كتاب اعجبني

يشمل المواضيع والمشاركات الاسلامية

المشرف: بانه

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

11 - فلا اقتحم العقبة
- 12 - وما أدراك ما العقبة
- 13 - فك رقبة
- 14 - أو إطعام في يوم ذي مسغبة
- 15 - يتيما ذا مقربة
- 16 - أو مسكينا ذا متربة
- 17 - ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة
- 18 - أولئك أصحاب الميمنة
- 19 - والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة
- 20 - عليهم نار مؤصدة
روى ابن جرير عن ابن عمر في قوله تعالى: {فلا اقتحم} أي دخل {العقبة} قال: جبل في جهنم، وقال كعب الأحبار: هو سبعون درجة في جهنم، وقال الحسن البصري: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة اللّه تعالى، {وما أدراك ما العقبة}؟ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: {فك رقبة * أو إطعام}، وقال ابن زيد: {فلا اقتحم العقبة} أي أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى: {وما أدراك ما العقبة * فك رقبة}، عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل إرب - أي عضو - منها إرباً منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج"، فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه، قال: اذهب فأنت حر لوجه اللّه" (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد). وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطى فيه عشرة آلاف درهم، وعن عمرو بن عبسة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "من بنى مسجداً ليذكر اللّه فيه بنى اللّه له بيتاً في الجنة، ومن أعتق نفساً مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة" (أخرجه أحمد). وفي الحديث: "من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله اللّه الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل اللّه كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل اللّه بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل عضو منه عضواً منه من النار، ومن أعتق زوجين في سبيل اللّه فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله اللّه من أي باب شاء منها" (أخرجه أحمد أيضاً). وهذه أسانيد جيدة قوية وللّه الحمد.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

وقوله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} قال ابن عباس: ذي مجاعة (وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحّاك وقتادة وغيرهم)، والسغب: هو الجوع، وقال النخعي: في يوم الطعامُ فيه عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام، وقوله تعالى: {يتيماً} أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيماً {ذا مقربة} أي ذا قرابة منه، كما جاء في الحديث الصحيح: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة" (أخرجه أحمد ورواه الترمذي والنسائي وإسناده صحيح). وقوله تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} أي فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، وهو الدقعاء أيضاً، قال ابن عباس: ذا متربة هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب. وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء، وقال عكرمة: هو الفقير المدين المحتاج، وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له، وقال قتادة: هو ذو العيال، وكل هذه قريبة المعنى، وقوله تعالى: {ثم كانوا من الذين آمنوا} أي ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند اللّه عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً}، وقوله تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} أي كان من المؤمنين العاملين صالحاً، "المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم"، كما جاء في الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". وعن عبد اللّه بن عمرو يرويه قال: "من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا" (أخرجه أبو داود)، وقوله تعالى: {أولئك أصحاب الميمنة} أي المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين، ثم قال: {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} أي أصحاب الشمال، {عليهم نار مؤصدة} أي مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، قال أبو هريرة {مؤصدة} أي مطبقة، وقال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب أي أغلقه، وقال الضحّاك: {مؤصدة} حيط لا باب له، وقال قتادة {مؤصدة}: مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر اللّه بكل جبار وكل شيطان، وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم أي أطبقوها، قال: فلا واللّه لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا واللّه لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبداً، ولا واللّه لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا واللّه لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً (أخرجه ابن أبي حاتم).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*91 - سورة الشمس
بسم اللّه الرحمن الرحيم
- 1 - والشمس وضحاها
- 2 - والقمر إذا تلاها
- 3 - والنهار إذا جلاها
- 4 - والليل إذا يغشاها
- 5 - والسماء وما بناها
- 6 - والأرض وما طحاها
- 7 - ونفس وما سواها
- 8 - فألهمها فجورها وتقواها
- 9 - قد أفلح من زكاها
- 10 - وقد خاب من دساها
قال مجاهد {والشمس وضحاها}: أي وضوئها، وقال قتادة: {وضحاها} النهار كله، قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم اللّه بالشمس ونهارها، لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار، {والقمر إذا تلاها} قال مجاهد: تبعها، وقال ابن عباس: {والقمر إذا تلاها} قال: يتلو النهار، وقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال. وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر، وقوله تعالى: {والنهار إذا جلاها} قال مجاهد: أضاءها، وقال قتادة: إذا غشيها النهار، وتأول بعضهم ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة لدلالة الكلام عليها (ذكره ابن جرير عن بعض أهل اللغة). (قلت): ولو أن القائل تأول ذلك بمعنى {والنهار إذا جلاها} أي البسيطة لكان أولى، ولصح تأويله في قوله تعالى: {والليل إذا يغشاها} فكان أجود وأقوى، واللّه أعلم. ولهذا قال مجاهد: {والنهار إذا جلاها} إنه كقوله تعالى: {والنهار إذا تجلى}، وأما ابن جرير فاختار عود الضمير ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: {والليل إذا يغشاها} يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية: إذا جاء الليل قال الرب جلَّ جلاله: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل تهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب (رواه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: {والسماء وما بناها} يحتمل أن تكون (ما) ههنا مصدرية بمعنى: والسماء وبنائها، وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى (من) يعني: والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد - أي بقوة - وإنا لموسعون}، وقوله تعالى: {والأرض وما طحاها} قال مجاهد: {طحاها} دحاها، وقال ابن عباس: أي خلق فيها، وقال مجاهد وقتادة والضحّاك: {طحاها} بسطها، وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته أي بسطته، وقوله تعالى: {ونفس وما سوّاها} أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه}، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة". وفي صحيح مسلم: "يقول اللّه عزَّ وجلَّ: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم". وقوله تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها، قال ابن عباس: بّين لها الخير والشر، وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر، وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وفي الحديث: أن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: "بل شيء قد قضي عليهم"، قال: ففيم نعمل؟ قال: "من كان اللّه خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها} (رواه أحمد ومسلم).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

وقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} المعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة اللّه، وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، كقوله: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} {وقد خاب من دساها} أي دسسها أي أخملها حتى ركب المعاصي وترك طاعة اللّه عزَّ وجلَّ، وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب من دسّى اللّه نفسه، كما قال ابن عباس (هذا القول عن ابن عباس ورد به حديث مرفوع: "أفلحت نفس زكّاها اللّه عزَّ وجلَّ" (أخرجه ابن أبي حاتم ولكن في إسناده ضعف). وروى ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ: {فألهمها فجورها وتقواها} قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (أخرجه ابن أبي حاتم)، وفي رواية عن عائشة أنها فقدت النبي صلى اللّه عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: "رب أعط نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (أخرجه أحمد). حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن زيد بن أرقم قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها" (أخرجه أحمد ومسلم). قال زيد: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكموهن.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

11 - كذبت ثمود بطغواها
- 12 - إذ انبعث أشقاها
- 13 - فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها
- 14 - فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها
- 15 - ولا يخاف عقباها
يخبرتعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، فأعقبهم ذلك تكذيباً في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم عليه الصلاة والسلام من الهدى واليقين {إذ انبعث أشقاها} أي أشقى القبيلة وهو (قدار بن سالف) عاقر الناقة، وهو الذي قال اللّه تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} الآية، وكان هذا الرجل عزيزاً شريفاً في قومه، نسيباً رئيساً مطاعاً، كما قال الإمام أحمد: خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: "{إذ انبعث أشقاها} انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة" (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد اللّه بن زمعة). وروى ابن أبي حاتم، عن عمار بن ياسر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس؟" قال: بلى، قال: "رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه" يعني لحيته (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: {فقال لهم رسول اللّه} يعني صالحاً عليه السلام {ناقة اللّه} أي احذروا ناقة اللّه أن تمسوها بسوء، {وسقياها} أي لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم، قال اللّه تعالى: {فكذبوه فعقروها} أي كذبوه فيما جاءهم به، فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة، التي أخرجها اللّه من الصخرة آية لهم وحجة عليهم، {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم} أي غضب عليهم فدمّر عليهم، {فسواها} أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم اللّه عليهم بذنبهم، فسواها، وقوله تعالى: {ولا يخاف عقباها} قال ابن عباس: لا يخاف اللّه من أحد تبعة (وكذا قال مجاهد والحسن وبكر المزني وغيرهم)، وقال الضحّاك والسدي: {ولا يخاف عقباها} أي لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع، والقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، واللّه أعلم.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*92 - سورة الليل
[مقدمة]
تقدم قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: "فهلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى".
بسم اللّه الرحمن الرحيم
1 - والليل إذا يغشى
- 2 - والنهار إذا تجلى
- 3 - وما خلق الذكر والأنثى
- 4 - إن سعيكم لشتى
- 5 - فأما من أعطى واتقى
- 6 - وصدق بالحسنى
- 7 - فسنيسره لليسرى
- 8 - وأما من بخل واستغنى
- 9 - وكذب بالحسنى
- 10 - فسنيسره للعسرى
- 11 - وما يغني عنه ماله إذا تردى
