قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت}" أخرجه أحمد.
1 - إذا الشمس كورت - 2 - وإذا النجوم انكدرت - 3 - وإذا الجبال سيرت - 4 - وإذا العشار عطلت - 5 - وإذا الوحوش حشرت - 6 - وإذا البحار سجرت - 7 - وإذا النفوس زوجت - 8 - وإذا الموؤودة سئلت - 9 - بأي ذنب قتلت - 10 - وإذا الصحف نشرت - 11 - وإذا السماء كشطت - 12 - وإذا الجحيم سعرت - 13 - وإذا الجنة أزلفت - 14 - علمت نفس ما أحضرت قال ابن عباس: {إذا الشمس كورت} يعني أظلمت، وقال العوفي عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وقال قتادة: ذهب ضوءها، وقال سعيد بن جبير: {كورت} غورت، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض، قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: {كورت} جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها، روي عن ابن عباس أنه قال: يكور اللّه الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث اللّه ريحاً دبوراً فتضرمها ناراً (أخرجه ابن أبي حاتم)، وروى البخاري، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" (رواه البخاري في كتاب بدء الخلق). وقوله تعالى: {وإذا النجوم انكدرت} أي انتثرت كما قال تعالى: {وإذا الكواكب انتثرت}. وأصل الانكدار الانصباب، قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض، {وإذا الوحوش حشرت} قال اختلطت، {وإذا العشار عطلت} قال: أهملها أهلها، {وإذ البحار سجرت} قال، قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (أخرجه ابن جرير)، وقال ابن عباس: {وإذا النجوم انكدرت} أي تغيرت، وعن يزيد بن أبي مريم مرفوعاً: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون اللّه فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها" (رواه ابن أبي حاتم).
وقوله تعالى: {وإذا الجبال سيرت} أي زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعاً صفصفاً، وقوله: {وإذا العشار عطلت} عشار الإبل، قال مجاهد: {عطلت} تركت وسيّبت، وقال أُبيّ بن كعب: أهملها أهلها، وقال الربيع بن خيثم: لم تحلب وتخلى عنها أربابها، والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها، واحدتها عشراء قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بما دهمهم من الأمر العظيم الهائل، وهو أمر يوم القيامة ووقوع مقدماتها، وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها، كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا، والراجح أنها الإبل، واللّه أعلم. وقوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} أي جمعت كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب، وقال عكرمة: حشرها موتها، وعن ابن عباس قال: حشر البهائم موتها وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس (أخرجه ابن جرير). وعن الربيع بن خيثم {وإذا الوحوش حشرت} قال: أتى عليها أمر اللّه، وعن أُبيّ بن كعب أنه قال: {وإذا الوحوش حشرت} اختلطت، قال ابن جرير: والأولى قول من قال حشرت جمعت، قال اللّه تعالى: {والطير محشورة} أي مجموعة، وقوله تعالى: {وإذا البحار سجرت} قال ابن عباس: يرسل اللّه عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير ناراً تأجج، وفي سنن أبي داود: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً" الحديث، وقال مجاهد {سجرت}: أوقدت، وقال الحسن: يبست، وقال الضحّاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة، وقال الضحّاك أيضاً: {سجرت} فجّرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقوله تعالى: {وإذا النفوس زوّجت} أي جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، روى النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ: {وإذا النفوس زوجت} فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس (أخرجه ابن أبي حاتم)، وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} قال: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة، وقال مجاهد: {وإذا النفوس زوجت} قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري وعكرمة: زوجت الأرواح بالأبدان، وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين (حكاه القرطبي في التذكرة).
