كتاب اعجبني
المشرف: بانه
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
6 - إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية
- 7 - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية
- 8 - جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه
يخبر تعالى عن مآل الفجار من كفرة أهل الكتاب والمشركين، المخالفين لكتب اللّه المنزلة وأنبياء اللّه المرسلة، أنهم يوم القيامة في نار جهنم {خالدين فيها} أي ماكثين فيها لا يحولون عنها ولا يزولون، {أولئك هم شر البرية} أي شر الخليقة التي برأها اللّه وذرأها، ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله: {أولئك هم خير البرية}، ثم قال تعالى: {جزاؤهم عند ربهم} أي يوم القيامة {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ {رضي اللّه عنهم ورضوا عنه} ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم القيم {ورضوا عنه} فيما منحهم من الفضل العميم، وقوله تعالى: {ذلك لمن خشي ربه} أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي اللّه واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير البرية؟" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، "ألا أخبركم بخير البرية"؟ قالوا: بلى، قال: "الذي يسأل باللّه ولا يعطي به" (أخرجه الإمام أحمد).
- 7 - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية
- 8 - جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه
يخبر تعالى عن مآل الفجار من كفرة أهل الكتاب والمشركين، المخالفين لكتب اللّه المنزلة وأنبياء اللّه المرسلة، أنهم يوم القيامة في نار جهنم {خالدين فيها} أي ماكثين فيها لا يحولون عنها ولا يزولون، {أولئك هم شر البرية} أي شر الخليقة التي برأها اللّه وذرأها، ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله: {أولئك هم خير البرية}، ثم قال تعالى: {جزاؤهم عند ربهم} أي يوم القيامة {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ {رضي اللّه عنهم ورضوا عنه} ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم القيم {ورضوا عنه} فيما منحهم من الفضل العميم، وقوله تعالى: {ذلك لمن خشي ربه} أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي اللّه واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير البرية؟" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: "رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، "ألا أخبركم بخير البرية"؟ قالوا: بلى، قال: "الذي يسأل باللّه ولا يعطي به" (أخرجه الإمام أحمد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*99 - سورة الزلزلة.
[مقدمة]روى الترمذي عن أنَس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن" (أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب). وعن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو اللّه أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن" (أخرجه الترمذي، وقال: غريب). وعن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟" قال: لا واللّه يا رسول اللّه، ولا عندي ما أتزوج، قال: "أليس معك قل هو اللّه أحد؟" قال: بلى، قال: "ثلث القرآن" قال: "أليس معك إذا جاء نصر اللّه والفتح؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك قل يا أيها الكافرون؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك إذا زلزلت الأرض؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن، تزوج" (أخرجه الترمذي أيضاً، وقال: حديث حسن).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - إذا زلزلت الأرض زلزالها
- 2 - وأخرجت الأرض أثقالها
- 3 - وقال الإنسان ما لها
- 4 - يومئذ تحدث أخبارها
- 5 - بأن ربك أوحى لها
- 6 - يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم
- 7 - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
- 8 - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
قال ابن عباس {إذا زلزلت الأرض زلزالها}: أي تحركت من أسفلها {وأخرجت الأرض أثقالها} يعني ألقت ما فيها من الموتى، كقوله تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم}، وكقوله: {وألقت ما فيها وتخلت}، وفي الحديث: "تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدَعونه فلا يأخذون منه شيئاً" (أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: {وقال الإنسان مالها} أي استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر اللّه ما قد أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا للّه الواحد القهار، وقوله تعالى: {يومئذ تحدث أخبارها} أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} قال: "أتدرون ما أخبارها؟" قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها" (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي). وفي معجم الطبراني: "تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة" (أخرجه الحافظ الطبراني) وقوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} قال البخاري: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، وكذا قال ابن عباس {أوحى لها} أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها، وقال ابن عباس: {يومئذ تحدث أخبارها} قال، قال لها ربها قولي، فقالت؛ وقال مجاهد {أوحى لها} أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم، وقوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} أي يرجعون عن موقف الحساب {أشتاتاً} أي أنواعاً وأصنافاً ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جرير: يتصدعون أشتاتاً فلا يجتمعون آخرما عليهم، وقال السدي {أشتاتاً} فرقاً.
