أبقراط‏:‏ الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها‏.‏
وقالت طائفة من الناس‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أصيب بهذا الداء، وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدم منه، فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له، وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة، فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سحر، عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله، فسأل الله سبحانه، فدله على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أنشط من عقال، وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية

بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار، والآيات، والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد، كانت أبلغ في القشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر، قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه‏.‏

وعند السحرة‏:‏ أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية‏.‏

وبالجملة‏:‏ فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا‏:‏ والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الإلتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والإلتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الاستفراغ بالقيء

روى الترمذي في جامعه عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاء، فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال‏:‏ صدق، أنا صببت له وضوءه‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وهذا أصح شيء في الباب‏.‏

القيء‏:‏ أحد الإستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ، وهي الإسهال، والقيء، وإخراج الدم، وخروج الأبخرة والعرق، وقد جاءت بها السنة‏.‏

فأما الإسهال‏:‏ فقد مر في حديث ‏(‏خير ما تداويتم به المشي‏)‏ وفي حديث ‏(‏السنا‏)‏‏.‏

وأما إخراج الدم، فقد تقدم في أحاديث الحجامة‏.‏

وأما استفراغ الأبخرة، فذكره عقب هذا الفصل إن شاء الله‏.‏

وأما الإستفراغ بالعرق، فلا يكون غالبًا بالقصد، بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد، فيصادف المسام مفتحة، فيخرج منها‏.‏

والقيء استفراغ من أعلا المعدة، والحقنة من أسفلها، والدواء من أعلاها وأسفلها، والقيء‏:‏ نوعان‏:‏ نوع بالغلبة والهيجان، ونوع بالاستدعاء والطلب‏.‏ فأما الأول‏:‏ فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف‏.‏ فيقطع بالأشياء التي تمسكه‏.‏ وأما الثاني‏:‏ فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر‏.‏

وأسباب القيء عشرة‏.‏

أحدها‏:‏ غلبة المرة الصفراء، وطفوها على رأس المعدة، فتطلب الصعود‏.‏

الثاني‏:‏ من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة، واحتاج إلى الخروج‏.‏

الثالث‏:‏ أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها، فلا تهضم الطعام، فتقذفه إلى جهة فوق‏.‏

الرابع‏:‏ أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها، فيسيء هضمها، ويضعف فعلها‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة، فتعجز عن إمساكه، فتطلب دفعه وقذفه‏.‏

السادس‏:‏ أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها، وكراهتها له، فتطلب دفعه وقذفه‏.‏

السابع‏:‏ أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته، فتقذف به‏.‏

الثامن‏:‏ القرف، وهو موجب غثيان النفس وتهوعها‏.‏

التاسع‏:‏ من الأعراض النفسانية، كالهم الشديد، والغم، والحزن، وغلبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به، واهتمامها بوروده عن تدبير البدن، وإصلاح الغذاء، وإنضاجه، وهضمه، فتقذفه المعدة، وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه، ويؤثر في كيفيته‏.‏

العاشر‏:‏ نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ، فيغلبه هو القيء من غير استدعاء، فإن الطبيعة نقالة‏.‏

وأخبرني بعض حذاق الأطباء، قال‏:‏ كان لي ابن أخت حذق في الكحل، فجلس كحالًا، فكان إذا فتح عين الرجل، ورأى الرمد وكحله، رمد هو، وتكرر ذلك منه، فترك الجلوس‏.‏ قلت له‏:‏ فما سبب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نقل الطبيعة، فإنها نقالة، قال‏:‏ وأعرف آخر، كان رأى خراجًا في موضع من جسم رجل يحكه، فحك هو ذلك الموضع، فخرجت فيه خراجة‏.‏ قلت‏:‏ وكل هذا لا بد فيه مناستعداد الطبيعة، وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة، فتتحرك لسبب من هذه الأسباب، فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض‏.‏‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ ولما كانت الأخلاط فى البلاد الحارة

والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق، كان القيء فيها أنفع‏.‏ ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ، ويصعب جذبها إلى فوق، كان استفراغها، بالإسهال أنفع‏.‏

وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والإستفراغ، والجذب يكون من أبعد الطرق، والإستفراغ من أقربها، والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في الإنصباب أو الترقي لم تستقر بعد، فهي محتاجة إلى الجذب، فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل، وإن كانت منصبة جذبت من فوق، وأما إذا اسقرت في موضعها، استفرغت من أقرب الطرق إليها، فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا، اجتذبت من أسفل، ومتى أضرت بالأعضاء السفلى، اجتذبت من فوق، ومتى استقرت، استفرغت من أقرب مكان إليها، ولهذا احتج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كاهله تارة، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارة، فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه‏.‏ والله أعلم‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ والقيء ينقي المعدة ويقويها

ويحد البصر، ويزيل ثقل الرأس، وينفع قروح الكلى، والمثانة، والامراض المزمنة كالجذام والاستسقاء، والفالج والرعشة، وينفع اليرقان‏.‏

ويبنغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور، ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول، وينقي الفضلات التي انصبت بسببه، والإكثار منه يضر المعدة، ويجعلها قابلة للفضول، ويضر بالأسنان والبصر والسمع، وربما صدع عرقًا، ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق، أو ضعف في الصدر، أو دقيق الرقبة، أو مستعد لنفث الدم، أو عسر الإجابة له‏.‏

وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير، وهو أن يمتلئ من الطعام، ثم يقذفه، ففيه آفات عديدة، منها‏:‏ أنه يعجل الهرم، ويوقع في أمراض رديئة، ويجعل القيء له عادة‏.‏ والقيء مع اليبوسة، وضف الأحشاء، وهزال المراق‏.‏ أو ضعف المستقيء خطر‏.‏‏.‏‏.‏

وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف، وينبغي عند القيء أن يعصب العينين، ويقمط البطن، ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ، وان يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى، وماء الورد ينفعه نفعًا بينًا‏.‏

والقيء يستفرغ من أعلى المعدة، ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس، قال أبقراط‏:‏ وينبغي أن يكون الإستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الإستفراغ بالدواء، وفي الشتاء من أسفل‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين

ذكر مالك في موطئه‏:‏ عن زيد بن أسلم، أن رجلًا في زمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا إليه فزعما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لهما‏:‏ ‏(‏أيكما أطب‏؟‏ فقال‏:‏ أوفي الطب خير يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ أنزل الدواء الذي أنزل الداء‏)‏‏.‏

ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق، فإنه إلى الإصابة أقرب‏.‏

وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم، لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه‏.‏

وكذلك من خفيت عليه القبلة، فإنه يقلد أعلم من يجده، وعلى هذا فطر الله عباده، كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه، وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما، وله يقصد، وعليه يعتمد، فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والفعل‏.‏

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏أنزل الدواء الذي أنزل الداء‏)‏، قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة، فمنها ما رواه عمرو بن دينار، عن هلال بن يساف، قال‏:‏ ‏(‏دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مريض يعوده، فقال‏:‏ أرسلوا إلى طبيب، فقال قائل‏:‏ وأنت تقول ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء‏)‏‏.‏

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه‏:‏ ‏(‏ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء‏)‏، وقد تقدم هذا الحديث وغيره‏.‏

واختلف في معنى أنزل الداء والدواء، فقالت طائفة‏:‏ إنزاله إعلام العباد به، وليس بشيء، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعملون ذلك، ولهذا قال‏:‏ ‏(‏علمه من علمه، وجهله من جهله ‏)‏‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إنزالهما‏:‏ خلقهما ووضعهما في الأرض، كما في الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء‏)‏، وهذا وإن كان أقرب في الذي قبله، فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك، فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم، وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته، فإنزال الداء والدواء مع الملائكة، وهذا أقرب من الوجهين قبله‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية، والأقوات، والأدوية، والأدواء، وآلات ذلك كله، وأسبابه ومكملاته، وما كان منها من المعادن العلوية، فهي تنزل من الجبال، وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار، فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما، وهو معروف من لغة العرب، بل وغيرها من الأمم، كقول الشاعر‏:‏

علفتها تبنا وماء باردًا ** حتى غدت همالة عيناها

وقول الآخر‏:‏

ورأيت زوجك قــد غدا **متقلـــدًا سيفـــًا ورمحـــًا

وقول الآخر‏:‏

إذا ما الغانيات برزن يومًا ** وزججن الحواجب والعيونا

وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم‏.‏

وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل، وتمام ربوبيته، فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء، أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة، والحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين، أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة، وهم الملائكة‏.‏ وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعًا وقدرًا من المشتهيات اللذيذة النافعة، فما ابتلاكم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء، ويدفعونه به، ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه، وبالله المستعان‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الكرب والهم والغم والحزن