وقوله تعالى: {وإذا الموءُدة سئلت * بأي ذنب قُتِلَتْ} الموءُدة هي التي كانت أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءُدة على أي ذنب قُتلت ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذاً؟ وقال ابن عباس: {وإذا الموءُدة سئلت} أي سألت أي طالبت بدمها. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءُدة فقال الإمام أحمد عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئاً"، ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي وهو الموءُدة سئلت" (أخرجه أحمد ورواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه). وروى الإمام أحمد عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلنا: يا رسول اللّه إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "لا"، قلنا: فإنها كانت وأدت أُختاً لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "الوائدة والموءُدة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو اللّه عنها" (أخرجه أحمد والنسائي). وفي الحديث: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءُدة في الجنة" (أخرجه أحمد من حديث خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمها قال، قلت: يا رسول اللّه من في الجنة؟ فقال الحديث). وعن قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل، يا رسول اللّه مَن في الجنة؟ قال: "الموءُدة في الجنة" (هذا من مراسيل الحسن ومنهم من قبله). وقال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول اللّه تعالى: {وإذا الموءُدة سئلت * بأي ذنب قتلت}، قال ابن عباس: هي المدفونة، وقال عبد الرزاق: جاء قيس بن عاصم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إني وأدت بنات لي في الجاهلية، قال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: يا رسول اللّه إني صاحب إبل، قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة" (أخرجه عبد الرزاق والحافظ البزار بنحوه عن عمر بن الخطاب). وقوله تعالى: {وإذا الصحف نشرت} قال الضحّاك: أعطى كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته، قوله تعالى: {وإذا السماء كشطت} قال مجاهد: اجتذبت؛ وقال السدي: كشفت؛ وقال الضحّاك: تنكشط فتذهب، وقوله تعالى: {وإذا الجحيم سعرت} قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت، قال: وإنما يسعرها غضب اللّه وخطايا بني آدم، وقوله تعالى: {وإذا الجنة أزلفت} قال الضحّاك: أي قربت من أهلها، وقوله تعالى: {علمت نفس ما أحضرت} هذا هو الجواب أي إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت، وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً}، وقال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}. عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت: {إذا الشمس كورت}قال عمر: لما بلغ {علمت نفس ما أحضرت} قال: لهذا أجري الحديث.
15 - فلا أقسم بالخنس - 16 - الجوار الكنس - 17 - والليل إذا عسعس - 18 - والصبح إذا تنفس - 19 - إنه لقول رسول كريم - 20 - ذي قوة عند ذي العرش مكين - 21 - مطاع ثم أمين - 22 - وما صاحبكم بمجنون - 23 - ولقد رآه بالأفق المبين - 24 - وما هو على الغيب بضنين - 25 - وما هو بقول شيطان رجيم - 26 - فأين تذهبون - 27 - إن هو إلا ذكر للعالمين - 28 - لمن شاء منكم أن يستقيم - 29 - وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين {فلا أقسم بالخنَّس * الجوار الكُنَّس} قال علي: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. وروى ابن جرير عن خالد بن عرعرة سمعت علياً، وسئل عن {لا أُقسم بالخنس * الجوار الكنس} فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل (أخرجه ابن جرير)، وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنها النجوم، وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم الخنس، أي في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها كنّس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه، وروى الأعمش عن عبد اللّه {فلا أقسم بالخنس} قال: بقر الوحش، وقال ابن عباس {الجوار الكنس} البقر تكنس إلى الظل، وقال العوفي عن ابن عباس: هي الظباء (وكذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحّاك)، وقال أبو الشعثاء: هي الظباء والبقر، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: {الخنس الجوار الكنس} هل هو النجوم أو الظباء أو بقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مراداً، وقوله تعالى: {والليل إذا عسعس} فيه قولان (أحدهما): إقباله بظلامه، قال مجاهد: أظلم: وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس، (والثاني): إدباره، قال ابن عباس: {إذا عسعس} إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحّاك {إذا عسعس} أي إذا ذهب فتولى، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أدبر، قال لقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} أي أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضاً: حتى إذا الصبح له تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا أي أدبر، وعندي أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى}، وقال تعالى: {والضحى * والليل إذا سجى}، وقال تعالى: {فالق الاصباح وجعل الليل سكناً} وغير ذلك من الآيات، وقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} قال الضحّاك: إذا طلع، وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبيّن.
وقوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} يعني إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر، وهو (جبريل) عليه الصلاة والسلام، {ذي قوة} كقوله تعالى: {علمه شديد القوى * ذو مرة} أي شديد الخلق شديد البطش والفعل، {عند ذي العرش مكين} أي له مكانة عند اللّه عزَّ وجلَّ ومنزلة رفيعة، {مطاع ثَمّ} أي له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى، قال قتادة: {مطاع ثم} أي في السموات، يعني ليس هو من أفناد (أفناد: جماعات) الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة، وقوله تعالى: {أمين} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جداً، أن الرب عزَّ وجلَّ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} قال الشعبي وميمون: المراد بقوله {وما صاحبكم بمجنون} يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم، وقوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} يعني ولقد رأى محمد (جبريل)، الذي يأتيه بالرسالة عن اللّه عزَّ وجلَّ، على الصورة التي خلقه اللّه عليها له ستمائة جناح، {بالأفق المبين} أي البين، وهي الرؤية الأولى كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: {علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى}، والظاهر أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء، لإنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أُخْرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى} فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء، وقوله تعالى: {وما هو على الغيب بظنين} أي بمتهم، ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي ببخيل بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: (ظنين) و (ضنين) سواء، أي ما هو بفاجر، و (الظنين) المتهم، و (الضنين) البخيل، وقال قتادة: كان القرآن غيباً فأنزله اللّه على محمد، فما ضنّ به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، واختار ابن جرير قراءة الضاد. (قلت): وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدَّم، وقوله تعالى: {وما هو بقول شيطان رجيم} أي وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له، كما قال تعالى: {وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون}. وقوله تعالى: {فأين تذهبون}؟ فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقاً من عند اللّه عزَّ وجلَّ! كما قال الصديق رضي اللّه عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة الكذّاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: "ويحكم أين تذهب عقولكم؟ واللّه إن هذا الكلام لم يخرج من إل" أي من إله، وقال قتادة: {فأين تذهبون} أي عن كتاب اللّه وعن طاعته، وقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون {لمن شاء منكم أن يستقيم} أي لمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه، {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين} أي ليست المشيئة موكولة إليكم، بل ذلك كله تابع لمشيئة اللّه تعالى رب العالمين، قال سفيان الثوري: لما نزلت هذه الآية: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل اللّه تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين}.
[font="]قد تقدم من رواية عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت[/font]}".
بسم اللّه الرحمن الرحيم. 1 - إذا السماء انفطرت - 2 - وإذا الكواكب انتثرت - 3 - وإذا البحار فجرت - 4 - وإذا القبور بعثرت - 5 - علمت نفس ما قدمت وأخرت - 6 - يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم - 7 - الذي خلقك فسواك فعدلك - 8 - في أي صورة ما شاء ركبك - 9 - كلا بل تكذبون بالدين - 10 - وإن عليكم لحافظين - 11 - كراما كاتبين - 12 - يعلمون ما تفعلون يقول تعالى: {إذا السماء انفطرت} أي أنشقت، كما قال تعالى: {السماء منفطر به}، {وإذا الكواكب انتثرت} أي تساقطت، {وإذا البحار فجرت} قال ابن عباس: فجر اللّه بعضها في بعض، وقال الحسن: فجر اللّه بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها، وقال الكلبي: ملئت. {وإذا القبور بعثرت} قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر - تحرك فيخرج من فيها، {علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي إذا كان هذا حصل هذا، وقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}؟ هذا تهديد من اللّه للإنسان (الكلام تهديد كما قال ابن كثير، وليس كما زعم بعضهم أنه إرشاد إلى الجواب حتى قالوا:) والمعنى: ما غرك يا ابن آدم {بربك الكريم} أي العظيم، حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين"؟ وعن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال ابن عمر: غره واللّه جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غيرهذا العدو الشيطان، وقال الفضل ابن عياض: لو قال لي: ما غرّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم، لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: {الذي خلقك فسواك فعدلك} أي جعلك سوياً مستقيماً معتدل القامة، منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها إصبعه ثم قال: "قال اللّه عزَّ وجلَّ: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدق وأنّى أوان الصدقة؟" (أخرجه أحمد وابن ماجه).
وقوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم، أو خال أوعم، وقال عكرمة في قوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير، وقال قتادة: قادر واللّه ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عندهم أن اللّه عزَّ وجلَّ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح، من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه، يخلقه على شكل حسن مستقيم، معتدل تام حسن المنظر والهيئة، وقوله تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين} أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، وقوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون} يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن اللّه ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة اللّه الذين معكم الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره". وفي الحديث: "ما من حافظين يرفعان إلى اللّه عزَّ وجلَّ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفاراً إلا قال اللّه تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" (أخرجه الحافظ البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً)، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن للّه ملائكة يعرفون بني آدم - وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم - فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة اللّه ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية اللّه ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان" (أخرجه البزار أيضاً وفي سنده سلام المدائني ليّن الحديث).
الأبرار لفي نعيم - 14 - وإن الفجار لفي جحيم - 15 - يصلونها يوم الدين - 16 - وما هم عنها بغائبين - 17 - وما أدراك ما يوم الدين - 18 - ثم ما أدراك ما يوم الدين - 19 - يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا اللّه عزَّ وجلَّ ولم يقابلوه بالمعاصي، ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: {يصلونها يوم الدين} أي يوم الحساب والجزاء والقيامة، {وما هم عنها بغائبين} أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوماً واحداً، وقوله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين} تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله تعالى: {ثم ما أدراك ما يوم الدين}، ثم فسره بقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً} أي لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى، وفي الحديث قال عليه السلام: "يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من اللّه شيئاً"، ولهذا قال: {والأمر يومئذ للّه} كقوله تعالى: {لمن الملك اليوم * للّه الواحد القهار} قال قتادة: {يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ للّه} والأمر واللّه اليوم للّه، لكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد
*2*83 - سورة المطففين. بسم اللّه الرحمن الرحيم. - 1 - ويل للمطففين - 2 - الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون - 3 - وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون - 4 - ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون - 5 - ليوم عظيم - 6 - يوم يقوم الناس لرب العالمين عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل اللّه تعالى: {ويل للمطفِّفين} فحسنوا الكيل بعد ذلك (أخرجه النسائي وابن ماجه)، وروى ابن جرير، عن عبد اللّه قال، قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل، وقد قال اللّه تعالى: {ويل للمطففين - حتى بلغ يقوم الناس لرب العالمين} (رواه ابن جرير)، والمراد بالتطفيف ههنا البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما النقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك بقوله تعالى: {إذا اكتالوا على الناس} أي من الناس {يستوفون} أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد، {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي ينقصون، والأحسن أن يجعل "كالوا ووزنوا" متعدياً ويكون (هم) في محل نصب، وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم}، وقال تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}، وأهلك قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال، ثم قال تعالى متوعداً لهم: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم}؟ أي ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حامية؟ وقوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي يقومون حفاة عراة، في موقف صعب حرج، ضيق على المجرم، ويغشاهم من أمر اللّه تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه، عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في شحه إلى أنصاف أذنيه" (أخرجه البخاري ومسلم والإمام مالك)، وفي رواية لأحمد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين، لعظمة الرحمن عزَّ وجلَّ يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم (أخرجه الإمام أحمد). حديث آخر: وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود الكِنْدي قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين - قال - فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يأخذه إلجاماً" (رواه مسلم والترمذي وأحمد). حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر قال، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه - وأشار بيده فألجمها فاه - رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشير بيده هكذا - ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده، إشارة (أخرجه الإمام أحمد)، وفي سنن أبي داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يتعوذ باللّه من ضيق المقام يوم القيامة، وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم.