أقسم تعالى بالليل {إذا يغشى} أي إذا غشى الخليقة بظلامه، {والنهار إذا تجلى} أي بضيائه وإشراقه، {وما خلق الذكر والأنثى} كقوله تعالى: {وخلقناكم أزواجاً}، {إن سعيكم لشتى} أي أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة ومتخالفة، فمن فاعل خيراً ومن فاعل شراً، قال اللّه تعالى: {فأما من أعطى واتقى} أي أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى اللّه في أموره، {وصدّق بالحسنى} بالمجازاة على ذلك أي بالثواب، وقال ابن عباس، ومجاهد: {صدّق بالحسنى} أي بالخُلْف، وقال الضحّاك: بلا إله إلا اللّه، وقال أُبيّ بن كعب: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: {فسنيسره لليسرى} قال ابن عباس: يعني للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، {وأما من بخل} أي بما عنده {واستغنى} قال ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه عزَّ وجلَّ: {وكذب بالحسنى} أي بالجزاء في الدار الآخرة {فسنيسره للعسرى} أي لطريق الشر، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون}، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن اللّه عزَّ وجلَّ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، فقالوا: يا رسول اللّه أفلا نتكل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى - إلى قوله - للعسرى} (أخرجه البخاري)، وفي رواية أُخرى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد - أو ما من نفس منفوسة - إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء"، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} (أخرجه البخاري وبقية الجماعة). وعن جابر بن عبد اللّه أنه قال: يا رسول اللّه أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه" فقال سراقة: ففيم العمل إذاً؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كل عامل ميسر لعمله" (رواه مسلم وابن جرير). وفي الحديث: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً" وأنزل اللّه في ذلك القرآن: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). وذكر أن هذه الآية نزلت في (أبي بكر الصديق) رضي اللّه عنه كان يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أُناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند اللّه، فنزلت الآية: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} (أخرجه ابن جرير)، وقوله تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} قال مجاهد: أي إذا مات، وقال زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

12 - إن علينا للهدى
- 13 - وإن لنا للآخرة والأولى
- 14 - فأنذرتكم نارا تلظى
- 15 - لا يصلاها إلا الأشقى
- 16 - الذي كذب وتولى
- 17 - وسيجنبها الأتقى
- 18 - الذي يؤتي ماله يتزكى
- 19 - وما لأحد عنده من نعمة تجزى
- 20 - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى
- 21 - ولسوف يرضى
قال قتادة {إن علينا للهدى}: أي نبيّن الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى اللّه، وجعله كقوله تعالى: {وعلى اللّه قصد السبيل}، وقوله تعالى: {وإن لنا للآخرة والأولى} أي الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما، وقوله تعالى: {فأنذرتكم ناراً تلظى} قال مجاهد:
أي توهج، وفي الحديث: "إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه" أخرجه البخاري. وفي رواية لمسلم: "إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً" (أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير)، وقوله تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى} أي لا يدخلها إلا الأشقى، ثم فسره فقال: {الذي كذب} أي بقلبه {وتولى} أي عن العمل بجوارحه وأركانه، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا يدخل النار إلا شقي"، قيل: ومن الشقي؟ قال: "الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك للّه معصية" (أخرجه الإمام أحمد). وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى"، قالوا: ومن يأبى يا رسول اللّه؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (أخرجه البخاري وأحمد عن أبي هريرة)، وقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى} أي وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى، ثم فسره بقوله: {الذي يؤتي ماله يتزكى} أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي ليس بذله في مكافأة من أسدى إليه معروفاً، وإنما دفعه ذلك {ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي طمعاً في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال اللّه تعالى: {ولسوف يرضى} أي ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإنه كان صدّيقاً تقياً، كريماً جواداً، بذالاً لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له (عروة بن مسعود) وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما واللّه لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصدّيق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى}. وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "من أعتق زوجين في سبيل اللّه، دعته خزنة الجنة يا عبد اللّه هذا خير"، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم" (أخرجه الشيخان).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »


*2*93 - سورة الضحى.