أخرجا في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول عند الكرب‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض رب العرش الكريم‏)‏‏.‏

وفي جامع الترمذي عن أنس، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا حزبه أمر، قال‏:‏ ‏(‏يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث‏)‏‏.‏

وفيه‏:‏ عن أبي هريرة، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا أهمه الأمر، رفع طرفه إلى السماء فقال‏:‏ ‏(‏سبحان الله العظيم‏)‏، وإذا اجتهد في الدعاء قال‏:‏ ‏(‏يا حي يا قيوم‏)‏‏.‏

وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏دعوات المكروب‏:‏ اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت‏)‏‏.‏

وفيها أيضًا عن أسماء بنت عميس قالت‏:‏ قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب‏:‏ الله ربى لا أشرك به شيئًا‏)‏‏.‏ وفي رواية أنها تقال سبع مرات‏.‏

وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال‏:‏ اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك‏:‏ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا‏)‏‏.‏

وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت‏:‏ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له‏)‏‏.‏‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
وفي رواية‏:‏ ‏(‏إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه‏:‏ كلمة أخي يونس‏)‏‏.‏

وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له‏:‏ أبو أمامة، فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة‏؟‏ فقال‏:‏ هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، فقال‏:‏ ألا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله ـ عز وجل ـ همك وقضى دينك‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله، قال‏:‏ قل إذا أصبحت وإذا أمسيت‏:‏ اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال‏)‏، قال‏:‏ ففعلت ذلك، فأذهب الله ـ عز وجل ـ همى، وقضى عني ديني‏.‏

وفي سنن أبي داود عن ابن عباس، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من لزم الإستغفار، جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب‏)‏‏.‏

وفي المسند أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏واستعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 45‏]‏‏.‏

وفي السنن‏:‏ ‏(‏عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الجنة، يدفع الله به عن النفوس الهم والغم‏)‏‏.‏

ويذكر عن ابن عباس، عن النبي ـ صلى الله على وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من كثرت همومه وغمومه، فليكثر من قول‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله‏)‏‏.‏

وثبت في الصحيحين ‏(‏أنها كنز من كنوز الجنة‏)‏‏.‏

وفي الترمذي‏:‏ ‏(‏أنها باب من أبواب الجنة‏)‏‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعًا من الدواء، فإن لم تقو على إذهاب داء الهم والغم والحزن، فهو داء قد استحكم، وتمكنت أسبابه، ويحتاج إلى استفراغ كلي‏.‏

الأول‏:‏ توحيد الربوبية‏.‏

الثاني‏:‏ توحيد الإلهية‏.‏

الثالث‏:‏ التوحيد العلمى الاعتقادي‏.‏

الرابع‏:‏ تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك‏.‏

الخامس‏:‏ اعتراف العبد بأنه هو الظالم‏.‏

السادس‏:‏ التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات‏:‏ الحي القيوم‏.‏

السابع‏:‏ الاستعانة به وحده‏.‏

الثامن‏:‏ إقرار العبد له بالرجاء‏.‏

التاسع‏:‏ تحقيق التوكل عليه، والتفويض إليه، والإعتراف له بأن ناصيته في يده، يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه‏.‏

العاشر‏:‏ أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان، وأن يستضيء به في ظلمات الشبهات واللهوات، وأن يتسلى به عن كل فائت، ويتعزى به عن كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه‏.‏

الحادي عشر‏:‏ الاستغفار‏.‏

الثاني عشر‏:‏ التوبة‏.‏

الثالث عشر‏:‏ الجهاد‏.‏

الرابع عشر‏:‏ الصلاة‏.‏

الخامس عشر‏:‏ البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
فصل‏:‏ في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض

خلق الله ـ سبحانه ـ ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالًا إذا فقده أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالًا، إذا فقده، حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان‏.‏

فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها‏.‏

والقلب‏:‏ خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والإبتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، وارجي عنده من كل ما سواه، وأجل في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ورهن مقيم عليه‏.‏

ومن أعظم أدوائه‏:‏ الشرك والذنوب والغفلة والإستهانة بمحابه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الإعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده‏.‏

وإذا تأملت أمراض القلب، وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها‏.‏

فالتوحيد‏:‏ يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار‏.‏

قال بعض المتقدمين من أئمة الطب‏:‏ من أراد عافية الجسم، فليقلل من الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب، فليترك الآثام‏.‏ وقال ثابت بن قرة‏:‏ راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
والذنوب للقلب، بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد، وإذا ضعفت قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك‏.‏