7 - كلا إن كتاب الفجار لفي سجين - 8 - وما أدراك ما سجين - 9 - كتاب مرقوم - 10 - ويل يومئذ للمكذبين - 11 - الذين يكذبون بيوم الدين - 12 - وما يكذب به إلا كل معتد أثيم - 13 - إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين - 14 - كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون - 15 - كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - 16 - ثم إنهم لصالوا الجحيم - 17 - ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون يقول تعالى حقاً: {إن كتاب الفجار لفي سجين} أي أن مصيرهم ومأواهم {لفي سجين} فعّيل من السجن، وهو الضيق كما يقال: فسّيق وخمّير وسكّير ونحو ذلك، ولهذا عظّم أمره فقال تعالى: {ما أدراك ما سجّين}؟ أي هو أمر عظيم، وسجين مقيم، وعذاب أليم، ثم قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب يقول اللّه عزَّ وجلَّ في روح الكافر "اكتبوا كتابه في سجين"، وقيل: بئر في جهنم، والصحيح أن سجيناً مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: {ثم رددناه أسفل السافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقال ههنا: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين} وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً}، وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} ليس تفسيراً لقوله: {وما أدراك ما سجين}، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا يتقص منه أحد، ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم اللّه من السجن والعذاب المهين، {ويل} لهم والمراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، ثم قال تعالى: مفسراً للمكذبين الفجّار الكفرة: {الذين يكذبون بيوم الدين} أي لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره، قال اللّه تعالى: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام، والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.
وقوله تعالى: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي إذا سمع كلام اللّه تعالى من الرسول يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟ قالوا أساطير الأولين}، وقال تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام اللّه ووحيه وتنزيله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به، ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم، من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: {ما كانوا يكسبون} والرين يعتري قلوب الكافرين، والغَيْن للمقربين، وقد روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}" (أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح) ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}" (هذا لفظ النسائي وقد رواه أحمد بنحوه). وقال الحسن البصري: هو الذنب حتى يعمى القلب فيموت (وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد)، وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} أي ثم هم يوم القيامة محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عزَّ وجلَّ يومئذ، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة، في رؤية المؤمنين ربهم عزَّ وجلَّ في الدار الأخرة، قال الحسن: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية، وقوله تعالى: {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن، من أهل النيران، {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} أي يقال لهم ذلك، على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.
18 - كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - 19 - وما أدراك ما عليون - 20 - كتاب مرقوم - 21 - يشهده المقربون - 22 - إن الأبرار لفي نعيم - 23 - على الأرائك ينظرون - 24 - تعرف في وجوههم نضرة النعيم - 25 - يسقون من رحيق مختوم - 26 - ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون - 27 - ومزاجه من تسنيم - 28 - عينا يشرب بها المقربون يقول تعالى: حقاً إن كتاب الأبرار - وهم بخلاف الفجار - {لفي عليين} أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين، روى الأعمش عن هلال بن يساف قال: سال ابن عباس كعباً - وأنا حاضر - عن سجين؟ قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين؟ فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين (وهكذا قال غير واحد من السلف أنها السماء السابعة)، وقال ابن عباس: {لفي عليين} يعني الجنة، وفي رواية عنه: أعمالهم في السماء عند اللّه، وقال قتادة: عليون ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظماً أمره ومفخماً شأنه: {وما أدراك ما عليّون}؟ ثم قال تعالى مؤكداً لما كتب لهم: {كتاب مرقوم يشهده المقربون} وهم الملائكة قاله قتادة، وقال ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها، ثم قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم {وعلى الأرائك} وهي السرر تحت الحجال {ينظرون} قيل: معناه ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم اللّه من الخير، والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد، وقيل: معناه {على الأرائك ينظرون} إلى اللّه عزَّ وجلَّ، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعلاهم لمن ينظر إلى اللّه عزَّ وجلَّ في اليوم مرتين". وقوله تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم {نضرة النعيم} أي صفة الترافة والسرور، والدعة والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله تعالى: {يسقون من رحيق مختوم} أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر (وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة)، وفي الحديث: "أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء على ظمأٍ سقاه اللّه تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً ثوباً على عري كساه اللّه من خضر الجنة" (أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً)، وقال ابن مسعود في قوله: {ختامه مسك} أي خلطه مسك، وقال ابن عباس: طيب اللّه لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وقال الحسن: عاقبته مسك، وقال ابن جرير، عن أبي الدرداء: {ختامه مسك} قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها (أخرجه ابن جرير)، وقال مجاهد: {ختامه مسك} طيبه مسك، وقوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى وليستبق إلى مثله المستبقون كقوله تعالى: {لمثل هذا فليعمل العاملون}، وقوله تعالى: {ومزاجه من تسنيم} أي مزاج هذا الرحيق الموصوف {من تسنيم} أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها المقربون} أي يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً (قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم).