1 - إذا زلزلت الأرض زلزالها
- 2 - وأخرجت الأرض أثقالها
- 3 - وقال الإنسان ما لها
- 4 - يومئذ تحدث أخبارها
- 5 - بأن ربك أوحى لها
- 6 - يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم
- 7 - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
- 8 - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
قال ابن عباس {إذا زلزلت الأرض زلزالها}: أي تحركت من أسفلها {وأخرجت الأرض أثقالها} يعني ألقت ما فيها من الموتى، كقوله تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم}، وكقوله: {وألقت ما فيها وتخلت}، وفي الحديث: "تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدَعونه فلا يأخذون منه شيئاً" (أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: {وقال الإنسان مالها} أي استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر اللّه ما قد أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا للّه الواحد القهار، وقوله تعالى: {يومئذ تحدث أخبارها} أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} قال: "أتدرون ما أخبارها؟" قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها" (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي). وفي معجم الطبراني: "تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة" (أخرجه الحافظ الطبراني) وقوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} قال البخاري: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، وكذا قال ابن عباس {أوحى لها} أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها، وقال ابن عباس: {يومئذ تحدث أخبارها} قال، قال لها ربها قولي، فقالت؛ وقال مجاهد {أوحى لها} أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم، وقوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} أي يرجعون عن موقف الحساب {أشتاتاً} أي أنواعاً وأصنافاً ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جرير: يتصدعون أشتاتاً فلا يجتمعون آخرما عليهم، وقال السدي {أشتاتاً} فرقاً.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {ليروا أعمالهم} أي ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}. روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر" الحديث. فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحمر؟ فقال: "ما أنزل اللّه فيها شيئاً إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}" (أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري). وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} قال: حسبي أن لا أسمع غيرها (أخرجه أحمد والنسائي)، وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعاً: "اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة"، وله أيضاً في الصحيح: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط" (أخرجه البخاري). وفي الصحيح أيضاً: "يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنَّ جارة لجارتها ولو فرسن شاة" (أخرجه البخاري أيضاً) يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر: "ردوا السائل ولو بظلف محرق". وعن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان" (أخرجه أحمد). وروى عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة، وروى ابن جرير عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: لما نزلت: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قاعد، فبكى حين أنزلت، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما يبكيك يا أبا بكر"؟ قال: يبكيني هذه السورة، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر اللّه لكم لخلق اللّه أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم" (أخرجه ابن جرير). وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير في قول اللّه تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وذلك لما نزلت هذه الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد اللّه النار على الكبائر، فرغّبهم في القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت {فمن يعمل مثقال ذرة} (أخرجه ابن أبي حاتم) يعني وزن أصغر النمل {خيراً يره} يعني في كتابه ويسره ذلك قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف اللّه حسنات المؤمنين أيضاً بكل واحدة عشراً ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة. وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً، وأنضجوا ما قذفوا فيها (أخرجه الإمام أحمد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*100 - سورة العاديات.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - والعاديات ضبحا
- 2 - فالموريات قدحا
- 3 - فالمغيرات صبحا
- 4 - فأثرن به نقعا
- 5 - فوسطن به جمعا
- 6 - إن الإنسان لربه لكنود
- 7 - وإنه على ذلك لشهيد
- 8 - وإنه لحب الخير لشديد
- 9 - أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور
- 10 - وحصل ما في الصدور
- 11 - إن ربهم بهم يومئذ لخبير
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله، فعدت وضبحت، وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو، {فالموريات قدحاً} يعني اصطكاك نعالها للصخر، فتقدح منه النار، {فالمغيرات صبحاً} يعني الإغارة وقت الصبح كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغير صباحاً ويستمع الاذان، فإن سمع أذاناً وإلا أغار، وقوله تعالى: {فأثرن به نقعاً} يعني غباراً في مكان معترك الخيول، {فوسطن به جمعاً} أي توسطن ذلك المكان كلهن جمع، روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: بينا أنا في الحجر جالساً جاءني رجل فسألني عن: {العاديات ضبحاً} فقلت له: الخيل حيت تغير في سبيل اللّه، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى علي رضي اللّه عنه وهو عند سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحاً، فقال: سألت عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم سألت ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل اللّه، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على رأسه، قال: أتفتي الناس بما لا علم لك؟ واللّه لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، وفي لفظ: "إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران" (أخرجه ابن أبي حاتم)، فمذهب ابن عباس أنها الخيل (وإلى قول ابن عباس ذهب جمهور المفسرين، منهم مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة واختاره ابن جرير)، وقال (علي) إنها الإبل. قال عطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب، وقال عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: {فالموريات قدحاً} يعني بحوافرها، وقيل: أسعرت الحرب بين ركبانهن، وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل: المراد بذلك نيران القبائل، قال ابن جرير: والصواب الأول: الخيل حين تقدح بحوافرها، وقوله تعالى: {فالمغيرات صبحاً} قال ابن عباس ومجاهد: يعني إغارة الخيل صبحاً في سبيل اللّه، وقال: من فسرها بالأبل هو الدفع صبحاً من المزدلفة إلى منى، وقالوا كلهم في قوله: {فأثرن به نقعاً} هو المكان الذي حلت فيه أثارت به الغبار إما في حج أو غزو، وقوله تعالى: {فوسطن به جمعاً} قال ابن عباس وعطاء: يعني جمع الكفار من العدو، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعاً ويكون منصوباً على الحال المؤكدة، وقوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} هذا هو المقسم عليه، بمعنى أنه لنعم ربه لكفور جحود، قال ابن عباس ومجاهد: الكنود الكفور. قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم اللّه عليه، وقوله تعالى: {وإنه على على ذلك لشهيد} قال قتادة والثوري: وإن اللّه على ذلك لشهيد، ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنوداً لشهيد، أي بلسان حاله، أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد} أي وإنه لحب الخير وهو المال {لشديد}، وفيه مذهبان: (أحدهما): أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال، (والثاني): وإنه لحريص بخيل من محبة المال، وكلاهما صحيح، ثم قال تبارك وتعالى مزهداً في الدنيا، ومرغباً في الآخرة، ومنبهاً على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور؟