[مقدمة]

يستحب التكبير من آخر الضحى لآخر سورة الناس، وقد ذكر القراء أن ذلك سنّة مأثورة وذكروا في مناسبة التكبير من أول (سورة الضحى) أنه لما تأخر الوحى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه: {والضحى والليل إذا سجى} السورة بتمامها كبّر فرحاً وسروراً (قال ابن كثير: لم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف فاللّه أعلم).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - والضحى
- 2 - والليل إذا سجى - 3 - ما ودعك ربك وما قلى
- 4 - وللآخرة خير لك من الأولى
- 5 - ولسوف يعطيك ربك فترضى
- 6 - ألم يجدك يتيما فآوى
- 7 - ووجدك ضالا فهدى
- 8 - ووجدك عائلا فأغنى
- 9 - فأما اليتيم فلا تقهر
- 10 - وأما السائل فلا تنهر
- 11 - وأما بنعمة ربك فحدث
روى الإمام أحمد، عن جندب بن عبد اللّه قال: اشتكى النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت إمرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {والضحى والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى} (أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي). وفي رواية: أبطأ جبريل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال المشركون: ودع محمداً ربه، فأنزل اللّه تعالى: {والضحى والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى}، وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء {والليل إذا سجى} أي سكن فأظلم وادلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى، كما قال تعالى: {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى}، وقال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم}، وقوله تعالى: {ما ودعك ربك} أي ما تركك {وما قلى} أي وما أبغضك، {وللآخرة خير لك من الأولى} أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحاً، كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خيِّر عليه السلام في آخر عمره، بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى اللّه عزَّ وجلَّ، اختار ما عند اللّه على هذه الدنيا الدنية، روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود قال: اضطجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، وقلت: يا رسول اللّه ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها" (أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح). وقوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أُمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب الؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي. وروي عن ابن عباس أنه قال: عرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما هو مفتوح على أُمته من بعده كنزاً كنزاً فسّر بذلك، فأنزل اللّه {ولسوف يعطيك ربك فترضى} فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم (أخرجه ابن جرير، قال ابن كثير: إسناده صحيح، ومثل هذا لايقال إلا عن توقيف)، وقال السدي عن ابن عباس: من رضاء محمد صلى اللّه عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، قال الحسن: يعني بذلك الشفاعة، ثم قال تعالى يعدّد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه: {ألم يجدك يتيماً فآوى} وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه اللّه على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر اللّه وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار اللّه له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أحرى اللّه سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه رضي اللّه عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ اللّه له وكلاءته وعنايته به.
وقوله تعالى: {ووجدك ضالاً فهدى} كقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الآية، ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ضلّ في شعاب مكّة وهو صغير ثم رجع، وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام وكان راكباً ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق، حكاه البغوي، وقوله تعالى: {ووجدك عائلاً فأغنى} أي كنت فقيراً ذا عيال فأغناك اللّه عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر، صلوات اللّه وسلامه عليه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" (أخرجه الشيخان). وفي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه اللّه بما آتاه" (أخرجه مسلم). ثم قال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} أي كما كنت يتيماً فآواك اللّه، فلا تقهر اليتيم، أي لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به، وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، {وأما السائل فلا تنهر} أي وكما كنت ضالاً فهداك اللّه، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد، قال ابن إسحاق: {وأما السائل فلا تنهر} أي فلا تكن جباراً ولا متكبراً، ولا فحاشاً ولا فظاً على الضعفاء من عباد اللّه، وقال قتادة: يعني ردّ المسكين برحمة ولين، {وأما بنعمة ربك فحدث} أي وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك اللّه، فحدث بنعمة اللّه عليك، كما جاء في الدعاء المآثور: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها وأتمها علينا". وعن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها (رواه ابن جرير)، وفي الصحيحين عن أنَس أن المهاجرين قالوا: يا رسول اللّه ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: "لا، ما دعوتم اللّه لهم، وأثنيتم عليهم" (أخرجه الشيخان) وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس" (أخرجه أبو داود والترمذي). وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن، وقال الحسن بن علي: ما عملت من خير فحدّث إخوانك، وقال ابن اسحاق: ما جاءك من اللّه من نعمة وكرامة من النبوة، فحدث بها واذكرها وادع إليها.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*94 - سورة الشرح.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - ألم نشرح لك صدرك
- 2 - ووضعنا عنك وزرك
- 3 - الذي أنقض ظهرك
- 4 - ورفعنا لك ذكرك
- 5 - فإن مع العسر يسرا
- 6 - إن مع العسر يسرا
- 7 - فإذا فرغت فانصب
- 8 - وإلى ربك فارغب
يقول تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} يعني قد شرحنا لك صدرك أي نورناه، وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً كقوله: {فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام}، وكما شرح اللّه صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق، وقيل: المراد بقوله: {ألم نشرح لك صدرك} شرح صدره ليلة الإسراء، وهذا وإن كان واقعاً ليلة الإسراء، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الحسي الشرح المعنوي أيضاً، وقوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك} بمعنى {ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر}، {الذي أنقض ظهرك} الإنقاض الصوت أي أثقلك حمله، وقوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} قال مجاهد: لا اذكر إلا ذكرت معي "أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه"، وقال قتادة: رفع اللّه ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، روى ابن جرير عن أبي سعيد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: اللّه أعلم، قال: "إذا ذكرتُ ذكرتَ معي" (رواه ابن جرير). وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان، يعني ذكره فيه، كما قال حسان بن ثابت:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * إذ قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال آخرون: رفع اللّه ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أُممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته، فلا يذكر اللّه إلا ذكر معه.
وقوله تعالى: {فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً} أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر،
ثم أكد هذا الخبر، بقوله: {إن مع العسر يسراً}، قال الحسن: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين، وعن قتادة ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشّر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين" (رواه ابن جرير)، ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر، فتعدّد، ولهذا قال: "لن يغلب عسر يسرين" يعني قوله: {فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً} فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد، ومما يروى عن الشافعي أنه قال:
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا * من راقب اللّه في الأمور نجا
من صدّق اللّه لم ينله أذى * ومن رجاه يكون حيث رجا
وقال الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى * ذرعاً وعند اللّه منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكان يظنها لا تفرج
وقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب} أي إذا فرغت من أُمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، واخلص لربك النية والرغبة، قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك. وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وفي رواية عنه {فانصب} بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس، وقال ابن عباس {فإذا فرغت فانصب} يعني في الدعاء، وقال الضحّاك {فإذا فرغت} أي من الجهاد {فانصب} أي في العبادة {وإلى ربك فارغب} قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى اللّه عزَّ وجلَّ.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »


*2*95 - سورة التين.

[مقدمة]

روى مالك عن البراء بن عازب قال: "كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه" أخرجه الجماعة.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - والتين والزيتون
- 2 - وطور سينين
- 3 - وهذا البلد الأمين
- 4 - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
- 5 - ثم رددناه أسفل سافلين
- 6 - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون
- 7 - فما يكذبك بعد بالدين
- 8 - أليس الله بأحكم الحاكمين
اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل: المراد بالتين دمشق، وقيل: الجبل الذي عندها، وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف، وروي عن ابن عباس: أنه مسجد نوح الذي على الجودي، وقال مجاهد: هو تينكم هذا {والزيتون} قال قتادة: هو بيت المقدس، وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون، {وطور سينين} هو الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى عليه السلام، {وهذا البلد الأمين} يعني مكة (هو قول جمهور المفسرين، قال ابن كثير: ولا خلاف في ذلك)، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة، بعث اللّه في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم، أصحاب الشرائع الكبار. (فالأول) محلة التين والزيتون وهي (بيت المقدس) التي بعث اللّه فيها عيسى ابن مريم عليه السلام، (والثاني) طور سينين وهو (طور سيناء) الذي كلم اللّه عليه موسى بن عمران، (والثالث) مكة وهو (البلد الأمين) الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء اللّه من طور سيناء - يعني الذي كلم اللّه عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث اللّه منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل اللّه منها محمداً صلى اللّه عليه وسلم، فذكرهم مخبراً عنهم على الترتيب الوجودي، بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم الأشرف منهما، وقوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل؛ منتصب القامة، سويّ الأعضاء حسنها. {ثم رددناه أسفل سافلين} أي إلى النار (قاله مجاهد والحسن وأبو العالية وابن زيد)، أي بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره إلى النار إن لم يطع اللّه ويتبع الرسل، ولهذا قال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، وقال بعضهم: {ثم رددناه أسفل سافلين} إلى أرذل العمر (وروي هذا القول عن ابن عباس وعكرمة، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر)، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، وقوله: {فلهم أجر غير ممنون} أي غير مقطوع، ثم قال: {فما يكذبك} أي يا ابن آدم {بعد بالدين}؟ أي بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البدأة وعرفت أن من قدر على البدأة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى:، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ روى ابن أبي حاتم عن منصور قال، قلت لمجاهد: {فما يكذبك بعد بالدين} عنى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال: "معاذ اللّه" عنى به الإنسان (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقوله تعالى: {أليس اللّه بأحكم الحاكمين} أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحداً، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه، وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعاً: فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها {أليس اللّه بأحكم الحاكمين} فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*96 - سورة العلق.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - اقرأ باسم ربك الذي خلق
- 2 - خلق الإنسان من علق
- 3 - اقرأ وربك الأكرم
- 4 - الذي علم بالقلم
- 5 - علم الإنسان ما لم يعلم
عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي، وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "فقلت: ما أنا بقارئ - قال - فأخذني فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق - حتى بلغ - ما لم يعلم". قال: فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة: "مالي"؟! وأخبرها الخبر، وقال: "قد خشيت على نفسي". فقالت له: "كّلا أبشر فواللّه لا يخزيك اللّه أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به (ورقة بن نوفل) بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أو مخرجيّ هم؟" فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي" (أخرجه الشيخان والإمام أحمد واللفظ له). فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم اللّه بها العباد، وأول نعمة أنعم اللّه بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة؛ والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان (وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة)، ذهني، ولفظي، ورسمي، فلهذا قال: {اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم}، وفي الأثر: من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يكن يعلم.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

6 - كلا إن الإنسان ليطغى
- 7 - أن رآه استغنى
- 8 - إن إلى ربك الرجعى
- 9 - أرأيت الذي ينهى
- 10 - عبدا إذا صلى
- 11 - أرأيت إن كان على الهدى
- 12 - أو أمر بالتقوى
- 13 - أرأيت إن كذب وتولى
- 14 - ألم يعلم بأن الله يرى
- 15 - كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية
- 16 - ناصية كاذبة خاطئة
- 17 - فليدع ناديه
- 18 - سندع الزبانية
- 19 - كلا لا تطعه واسجد واقترب