29 - إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون - 30 - وإذا مروا بهم يتغامزون - 31 - وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين - 32 - وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون - 33 - وما أرسولا عليهم حافظين - 34 - فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون - 35 - على الأرائك ينظرون - 36 - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون يخبر تعالى عن المجرمين، أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} أي وإذا انقلب: أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين، أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي لكونهم على غير دينهم، قال اللّه تعالى: {وما أرسولا عليهم حافظين} أي وما بعث هؤلاء المجرمون، حافظين على هؤلاء المؤمنين، ما يصدر عنهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟ كما قال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون}، ولهذا قال ههنا: {فاليوم} يعني يوم القيامة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك {على الأرائك ينظرون} أي إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته، وقوله تعالى: {هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون}؟ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين، من الاستهزاء والسخرية أم لا، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.
*2*84 - سورة الانشقاق. [مقدمة] روى البخاري، عن أبي رافع قال: "صلَّيتُ مع أبي هريرة العتمة فقرأ: {إذا السماء انشقت} فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم صلى اللّه عليه وسلم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه" (أخرجه البخاري ومسلم والنسائي). بسم اللّه الرحمن الرحيم. 1 - إذا السماء انشقت - 2 - وأذنت لربها وحقت - 3 - وإذا الأرض مدت - 4 - وألقت ما فيها وتخلت - 5 - وأذنت لربها وحقت - 6 - يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه - 7 - فأما من أوتي كتابه بيمينه - 8 - فسوف يحاسب حسابا يسيرا - 9 - وينقلب إلى أهله مسرورا - 10 - وأما من أوتي كتابه وراء ظهره - 11 - فسوف يدعو ثبورا - 12 - ويصلى سعيرا - 13 - إنه كان في أهله مسرورا - 14 - إنه ظن أن لن يحور - 15 - بلى إن ربه كان به بصيرا يقول تعالى: {إذا السماء انشقت} وذلك يوم القيامة، {وأذنت لربها} أي استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة {وحُقَّتْ} أي وحق لها أن تطيع أمره، لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم قال: {وإذا الأرض مدَّت} أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث "إذا كان يوم القيامة مد اللّه الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه" (أخرجه ابن جرير عن علي بن الحسين مرفوعاً). وقوله تعالى: {وألقت ما فيها وتخلت} أي ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت عنهم، {وأذنت لربها وحقت} كما تقدم، وقوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً} أي إنك ساع إلى ربك سعياً وعامل عملاً {فملاقيه} ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، عن جابر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه" (أخرجه أبو داود الطيالسي)، ومن الناس من يعيد الضمير على قوله {ربك} أي فملاق ربك ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس: تعمل عملاً تلقى اللّه به خيراً كان أو شراً، وقال قتادة: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً} إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة اللّه فليفعل ولا قوة إلا باللّه، ثم قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً} أي سهلاً بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها قالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من نوقش الحساب عذب"، قالت، فقلت: أفليس قال اللّه تعالى: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}، قال: "ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب" (أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي). وروى ابن جرير، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذباً"، فقلت: أليس اللّه يقول {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}؟ قال: "ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب"، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت (أخرجه الشيخان وابن جرير). وفي رواية عن عائشة قالت: "من نوقش الحساب - أو من حوسب - عذب، ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على اللّه تعالى وهو يراهم" (رواه ابن جرير). وقوله تعالى: {وينقلب إلى أهله مسروراً} أي ويرجع إلى أهله في الجنة {مسروراً} أي فرحاً مغتبطاً بما أعطاه اللّه عزَّ وجلَّ، وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: إنكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم (أخرجه الطبراني). وقوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه، ويعطى كتابه بها كذلك {فسوف يدعو ثبوراً} أي خساراً وهلاكاً {ويصلى سعيراً * إنه كان في أهله مسروراً} أي فرحاً لا يفكر بالعواقب، ولا يخاف مما أمامه فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، {إنه ظنّ أن لن يحور} أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى اللّه، ولا يعيده بعد موته، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحَوْر هو الرجوع، قال اللّه: {بلى إن ربه كان به بصيراً} يعني بلى سيعيده اللّه كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه {كان به بصيراً} أي عليماً خبيراً.