} أي أخرج ما فيها من الأموات، {وحصّل ما في الصدور} يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم، {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - والعاديات ضبحا
- 2 - فالموريات قدحا
- 3 - فالمغيرات صبحا
- 4 - فأثرن به نقعا
- 5 - فوسطن به جمعا
- 6 - إن الإنسان لربه لكنود
- 7 - وإنه على ذلك لشهيد
- 8 - وإنه لحب الخير لشديد
- 9 - أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور
- 10 - وحصل ما في الصدور
- 11 - إن ربهم بهم يومئذ لخبير
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله، فعدت وضبحت، وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو، {فالموريات قدحاً} يعني اصطكاك نعالها للصخر، فتقدح منه النار، {فالمغيرات صبحاً} يعني الإغارة وقت الصبح كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغير صباحاً ويستمع الاذان، فإن سمع أذاناً وإلا أغار، وقوله تعالى: {فأثرن به نقعاً} يعني غباراً في مكان معترك الخيول، {فوسطن به جمعاً} أي توسطن ذلك المكان كلهن جمع، روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: بينا أنا في الحجر جالساً جاءني رجل فسألني عن: {العاديات ضبحاً} فقلت له: الخيل حيت تغير في سبيل اللّه، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى علي رضي اللّه عنه وهو عند سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحاً، فقال: سألت عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم سألت ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل اللّه، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على رأسه، قال: أتفتي الناس بما لا علم لك؟ واللّه لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، وفي لفظ: "إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران" (أخرجه ابن أبي حاتم)، فمذهب ابن عباس أنها الخيل (وإلى قول ابن عباس ذهب جمهور المفسرين، منهم مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة واختاره ابن جرير)، وقال (علي) إنها الإبل. قال عطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب، وقال عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: {فالموريات قدحاً} يعني بحوافرها، وقيل: أسعرت الحرب بين ركبانهن، وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل: المراد بذلك نيران القبائل، قال ابن جرير: والصواب الأول: الخيل حين تقدح بحوافرها، وقوله تعالى: {فالمغيرات صبحاً} قال ابن عباس ومجاهد: يعني إغارة الخيل صبحاً في سبيل اللّه، وقال: من فسرها بالأبل هو الدفع صبحاً من المزدلفة إلى منى، وقالوا كلهم في قوله: {فأثرن به نقعاً} هو المكان الذي حلت فيه أثارت به الغبار إما في حج أو غزو، وقوله تعالى: {فوسطن به جمعاً} قال ابن عباس وعطاء: يعني جمع الكفار من العدو، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعاً ويكون منصوباً على الحال المؤكدة، وقوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} هذا هو المقسم عليه، بمعنى أنه لنعم ربه لكفور جحود، قال ابن عباس ومجاهد: الكنود الكفور. قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم اللّه عليه، وقوله تعالى: {وإنه على على ذلك لشهيد} قال قتادة والثوري: وإن اللّه على ذلك لشهيد، ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنوداً لشهيد، أي بلسان حاله، أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد} أي وإنه لحب الخير وهو المال {لشديد}، وفيه مذهبان: (أحدهما): أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال، (والثاني): وإنه لحريص بخيل من محبة المال، وكلاهما صحيح، ثم قال تبارك وتعالى مزهداً في الدنيا، ومرغباً في الآخرة، ومنبهاً على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور؟} أي أخرج ما فيها من الأموات، {وحصّل ما في الصدور} يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم، {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*101 - سورة القارعة.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - القارعةبسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 2 - ما القارعة
- 3 - وما أدراك ما القارعة
- 4 - يوم يكون الناس كالفراش المبثوث
- 5 - وتكون الجبال كالعهن المنفوش
- 6 - فأما من ثقلت موازينه
- 7 - فهو في عيشة راضية
- 8 - وأما من خفت موازينه
- 9 - فأمه هاوية
- 10 - وما أدراك ما هيه
- 11 - نار حامية
القارعة من أسماء يوم القيامة، كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك. ثم قال تعالى معظماً أمرها ومهولاً لشأنها {وما أدراك ما القارعة}؟ ثم فسر ذلك بقوله: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث، كما قال تعالى: {كأنهم جراد منتشر}، وقوله تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} يعني صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والمتزق، قال مجاهد: {العهن} الصوف، ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة والاهانة بحسب أعمالهم، فقال: {فأما من ثقلت موازينه} أي رجحت حسناته على شيئاته، {فهو في عيشة راضية} يعني في الجنة، {وأما من خفت موازينه} أي رجحت سيئاته على حسناته، {فأمه هاوية} قيل: معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم، وعبّر عنه بأمه يعني (دماغه)، قال قتادة: يهوي في النار على رأسه، وقيل: معناه فأمه التي يرجع إليها ويصير في المعاد إليها {هاوية} وهي اسم من أسماء النار، قال ابن جرير: وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها، وقال ابن زيد: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: {ومأواهم النار}. وروي عن قتادة أنه قال: هي النار وهي مأواهم، ولهذا قال تعالى مفسراً للهاوية: {وما أدراك ما هيه * نار حامية}، روى ابن جرير عن الأشعث بن عبد اللّه الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: روّحوا أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا، قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية (أخرجه ابن جرير)، وقوله تعالى: {نار حامية} أي حارة شديدة الحر، قوية اللهب والسعير، عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم"، قالوا: يا رسول اللّه إن كانت لكافية؟ فقال: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً" (أخرجه مالك ورواه البخاري ومسلم بنحوه). وفي رواية: "كلهن مثل حرها". وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل اللّه فيها منفعة لأحد" (أخرجه الإمام أحمد). وروى الترمذي وابن ماجة، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة" (أخرجه الترمذي وابن ماجة). وثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فإذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها" (أخرجاه في الصحيحين). وفي الصحيحين: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*102 - سورة التكاثر.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - ألهاكم التكاثربسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 2 - حتى زرتم المقابر