رأيت الذنوب تميت القلوب ** وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب ** وخيــر لنفسك عصيانها

فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده، وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه، فيتولد من بين إيثارها للداء، واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء، ويتعذر معها الشفاء‏.‏ والمصيبة العظمى، أنها تركب ذلك على القدر، فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان‏.‏

وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة، فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملًا على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة، والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له‏.‏ وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه‏.‏ وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه‏.‏

فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها‏.‏

وفي تأثير قوله‏:‏ يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى‏:‏ هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات‏.‏ ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومة، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال‏.‏

ونظير هذا توسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير في حصول المطلوب‏.‏

والمقصود‏:‏ أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًا في إجابة الدعوات، وكشف الكربات، وفي السنن و صحيح أبي حاتم مرفوعًا‏:‏ ‏(‏اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين‏)‏‏.‏ ‏{‏وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 163‏]‏، وفاتحة آل عمران ‏{‏الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 1‏]‏‏.‏، قال الترمذي‏:‏ حديث صحيح‏.‏

وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضًا‏:‏ من حديث أنس أن رجلًا دعا، فقال‏:‏ اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى‏)‏‏.‏

ولهذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اجتهد في الدعاء قال‏:‏ ‏(‏يا حي يا قيوم‏)‏‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
وفي قوله‏:‏ ‏(‏اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت‏)‏ من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، وكذلك قوله‏:‏ الله ربي لا أشرك به شيئًا‏.‏

وأما حديث ابن مسعود‏:‏ ‏(‏اللهم إني عبدك ابن عبدك‏)‏، ففيه من المعارف الإلهية، وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب، فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، لأن من ناصيته بيد غيره، فليس إليه شيء من أمره، بل هو عان في قبضته، ذليل تحت سلطان قهره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ماض في حكمك عدل في قضائك‏)‏ متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد‏.‏

أحدهما‏:‏ إثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ـ سبحانه ـ عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو جهله، أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء، وكل شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته، ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وقد خوفه قومه بآلهتهم‏:‏ ‏{‏إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 54 ـ 57‏]‏، أي‏:‏ مع كونه سبحانه آخذًا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة، والإحسان والرحمة‏.‏ فقوله‏:‏ ماض في حكمك، مطابق لقوله‏:‏ ‏{‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 56‏]‏، وقوله‏:‏ ‏(‏عدل في قضاؤك‏)‏ مطابق لقوله‏:‏ ‏{‏إن ربي على صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 56‏]‏، ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا‏.‏ ومنها‏:‏ ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبها إلى الله، وأقربها تحصيلًا للمطلوب‏.‏
صورة[/align]
صورة العضو الرمزية
ناجي عثمان عبد الرازق
مشاركات: 31498
اشترك في: الخميس 2010.3.4 7:12 pm
مكان: السعودية

رد: الطـبّ النـــبوي

مشاركة بواسطة ناجي عثمان عبد الرازق »

[align=center]
ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية، وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه، ويعقبه شفاء تامًا، وصحة وعافية، والله الموفق‏.‏

وأما دعوة ذي النون‏:‏ فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله ـ سبحانه ـ في قضاء الحوائج، فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثبات كل كمال الله، وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه‏.‏ والاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله، واستقالته عثرته، والإعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها‏:‏ التوحيد، والتنزيه، والعبودية والاعتراف‏.‏

وأما حديث أبي أمامة‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن‏)‏، فقد تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان، فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب، فإما أن يكون سببه أمرًا ماضيًا، فيوجب له الحزن، وإن كان أمرًا متوقعًا في المستقبل، أوجب الهم، وتخلف العبد عن مصالحه وتفويتها عليه، إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز، أو من عدم الإرادة وهو الكسل، وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه، إما أن يكون منع نفعه ببدنه، فهو الجبن، أو بماله، فهو البخل، وقهر الناس له إما بحق، فهو ضلع الدين، أو بباطل فهو غلبة الرجال، فقد تضمن الحديث الإستعاذة من كل شر، وأما تأثير الإستغفار في دفع الهم والغم والضيق، فلما اشترك في العلم به أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم والغم، والخوف والحزن، وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم، وسئمتها نفوسهم، ارتكبوها دفعًا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم، كما‏
صورة[/align]
أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى الطب و الصحة“