يخبر تعالى عن الإنسان، أنه ذو أشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: {إن إلى ربك الرجعى} أي إلى اللّه المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك من أين جمعته وفيم صرفته. عن عبد اللّه بن مسعود قال: منهومان لا يشبعان: صاحب العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، قال، ثم قرأ عبد اللّه: {إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}، وقال للآخر: {إنما يخشى اللّه من عباده العلماء}، وقد روي هذا مرفوعاً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا" (أخرجه ابن أبي حاتم)، ثم قال تعالى: {أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلَّى} نزلت في (أبي جهل) لعنه اللّه، توعد النبي صلى اللّه عليه وسلم على الصلاة عند البيت، فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولاً، فقال: {أرأيت إن كان على الهدى} أي فما أظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله {أو أمر بالتقوى} بقوله وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؟ ولهذا قال: {ألم يعلم بأن اللّه يرى}؟ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن اللّه يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء، ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً {كلا لئن لم ينته} أي لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد {لنَسْفَعاً بالناصية} أي لنسمنّها سواداً يوم القيامة، ثم قال: {ناصية كاذبة خاطئة} يعني ناصية (أبي جهل) كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها، {فليدع ناديه} أي قومه وعشيرته أي ليدعهم يستنصر بهم، {سندع الزبانية} وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب، أحزبنا أو حزبه؟ روى البخاري عن ابن عباس قال، قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: "لئن فعل لأخذته الملائكة" (أخرجه البخاري). عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي عند المقام، فمرّ به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعدّه فأغلظ له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما واللّه إني لأكثر هذا الوادي نادياً، فأنزل اللّه: {فليدع ناديه * سندعُ الزبانية} وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته (أخرجه أحمد والترمذي، وقال حسن صحيح). وروى ابن جرير، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال؛ قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة! قال، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً"، قال: وأنزل اللّه: {كلا إن الإنسان ليطغى} (رواه أحمد والنسائي وابن جرير واللفظ له) إلى آخر السورة، وقوله تعالى: {كلا لا تطعه} يعني يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصلِّ حيث شئت ولا تبالِهِ، فإن اللّه حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس، {واسجد واقترب} كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" (رواه مسلم في صحيحه)، وتقدم أيضاً أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يسجد في {إذا السماء انشقت} و{اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*97 - سورة القدر.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - إنا أنزلناه في ليلة القدر
- 2 - وما أدراك ما ليلة القدر
- 3 - ليلة القدر خير من ألف شهر
- 4 - تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر
- 5 - سلام هي حتى مطلع الفجر
يخبر تعالى أنه أنزل القرآن {ليلة القدر} وهي الليلة المباركة التي قال اللّه عزَّ وجلَّ: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}، قال ابن عباس: أنزل اللّه القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال تعالى معظماً لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن الكريم فيها، فقال: {وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر}. روى ابن أبي حاتم، عن مجاهد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك قال: فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر} التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل اللّه ألف شهر (أخرجه ابن أبي حاتم)، وروى ابن جرير، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدّو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل اللّه هذه الآية {ليلة القدر خير من ألف شهر} قيام تلك الليلة، خير من عمل ذلك الرجل (أخرجه ابن جرير عن مجاهد موقوفاً). وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ليلة القدر خير من ألف شهر قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، وعن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وقال عمرو بن قيس: عملٌ فيها خير من ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، والصواب، كقوله صلى اللّه عليه وسلم: "رباط ليلة في سبيل اللّه خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل" (أخرجه أحمد). وفي الحديث الصحيح في فضائل رمضان قال عليه السلام: "فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" (أخرجه أحمد والنسائي) ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (أخرجه الشيخان). وقوله تعالى: {تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم تعظيماً له، وأما الروح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقيل: هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ، واللّه أعلم. وقوله تعالى: {من كل أمر} قال مجاهد: سلام هي من كل أمر، وقال سعيد بن منصور عن مجاهد في قوله: {سلام هي} قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً، أو يعمل فيها أذى، وقال قتادة: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم}. وروى أبو داود الطيالسي، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في ليلة القدر: "إنها ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" (رواه الطيالسي). وقال قتادة وابن زيد في قوله: {سلام هي} يعني هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر، وأمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، والشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في ليلة القدر: "ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء" (أخرجه الطيالسي)، وعن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها".
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