- 3 - كلا سوف تعلمون
- 4 - ثم كلا سوف تعلمون
- 5 - كلا لو تعلمون علم اليقين
- 6 - لترون الجحيم
- 7 - ثم لترونها عين اليقين
- 8 - ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها، عن زيد بن أسلم قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "{ألهاكم التكاثر} عن الطاعة، {حتى زرتم المقابر} حتى يأتيكم الموت" (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال الحسن البصري: {ألهاكم التكاثر} في الأموال والأولاد، وعن أُبيّ بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: {ألهاكم التكاثر} يعني: "لو كان لابن آدم واد من ذهب" (رواه البخاري في الرقاق)، وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول: "{ألهاكم التكاثر} يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟" (أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي). وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" (تفرد به مسلم). وروى البخاري عن أنَس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي). وعن أنَس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل" (أخرجاه في الصحيحين). وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس أنه رأى في يد رجل درهماً فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر، أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلاً قول الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته * فإذا أنفقته فالمال لك
وقال ابن بريدة: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار (بني حارثة) و (بني الحارث) تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان، وقال الآخرون: مثل ذلك تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين، تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان. وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل اللّه: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} (أخرجه ابن أبي حاتم) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل، وقال قتادة: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد بقوله: {زرتم المقابر} أي صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس طهور إن شاء اللّه"، فقال، قلت: طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: "فنعم إذن". وعن ميمون بن مهران قال: كنت جالساً عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: {ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر} فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله، يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلاً يتلو هذه الآية: {حتى زرتم المقابر} فقال: بعث اليوم ورب الكعبة، أي أن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره، وقوله تعالى: {كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون} قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحّاك {كلا سوف تعلمون} يعني أيها الكفار، {ثم كلا سوف تعلمون} يعني أيها المؤمنون، وقوله تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين} أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال: {لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين} هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: {كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون} توعدهم بهذا بهذا الحال وهو رؤية أهل النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم اللّه به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. روى ابن جرير، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: "ما اجلسكما ههنا؟"، قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع، قال: "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره"، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم: "أين فلان؟" فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحباً ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "ألا كنت اجتنيت"، فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إياك والحلوب" فذبح لهم يومئذ، فأكلوا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم" (أخرجه ابن جرير ورواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة بنحوه). وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد اللّه قال: أكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطباً وشربوا ماء، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" (أخرجه أحمد والنسائي). وروى الإمام أحمد عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت {ألهاكم التكاثر} فقرأ حتى بلغ {لتسألن يومئذ عن النعيم} قالوا:
يا رسول اللّه عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: "أما إن ذلك سيكون" (أخرجه أحمد).
يا رسول اللّه عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: "أما إن ذلك سيكون" (أخرجه أحمد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وروى الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم، أن يقال له ألم نصحّ لك بدنك، ونروك من الماء البارد"؟ (أخرجه الترمذي وابن حيان) وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن الزبير قال، قال الزبير: لمّا نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قالوا: يا رسول اللّه لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قالوا: "إن ذلك سيكون" (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي وابن ماجة). وفي رواية عن عكرمة: قالت الصحابة: يا رسول اللّه، وأي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى إلى نبّيه صلى اللّه عليه وسلم: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم. وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الأمن والصحة". وقال زيد بن أسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} يعني شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق ولذة النوم، وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم الغداء والعشاء، وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال، وقال ابن عباس: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل اللّه العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}. وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (أخرجه البخاري)، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*103 - سورة العصر.