16 - فلا أقسم بالشفق - 17 - والليل وما وسق - 18 - والقمر إذا اتسق - 19 - لتركبن طبقا عن طبق - 20 - فما لهم لا يؤمنون - 21 - وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون - 22 - بل الذين كفروا يكذبون - 23 - والله أعلم بما يوعون - 24 - فبشرهم بعذاب أليم - 25 - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قال علي وابن عباس: {الشفق} الحمرة، وقال عبد الرزاق، عن أبي هريرة: {الشفق} البياض، فالشفق هو حمرة الأُفق، إما قبل طلوع الشمس، كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة، قال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق، وفي الحديث: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (أخرجه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو)، ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: {فلا أقسم بالشفق} هو النهار كله، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: {والليل وما وسق} أي جمع، كأنه أقسم بالضياء والظلام، قال ابن جرير: أقسم اللّه بالنهار مدبراً وبالليل مقبلاً، وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض، وهو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد: {وما وسق} وما جمع، قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة، وقال عكرمة: ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: {والقمر إذا اتسق} قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى، وقال الحسن: إذا اجتمع وامتلأ، وقال قتادة: إذا استدار، ومعنى كلامهم إنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلاً لليل وما وسق.
وقوله تعالى: {لتركبن طبقاً عن طبق} قال البخاري، قال ابن عباس: {لتركبن طبقاً عن طبق} حالاً بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى اللّه عليه وسلم (أخرجه البخاري)، وقال الشعبي {لتركبن طبقاً عن طبق} قال: لتركبنّ يا محمد سماء بعد سماء، يعني ليلة الإسراء، وقيل: {طبقاً عن طبق} منزلاً على منزل، ويقال: أمراً بعد أمر، وحالاً بعد حال (هي رواية العوفي عن ابن عباس)، وقال السدي: {لتركبن طبقاً عن طبق} أعمال من قبلكم منزلاً بعد منزل، وكأنه أراد معنى الحديث الصحيح: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول اللّه: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟". وقال ابن مسعود: {طبقاً عن طبق} السماء مرة كالدهان، ومرة تنشق، وقال سعيد بن جبير {لتركبن طبقاً عن طبق} قال: قوم كانوا في الدنيا خسيسٌ أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافاً في الدنيا فاتضعوا في الآخرة، وقال عكرمة: {طبقاً عن طبق} حالاً بعد حال فطيماً بعد ما كان رضيعاً، وشيخاً بعد ما كان شاباً، وقال الحسن البصري: {طبقاً عن طبق} يقول: حالاً بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقراً بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقماً بعد صحة. ثم قال ابن جرير: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك - وإن كان الخطاب موجهاً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - جميع الناس، وأنهم يلقون من الشدائد يوم القيامة وأحواله أهوالاً، وقوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} أي فماذا يمنعهم من الإيمان باللّه ورسوله واليوم الآخر، وما لهم إذا قرئت عليهم آيات اللّه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاماً وإكراماً واحتراماً؟ وقوله تعالى: {بل الذين كفرا يكذبون} أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق، {واللّه أعلم بما يوعون} قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم، {فبشرهم بعذاب أليم} أي فأخبرهم يا محمد بأن اللّه عزَّ وجلَّ قد أعد لهم عذاباً أليماً، وقوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} هذا استثناء منقطع يعني لكن الذين أمنوا أي بقلوبهم {وعملوا الصالحات} أي بجوارحهم {لهم أجر} أي في الدار الآخرة {غير ممنون} قال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد: غير محسوب، وحاصل قولهما: أنه غير مقطوع، كما قال تعالى: {عطاء غير مجذوذ}، وقال السدي: قال بعضهم: غير ممنون: غير منقوص، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم، وهذا القول قد أنكره غير واحد، فإن اللّه عزَّ وجلَّ له المنة على أهل الجنة، في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائماً سرمداً، والحمد لله وحده أبداً.