فصل.
اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة أو هي من خصائص هذه الأمة؟ فقال الزهري: حدثنا مالك أنه بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله أو ما شاء اللّه من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أُمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه اللّه ليلة القدر خيراً من ألف شهر (أخرجه مالك)، وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقيل: إنها كانت في الأمم الماضين كما هي في امتنا، ثم هي باقية إلى يوم القيامة وفي رمضان خاصة لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع السنة، وترتجى في جميع الشهور على السواء، وقد ترجم أبو داود في سننه على هذا فقال: (باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان)، ثم روى بسنده عن عبد اللّه بن عمر قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: "هي في كل رمضان" (أخرجه أبو داود)، وقد حكي عن أبي حنيفة رحمه اللّه رواية أنها ترتجى في كل شهر رمضان وهو وجه حكاه الغزالي.
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

فصل.
ثم قد قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل: إنها تقع ليلة سبع عشرة، وهو قول الشافعي، ويحكى عن الحسن البصري، ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر، وهو اليوم الذي قال اللّه تعالى فيه: (يوم الفرقان). وقيل: ليلة تسع عشرة، يحكى عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة إحدى وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتا جبريل فقال: الذي تطلب أمامك، ثم قام النبي صلى اللّه عليه وسلم خطيباً صبيحة عشرين من رمضان، فقال: "من كان اعتكف معي فليرجع فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء"، وكان سقف المسجد جريداً من النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة، فمطرنا فصلّى بنا النبي صلى اللّه عليه وسلم، حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تصديق رؤياه في صبح إحدى وعشرين" (أخرجه الشيخان). قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: تكون ليلة خمس وعشرين لما رواه البخاري عن عبد اللّه بن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" (أخرجه البخاري) فسره كثيرون بليالي الاوتار، وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الأشفاع. وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين، لما رواه مسلم في صحيحه عن أُبي بن كعب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنها ليلة سبع وعشرين، قال الإمام أحمد: عن زر: سألت أُبي بن كعب قلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال: يرحمه اللّه لقد علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف، قلت: وكيف تعلمون ذلك؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لاشعاع لها يعني الشمس (أخرجه أحمد ورواه مسلم بنحوه). وهو قول طائفة من السلف، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً، وقيل: إنها تكون في ليلة تسع وعشرين، روى الإمام أحمد بن حنبل عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر فإنها وتر إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة" (أخرجه أحمد). وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في ليلة القدر: "إنها في ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" (أخرجه أحمد). وقيل: إنها تكون في آخر ليلة لما تقدم من هذا الحديث آنفاً، ولما رواه الترمذي والنسائي من حديث عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة يعني التمسوا ليلة القدر" (أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح). وفي المسند من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ليلة القدر: "إنها آخر ليلة".
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