ذكر الطبراني عن عبيد اللّه بن حفص قال: كان الرجلان من أصحاب رسول اللّه إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. وقال الشافعي رحمه اللّه: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - والعصر- 2 - إن الإنسان لفي خسر
- 3 - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وقال زيد بن أسلم: هو العصر، والمشهور الأول، فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران، الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم {وتواصوا بالحق} وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، {وتواصوا بالصبر} أي على المصائب والأقدار، واذى من يؤذي، ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*104 - سورة الهمزة.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - ويل لكل همزة لمزةبسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 2 - الذي جمع مالا وعدده
- 3 - يحسب أن ماله أخلده
- 4 - كلا لينبذن في الحطمة
- 5 - وما أدراك ما الحطمة
- 6 - نار الله الموقدة
- 7 - التي تطلع على الأفئدة
- 8 - إنها عليهم مؤصدة
- 9 - في عمد ممددة
الهماز بالقول، واللماز بالفعل، يعني يزدري الناس وينتقص بهم، قال ابن عباس: {همزة لمزة} طعان معياب، وقال الربيع بن أنَس: الهمزة: يهمزه في وجهه، واللمزة: من خلفه، وقال قتادة: الهمزة واللمزة لسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم، وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، واللمزة باللسان؛ ثم قال بعضهم: المراد بذلك (الأخنس بن شريق)، وقال مجاهد: هي عامة، وقوله تعالى: {الذي جمع مالاً وعددّه} أي جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده كقوله تعالى: {وجمع فأوعى} قال محمد بن كعب: ألهاه ماله بالنهار، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة، وقوله تعالى: {يحسب أن ماله أخلده} أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار، {كلا} أي ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب، ثم قال تعالى: {لينبذن في الحطمة} أي ليلقين هذا الذي جمع مالاً فعدده {في الحطمة} وهي اسم من أسماء النار، لأنها تحطم من فيها، ولهذا قال: {وما أدراك ما الحطمة؟ نار اللّه الموقدة * التي تطلع على الأفئدة} قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده، وقوله تعالى: {إنها عليهم مؤصدة} أي مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد، وقوله تعالى: {في عمد ممددة} أي عمد من حديد، وقال السدي: من نار، وقال ابن عباس: {في عمد ممددة} يعني الأبواب هي الممددة، وعنه: أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب (هذه رواية العوفي عن ابن عباس والأولى رواية عكرمة عنه)، وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار، واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح: {في عمد ممددة} يعني القيود الثقال.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*105 - سورة الفيل.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
- 2 - ألم يجعل كيدهم في تضليل
- 3 - وأرسل عليهم طيرا أبابيل
- 4 - ترميهم بحجارة من سجيل
- 5 - فجعلهم كعصف مأكول
هذه من النعم التي امتن اللّه بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم اللّه، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، هذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار. يروى أن أبرهة الأشرم بنى كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء عالية الفِناء مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب (القليس) لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب ذلك، وغضبت قريش، لذلك غضباً شديداً، حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها، فأحدث فيها وكرّ راجعاً، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمرهم إلى ملكهم (أبرهة) وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضباً لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجراً حجراً، ذكر مقاتل أن فتية من قريش دخلوها، فأججوا فيها ناراً، وكان يوماً فيه هواء شديد فاحترقت، فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلاً عظيماً كبير الجثة لم ير مثله، يقال له (محمود)، ويقال: كان معه اثنا عشر فيلاً غيره، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جداً، ورأوا أن حقاً عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له (ذو نفر) فدعا قومه إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت اللّه، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم، ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له (نفيل بن حبيب) الخثعمي في قومه فقاتلوه، فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه (أبا رغال) دليلاً، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وبعث أبرهة حناطة الحِمْيَري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدُّوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: واللّه ما نريد حربه، ومالنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللّه الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فواللّه ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه - وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً حسن المنظر - ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رؤوس الجبال تخوفاً عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون اللّه، ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
اللهم إن المرء يمنع * رحله فامنع رحاك
وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك
لا يغلبنّ صليبهم * ومحالهم أبداً محالك
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
- 2 - ألم يجعل كيدهم في تضليل
- 3 - وأرسل عليهم طيرا أبابيل
- 4 - ترميهم بحجارة من سجيل
- 5 - فجعلهم كعصف مأكول
هذه من النعم التي امتن اللّه بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم اللّه، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، هذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار. يروى أن أبرهة الأشرم بنى كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء عالية الفِناء مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب (القليس) لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب ذلك، وغضبت قريش، لذلك غضباً شديداً، حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها، فأحدث فيها وكرّ راجعاً، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمرهم إلى ملكهم (أبرهة) وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضباً لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجراً حجراً، ذكر مقاتل أن فتية من قريش دخلوها، فأججوا فيها ناراً، وكان يوماً فيه هواء شديد فاحترقت، فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلاً عظيماً كبير الجثة لم ير مثله، يقال له (محمود)، ويقال: كان معه اثنا عشر فيلاً غيره، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جداً، ورأوا أن حقاً عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له (ذو نفر) فدعا قومه إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت اللّه، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم، ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له (نفيل بن حبيب) الخثعمي في قومه فقاتلوه، فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه (أبا رغال) دليلاً، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وبعث أبرهة حناطة الحِمْيَري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدُّوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: واللّه ما نريد حربه، ومالنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللّه الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فواللّه ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه - وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً حسن المنظر - ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رؤوس الجبال تخوفاً عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون اللّه، ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