[مقدمة] روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق. بسم اللّه الرحمن الرحيم. 1 - والسماء ذات البروج - 2 - واليوم الموعود - 3 - وشاهد ومشهود - 4 - قتل أصحاب الأخدود - 5 - النار ذات الوقود - 6 - إذ هم عليها قعود - 7 - وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود - 8 - وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد - 9 - الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد - 10 - إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، قال ابن عباس: البروج النجوم، وقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء، وقال المنهال بن عمرو: {والسماء ذات البروج} الخلق الحسن، واختار ابن جرير أنها منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً تسير الشمس في كل واحد منها شهراً، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستسر ليلتين، وقوله تعالى: {واليوم الموعود وشاهد ومشهود} اختلف المفسرون في ذلك فروي عن أبي هريرة مرفوعاً {واليوم الموعود} يوم القيامة، {شاهد} يوم الجمعة، {مشهود} يوم عرفة (أخرجه ابن أبي حاتم، والأشبه أنه موقوف على أبي هريرة). روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية {وشاهد ومشهود} قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة (أخرجه أحمد). وعن سعيد بن المسيب أنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة" (هذا من مراسيل سعيد بن المسيب). ورى ابن جرير عن ابن عباس قال: الشاهد هو محمد صلى اللّه عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة. ثم قرأ: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (أخرجه ابن جرير). وسأل رجل الحسن بن علي عن {وشاهد ومشهود} فقال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمرو وابن الزبير فقالا: يوم الذبح ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى اللّه عليه وسلم، ثم قرأ: {فكيف إذا جئنا من كل أمة شهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (أخرجه ابن جرير أيضاً) وهكذا قال الحسن البصري، وقال مجاهد والضحّاك: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة؛ وعن عكرمة: الشاهد محمد صلى اللّه عليه وسلم، والمشهود يوم الجمعة، وقال ابن عباس: الشاهد اللّه، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم عن مجاهد عن ابن عباس {وشاهد ومشهود} قال: الشاهد الإنسان، والمشهود يوم الجمعة (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال ابن جرير، عن ابن عباس: {وشاهد ومشهود} الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة، قال ابن جرير: وقال آخرون: {المشهود} يوم الجمعة، لحديث أبي الدرداء قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أكثروا من الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة" (أخرجه ابن جرير)، وعن سعيد بن جبير: الشاهد اللّه، وتلا: {وكفى باللّه شهيداً} والمشهود نحن (حكاه البغوي)، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.
وقوله تعالى: {قتل أصحاب الأُخْدُود} أي لعن أصحاب الأُخدود، وجمعه أخاديد وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين باللّه عزَّ وجلَّ فقهروهم، وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أُخدوداً، وأججوا فيه ناراً، وأعدوا لها وقوداً يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها، ولهذا قال اللّه تعالى: {قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال اللّه تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد} أي وما كان لهم ذنب إلا إيمانهم باللّه {العزيز} الذي لا يضام من لاذ بجنابه، {الحميد} في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ثم قال تعالى: {الذي له ملك السماوات والأرض} من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، {واللّه على كل شيء شهيد} أي لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض، ولا تخفى عليه خافية، وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس، حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أُخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعن ابن عباس قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أُخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء، فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه، وقيل غير ذلك.