فصل.
قال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي صلى اللّه عليه وسلم جواباً للسائل إذا قيل له: أنلتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: "نعم"، وإنما ليلة القدر ليلة معينة لا تنتقل، وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر؛ وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة هو الأشبه، واللّه أعلم. وقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر (أخرجاه في الصحيحين)، وفيهما أيضاً عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" (أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري). ويحتج الشافعي أنها لا تنتقل وأنها معينة من الشهر بما رواه البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" (أخرجه البخاري)، وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعيينها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط، وقوله: "فتلاحى فلان وفلان فرفعت" فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، كما جاء في الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وقوله: "فرفعت" أي رفع علم تعينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، كما يقوله جهلة الشيعة، لأنه قد قال بعد هذا: "فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"، وقوله: "وعسى أن يكون خيراً لكم" يعني عدم تعينها لكم فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللّه عزَّ وجلَّ، ثم اعتكف أزواجه بعده، عن ابن عمر: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان (أخرجاه في الصحيحين)، وقالت عائشة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وشد المئزر، ولمسلم عنها: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره، وهذا معنى قولها وشد المئزر، وقيل: المراد بذلك اعتزال النساء، ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين لما رواه الإمام أحمد، عن عائشة قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره، واعتزل نساءه، وقد حكي عن مالك رحمه اللّه أن جميع ليالي العشر في تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أُخرى، والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، لما رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه ابن بريدة أن عائشة قالت: يا رسول اللّه: إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

*2*98 - سورة البينة.
[مقدمة]
عن أنس بن مالك قال؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأُبيّ بن كعب: "إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب}" قال: وسماني لك؟ قال: "نعم"، فبكى (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي).
صورة العضو الرمزية
مهاجر في البلد
مشاركات: 27892
اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
مكان: السودان - الخرطوم

كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع

مشاركة بواسطة مهاجر في البلد »

بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة
- 2 - رسول من الله يتلو صحفا مطهرة
- 3 - فيها كتب قيمة
- 4 - وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة
- 5 - وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة
أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، والمشركون عبدة الأوثان والنيران من العرب ومن العجم، قال مجاهد: لم يكونوا {منفكين} يعني منتهين حتى يتبين لهم الحق {حتى تأتيهم البينة} أي هذا القرآن، ولهذا قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} ثم فسر البينة بقوله:{رسول من اللّه يتلو صحفاً مطهرة} يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، كقوله تعالى:
{في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة}، وقوله تعالى: {فيها كتب قيمة} قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من اللّه قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ لأنها من عند اللّه عزَّ وجلَّ، وقال قتادة {رسول من اللّه يتلو صحفاً مطهرة} يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء، وقال ابن زيد: {فيها كتب قيمة} مستقيمة معتدلة، وقوله تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} كقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}، يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام اللّه عليهم الحجج والبينات تفرقوا، واختلفوا في الذي أراده اللّه من كتبهم، واختلفوا اختلافاً كبيراً، كما جاء في الحديث المروي من طرق: "إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة"، قالوا: من هم يا رسول اللّه؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"، وقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين} كقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدونِ}، ولهذا قال: {حنفاء} أي متحنفين من الشرك إلى التوحيد، كقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت}، وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته هاهنا، {ويقيموا الصلاة} وهي أشرف عبادات البدن، {ويؤتوا الزكاة} وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج {وذلك دين القيمة} أي الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة.
أضف رد جديد

العودة إلى ”قطاف إسلامية“