اللهم إن المرء يمنع * رحله فامنع رحاك
وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك
لا يغلبنّ صليبهم * ومحالهم أبداً محالك
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال. وذكر مقاتل أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئاً بغير حق فينتقم اللّه منهم، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة، برك الفيل، وخرج (نفيل بن حبيب) يشتد حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل اللّه عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحداً إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن (نفيل) ليدلّهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش، وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل اللّه بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:
أين المفر والإله الطالب * والأشرم المغلوب ليس الغالب
وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبأوا لدخول الحرم، وهيأوا الفيل جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه عليهم {طيراً أبابيل} أي قطعاً قطعاً صفراً دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلّقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا، قال عطاء: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعاً، ومنهم من جعل يتساقط عضواً عضواً، وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضواً عضواً حتى مات ببلاد خثعم، قال ابن إسحاق: فلما بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم، كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عليهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} إلى قوله: {فجعلهم كعصف مأكول}، وقوله: {لإيلاف قريش * إيلافهم * رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}. قال ابن هشام: "الأبابيل" الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة قال: وأما "السجيل" فأخبرني يونس النحوي أنه عند العرب الشديد الصلب، "والعصف" ورق الزرع الذي لم يقضب واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقال ابن عباس والضحّاك: أبابيل يتبع بعضها بعضاً، وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة، وقال مجاهد "أبابيل" شتى متتابعة مجتمعة، وقال ابن زيد: "الأبابيل" المختلفة تأتي من ههنا، ومن ههنا، أتتهم من كل مكان، وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وعن ابن عباس ومجاهد: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب، وقال عبيد بن عمير: لما أراد اللّه أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجراً في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع على رأس رجل إلا وخرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث اللّه ريحاً شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعاً. وقال ابن عباس {حجارة من سجيل} قال: طين في حجارة.
أين المفر والإله الطالب * والأشرم المغلوب ليس الغالب
وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبأوا لدخول الحرم، وهيأوا الفيل جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه عليهم {طيراً أبابيل} أي قطعاً قطعاً صفراً دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلّقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا، قال عطاء: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعاً، ومنهم من جعل يتساقط عضواً عضواً، وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضواً عضواً حتى مات ببلاد خثعم، قال ابن إسحاق: فلما بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم، كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عليهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} إلى قوله: {فجعلهم كعصف مأكول}، وقوله: {لإيلاف قريش * إيلافهم * رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}. قال ابن هشام: "الأبابيل" الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة قال: وأما "السجيل" فأخبرني يونس النحوي أنه عند العرب الشديد الصلب، "والعصف" ورق الزرع الذي لم يقضب واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقال ابن عباس والضحّاك: أبابيل يتبع بعضها بعضاً، وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة، وقال مجاهد "أبابيل" شتى متتابعة مجتمعة، وقال ابن زيد: "الأبابيل" المختلفة تأتي من ههنا، ومن ههنا، أتتهم من كل مكان، وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وعن ابن عباس ومجاهد: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب، وقال عبيد بن عمير: لما أراد اللّه أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجراً في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع على رأس رجل إلا وخرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث اللّه ريحاً شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعاً. وقال ابن عباس {حجارة من سجيل} قال: طين في حجارة.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {فجعلهم كعصف مأكول} قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وقال ابن عباس: العصف القشرة التي على الحبة كالغلاف على الحنطة، وقال ابن زيد: العصف ورق الزرع، وورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار دريناً، المعنى أن اللّه سبحانه وتعالى أهلكهم ودمّرهم وردهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيراً، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما يروى لأمية بن أبي الصلت بن ربيعة قوله:
إن آيات ربنا باقيات * ما يماري فيهن إلا الكفور
خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمّس حتى * صار يحبو كأنه معقور
خلّفوه ثم ابذعرّوا جميعاً * كلهم عظم ساقه مكسور
كل دِين يوم القيامة عند اللّه إلا دِين الحنيفة بور
وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته، فزجرها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، أي حرنت، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أجبتهم إليها"، ثم زجرها فقامت (الحديث أخرجه البخاري). وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن اللّه حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلغ الشاهد الغائب".
إن آيات ربنا باقيات * ما يماري فيهن إلا الكفور
خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمّس حتى * صار يحبو كأنه معقور
خلّفوه ثم ابذعرّوا جميعاً * كلهم عظم ساقه مكسور
كل دِين يوم القيامة عند اللّه إلا دِين الحنيفة بور
وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته، فزجرها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، أي حرنت، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أجبتهم إليها"، ثم زجرها فقامت (الحديث أخرجه البخاري). وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن اللّه حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلغ الشاهد الغائب".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*106 - سورة قريش.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - لإيلاف قريش
- 2 - إيلافهم رحلة الشتاء والصيف
- 3 - فليعبدوا رب هذا البيت
- 4 - الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر (بسم اللّه الرحمن الرحيم) وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد ابن إسحاق وعبد الرحمن بن يزيد، لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله {لإيلاف قريش} أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم أمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم اللّه، فمن عرفهم احترمهم ومن سار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، أما في حال إقامتهم في البلد فكما قال اللّه تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}، ولهذا قال تعالى: {لإيلاف قريش إيلافهم} بدل من الأول ومفسر له، ولهذا قال تعالى: {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} وقال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان، ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: {فليعبدوا رب هذا البيت} أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرماً آمناً وبيتاً محرماً، كما قال تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} وقوله تعالى: {الذي أطعمهم من جوع} أي هو رب البيت وهو الذي أطعمهم من جوع {وآمنهم من خوف} أي تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنماً ولا نداً ولا وثناً، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع اللّه له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: {ضرب اللّه مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}. عن أُسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" (قال ابن كثير: صوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن (أُم سلمة) الأنصارية رضي اللّه عنها، لا عن أُسامة بن زيد ولعله وقع خطأ في النسخة أو في أصل الرواية)
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - لإيلاف قريش
- 2 - إيلافهم رحلة الشتاء والصيف
- 3 - فليعبدوا رب هذا البيت
- 4 - الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر (بسم اللّه الرحمن الرحيم) وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد ابن إسحاق وعبد الرحمن بن يزيد، لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله {لإيلاف قريش} أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم أمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم اللّه، فمن عرفهم احترمهم ومن سار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، أما في حال إقامتهم في البلد فكما قال اللّه تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}، ولهذا قال تعالى: {لإيلاف قريش إيلافهم} بدل من الأول ومفسر له، ولهذا قال تعالى: {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} وقال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان، ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: {فليعبدوا رب هذا البيت} أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرماً آمناً وبيتاً محرماً، كما قال تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} وقوله تعالى: {الذي أطعمهم من جوع} أي هو رب البيت وهو الذي أطعمهم من جوع {وآمنهم من خوف} أي تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنماً ولا نداً ولا وثناً، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع اللّه له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: {ضرب اللّه مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}. عن أُسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" (قال ابن كثير: صوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن (أُم سلمة) الأنصارية رضي اللّه عنها، لا عن أُسامة بن زيد ولعله وقع خطأ في النسخة أو في أصل الرواية)
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*107 - سورة الماعون.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - أرأيت الذي يكذب بالدين
- 2 - فذلك الذي يدع اليتيم
- 3 - ولا يحض على طعام المسكين
- 4 - فويل للمصلين
- 5 - الذين هم عن صلاتهم ساهون
- 6 - الذين هم يراؤون
- 7 - ويمنعون الماعون
يقول تعالى: {أرأيتْ} يا محمد {الذي يكذب بالدين} وهو المعاد والجزاء والثواب {فذلك الذي يدع اليتيم} أي هو الذي يقهر اليتيم ولا يطعمه ولا يحسن إليه {ولا يحض على طعام المسكين} كقوله {ولا تحاضون على طعام المسكين}، ثم قال تعالى: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال ابن عباس: يعني المنافقين الذين يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر، ولهذا قال: {للمصلين} الذين هم من أهل الصلاة ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، أو يخرجها عن وقتها، وقال عطاء بن دينار: الحمد للّه الذي قال: {عن صلاتهم ساهون} ولم يقل {في صلاتهم ساهون} فيؤخرونها إلى آخر الوقت، أو لا يؤدونها بأركانها وشروطها عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً، لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً" (أخرجه الشيخان). فهذا أخّر صلاة العصر التي هي الوسطى - كما ثبت به النص - إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضاً، ولهذا قال: "لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً" ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه اللّه، فهو كما إذا لم يصل بالكلية، قال اللّه تعالى: {إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً}، وقال تعالى ههنا: {الذين هم يراؤون}، وروى الطبراني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن في جهنم لوادياً تستعذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعدّ ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب اللّه، وللمصدق في غير ذات اللّه، وللحاج إلى بيت اللّه، وللخارج في سبيل اللّه" (أخرجه الطبراني). وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوساً عند أبي عبيدة، فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سمّع الناس بعمله سمّع اللّه به سامع خلقه وحقّره وصغّره" (أخرجه أحمد). ومما يتعلق بقوله تعالى: {الذين هم يراؤون} أن من عمل عملاً للّه فاطلع عليه الناس فأعجبه ذلك أن هذا لا يعد رياء، لما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: كنت أصلي، فدخل عليّ رجل، فأعجبني ذلك فذكرته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "كتب لك أجران: أجر السر وأجر العلانية" (أخرجه الحافظ الموصلي). وفي رواية عنه قال، قال رجل: يا رسول اللّه! الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه أعجبه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "له أجران: أجر السر وأجر العلانية" (أخرجه الترمذي والطيالسي وأبو يعلى الموصلي). وعن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" (أخرجه ابن جرير الطبري). قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد وقتها شرعاً، أو تأخيرها عن أول الوقت.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - أرأيت الذي يكذب بالدين
- 2 - فذلك الذي يدع اليتيم
- 3 - ولا يحض على طعام المسكين
- 4 - فويل للمصلين
- 5 - الذين هم عن صلاتهم ساهون
- 6 - الذين هم يراؤون
- 7 - ويمنعون الماعون
يقول تعالى: {أرأيتْ} يا محمد {الذي يكذب بالدين} وهو المعاد والجزاء والثواب {فذلك الذي يدع اليتيم} أي هو الذي يقهر اليتيم ولا يطعمه ولا يحسن إليه {ولا يحض على طعام المسكين} كقوله {ولا تحاضون على طعام المسكين}، ثم قال تعالى: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال ابن عباس: يعني المنافقين الذين يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر، ولهذا قال: {للمصلين} الذين هم من أهل الصلاة ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، أو يخرجها عن وقتها، وقال عطاء بن دينار: الحمد للّه الذي قال: {عن صلاتهم ساهون} ولم يقل {في صلاتهم ساهون} فيؤخرونها إلى آخر الوقت، أو لا يؤدونها بأركانها وشروطها عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً، لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً" (أخرجه الشيخان). فهذا أخّر صلاة العصر التي هي الوسطى - كما ثبت به النص - إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضاً، ولهذا قال: "لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً" ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه اللّه، فهو كما إذا لم يصل بالكلية، قال اللّه تعالى: {إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً}، وقال تعالى ههنا: {الذين هم يراؤون}، وروى الطبراني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن في جهنم لوادياً تستعذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعدّ ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب اللّه، وللمصدق في غير ذات اللّه، وللحاج إلى بيت اللّه، وللخارج في سبيل اللّه" (أخرجه الطبراني). وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوساً عند أبي عبيدة، فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سمّع الناس بعمله سمّع اللّه به سامع خلقه وحقّره وصغّره" (أخرجه أحمد). ومما يتعلق بقوله تعالى: {الذين هم يراؤون} أن من عمل عملاً للّه فاطلع عليه الناس فأعجبه ذلك أن هذا لا يعد رياء، لما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: كنت أصلي، فدخل عليّ رجل، فأعجبني ذلك فذكرته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "كتب لك أجران: أجر السر وأجر العلانية" (أخرجه الحافظ الموصلي). وفي رواية عنه قال، قال رجل: يا رسول اللّه! الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه أعجبه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "له أجران: أجر السر وأجر العلانية" (أخرجه الترمذي والطيالسي وأبو يعلى الموصلي). وعن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" (أخرجه ابن جرير الطبري). قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد وقتها شرعاً، أو تأخيرها عن أول الوقت.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} أي لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به مع بقاء عينه ورجوعهم إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى. وقد قال مجاهد {الماعون} الزكاة، وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله، وفي لفظ: صدقة ماله. وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها. وسئل ابن مسعود عن الماعون؟ فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك، وقال ابن جرير، عن عبد اللّه قال: "كنا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر لا يستغنى عنهن"، ولفظ النسائي عن عبد اللّه قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وعن ابن عباس: {ويمنعون الماعون} يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد والنخعي إنها العارية للأمتعة، وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية، وعن علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإبرة، وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا جاء في الحديث: "كل معروف صدقة".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*108 - سورة الكوثر.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - إنا أعطيناك الكوثربسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 2 - فصل لربك وانحر
- 3 - إن شانئك هو الأبتر
روى مسلم عن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع مبتسماً قلنا: ما أضحكك يا رسول اللّه؟ قال: "لقد أنزلت عليَّ آنفاً سورة" فقرأ: {بسم اللّه الرحمن الرحيم * إنا أعطيناك الكوثر * فصلِّ لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر}، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟" قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي عزَّ وجلَّ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك" (أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي)، وقد استدل كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، فأما قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة، وقد رواه الإمام أحمد عن أنَس أنه قرأ هذه الآية: {إنا أعطيناك الكوثر} قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا، وإذا حافتاه قباب الؤلؤ فضربت بيدي في تربته، فإذا مسك أذفر، وإذا حصباؤه اللؤلؤ" (أخرجه الإمام أحمد). وعن أنَس ابن مالك قال: لما عرج بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر" (أخرجه البخاري). وروى ابن جرير، عن أنَس بن مالك قال: لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مضى به جبريل في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه، فإذا هو مسك، قال: "يا جبريل ما هذا النهر؟" قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك؛ وفي رواية عن أنَس قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الكوثر؟ فقال: "هو نهر أعطانيه اللّه تعالى في الجنة ترابه مسك، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر"، قال أبو بكر: يا رسول اللّه إنها لناعمة؟ قال: "آكلها أنعم منها". وقال البخاري: حدَّثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة رضي اللّه عنها قال: سألتها عن قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} قالت: نهر أعطيه نبيكم صلى اللّه عليه وسلم شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم" (أخرجه البخاري). وعن عائشة قالت: الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف، وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء، وعن مسروق قال، قلت لعائشة: يا أُم المؤمنين حدِّثيني عن الكوثر؟ قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت (أخرجه ابن جرير).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقال البخاري، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه اللّه إياه، قال أبو البشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللّه إياه (أخرجه البخاري). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير، وهذا التفسير يعم النهر وغيره، لإن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد، حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة، وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضاً، فقال ابن جرير: عن ابن عباس قال: "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل". وعن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل (أخرجه الترمذي موقوفاً). وقد روي مرفوعاً فقال الإمام أحمد: عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل" (رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح). وروى ابن جرير عن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر. قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق اللّه إنه للخير الكثير؛ ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت {إنا أعطيناك الكوثر} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت". وهكذا روي عن أنَس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة.