كتاب اعجبني
المشرف: بانه
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
31 - وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر
- 32 - كلا والقمر
- 33 - والليل إذ أدبر
- 34 - والصبح إذا أسفر
- 35 - إنها لإحدى الكبر
- 36 - نذيرا للبشر
- 37 - لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر
يقول تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار} أي خزانها {إلا ملائكة} أي زبانية غلاظاً شداداً، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال اللّه تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن (أبا الأشدين) قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فبما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي صلى اللّه عليه وسلم مراراً فلم يؤمن (نسب ابن اسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد، قال ابن كثير ولا منافاة بين ما ذكراه واللّه أعلم)، وقوله تعالى: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} أي إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختباراً منا للناس، {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى: {ويزداد الذين آمنوا إيماناً} أي إلى إيمانهم بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى اللّه عليه وسلم، {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي من المنافقين، {والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً}؟ أي يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال اللّه تعالى: {كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء} وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وقوله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: "فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (أخرجه في الصحيحين).
- 32 - كلا والقمر
- 33 - والليل إذ أدبر
- 34 - والصبح إذا أسفر
- 35 - إنها لإحدى الكبر
- 36 - نذيرا للبشر
- 37 - لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر
يقول تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار} أي خزانها {إلا ملائكة} أي زبانية غلاظاً شداداً، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال اللّه تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن (أبا الأشدين) قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فبما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي صلى اللّه عليه وسلم مراراً فلم يؤمن (نسب ابن اسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد، قال ابن كثير ولا منافاة بين ما ذكراه واللّه أعلم)، وقوله تعالى: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} أي إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختباراً منا للناس، {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى: {ويزداد الذين آمنوا إيماناً} أي إلى إيمانهم بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى اللّه عليه وسلم، {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي من المنافقين، {والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً}؟ أي يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال اللّه تعالى: {كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء} وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وقوله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: "فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (أخرجه في الصحيحين).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وروى الإمام أحمد، عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه تعالى"فقال أبو ذر: واللّه لوددت أني شجرة تعضد (أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب)، وعن جابر بن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئاً" (أخرجه الحافظ الطبراني). وعن ابن مسعود أنه قال: إن من السماوات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم، ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون} (أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة). وروى محمد بن نصر، عن عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطأة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن للّه تعالى ملائكة ترعد فرائضهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه اللّه عزَّ وجلَّ قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (أخرجه محمد بن نصر، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به). وقوله تعالى: {وما هي إلا ذكرى للبشر} أي النار التي وصفت {إلا ذكرى للبشر}، ثم قال تعالى: {كلا والقمر * والليل إذ أدبر} أي ولّى {والصبح إذا أسفر} أي أشرق {إنها لإحدى الكبر} أي العظائم يعني النار، قاله ابن عباس ومجاهد، {نذيراً للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} أي لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
38 - كل نفس بما كسبت رهينة
- 39 - إلا أصحاب اليمين
- 40 - في جنات يتساءلون
- 41 - عن المجرمين
- 42 - ما سلككم في سقر
- 43 - قالوا لم نك من المصلين
- 44 - ولم نك نطعم المسكين
- 45 - وكنا نخوض مع الخائضين
- 46 - وكنا نكذب بيوم الدين
- 47 - حتى أتانا اليقين
- 48 - فما تنفعهم شفاعة الشافعين
- 49 - فما لهم عن التذكرة معرضين
- 50 - كأنهم حمر مستنفرة
- 51 - فرت من قسورة
- 52 - بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة
- 53 - كلا بل لا يخافون الآخرة
- 54 - كلا إنه تذكرة
- 55 - فمن شاء ذكره
- 56 - وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة
يقول تعالى مخبراً أن {كل نفس بما كسبت رهينة} أي معتقلة بعملها يوم القيامة {إلا أصحاب اليمين} فإنهم {في جنات يتساءلون عن المجرمين} أي يسألون المجرمين وهم في الغرفات، وأولئك في الدركات قائلين لهم {ما سَلَكَكُمْ في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلِّين * ولم نَكُ نُطْعِمُ المسكين} أي ما عندنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا، {وكنا نخوض مع الخائضين} أي نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه، {وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} يعني الموت كقوله تعالى: {وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين}، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أما هو - يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه" قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى اللّه كافراً، فإن له النار لا محالة خالداً فيها. ثم قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين {كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} أي كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد (قاله أبو هريرة وابن عباس وزيد بن أسلم، وهو قول الجمهور) وقوله تعالى: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} أي بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل اللّه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال مجاهد وغيره كقوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه}، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: {كلا بل لا يخافون الآخرة} أي إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها، ثم قال تعالى: {كلا إنه تذكرة} أي حقاً إن القرآن تذكرة، {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء اللّه} كقوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه}، وقوله تعالى: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. عن أنَس ابن مالك رضي اللّه عنه قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الآية {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: "قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أن أغفر له" (رواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب).
- 39 - إلا أصحاب اليمين
- 40 - في جنات يتساءلون
- 41 - عن المجرمين
- 42 - ما سلككم في سقر
- 43 - قالوا لم نك من المصلين
- 44 - ولم نك نطعم المسكين
- 45 - وكنا نخوض مع الخائضين
- 46 - وكنا نكذب بيوم الدين
- 47 - حتى أتانا اليقين
- 48 - فما تنفعهم شفاعة الشافعين
- 49 - فما لهم عن التذكرة معرضين
- 50 - كأنهم حمر مستنفرة
- 51 - فرت من قسورة
- 52 - بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة
- 53 - كلا بل لا يخافون الآخرة
- 54 - كلا إنه تذكرة
- 55 - فمن شاء ذكره
- 56 - وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة
يقول تعالى مخبراً أن {كل نفس بما كسبت رهينة} أي معتقلة بعملها يوم القيامة {إلا أصحاب اليمين} فإنهم {في جنات يتساءلون عن المجرمين} أي يسألون المجرمين وهم في الغرفات، وأولئك في الدركات قائلين لهم {ما سَلَكَكُمْ في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلِّين * ولم نَكُ نُطْعِمُ المسكين} أي ما عندنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا، {وكنا نخوض مع الخائضين} أي نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه، {وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} يعني الموت كقوله تعالى: {وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين}، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أما هو - يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه" قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى اللّه كافراً، فإن له النار لا محالة خالداً فيها. ثم قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين} أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين {كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} أي كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد (قاله أبو هريرة وابن عباس وزيد بن أسلم، وهو قول الجمهور) وقوله تعالى: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} أي بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل اللّه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال مجاهد وغيره كقوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه}، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: {كلا بل لا يخافون الآخرة} أي إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها، ثم قال تعالى: {كلا إنه تذكرة} أي حقاً إن القرآن تذكرة، {فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء اللّه} كقوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه}، وقوله تعالى: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. عن أنَس ابن مالك رضي اللّه عنه قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الآية {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: "قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أن أغفر له" (رواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
- 1 - لا أقسم بيوم القيامة
- 2 - ولا أقسم بالنفس اللوامة
- 3 - أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه
- 4 - بلى قادرين على أن نسوي بنانه
- 5 - بل يريد الإنسان ليفجر أمامه
- 6 - يسأل أيان يوم القيامة
- 7 - فإذا برق البصر
- 8 - وخسف القمر
- 9 - وجمع الشمس والقمر
- 10 - يقول الإنسان يومئذ أين المفر
- 11 - كلا لا وزر
- 12 - إلى ربك يومئذ المستقر
- 13 - ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر
- 14 - بل الإنسان على نفسه بصيرة
- 15 - ولو ألقى معاذيره
قد تقدم أن المقسم عليه إذا كان منتفياً جاز الإيتان بلا قبل القسم لتأكيد النفي، والمقسم عليه ههنا هو إثبات المعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللَّوَّامة} قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعاً، والصحيح أنه أقسم بهما معاً وهو المروي عن ابن عباس وسعيد ابن جبير، واختاره ابن جرير، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة فقال الحسن البصري: إن المؤمن واللّه ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدماً قدماً ما يعاتب نفسه، وعن سماك أنه سأل عكرمة عن قوله {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: يلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا، وعن سعيد بن جبير قال: تلوم على الخير والشر، وقال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه، وقال ابن عباس: اللوامة المذمومة، وقال قتادة: {اللوامة} الفاجرة، قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. وقوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه}؟ أي يوم القيامة. أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال ابن عباس: أن نجعله خفاً أو حافراً (وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحّاك، قال ابن جرير: أي في الدنيا لو شاء لجعل ذلك)، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: {قادرين} حال من قوله تعالى {نجمع} أي أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج، وقوله: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال ابن عباس: يعني يمضي قدماً، وعنه: يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة، وقال مجاهد {ليفجر أمامه}: ليمضي أمامه راكباً رأسه، وقال الحسن: لا يلفى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللّه قدماً قدماً إلا من عصمه اللّه تعالى، وروي عن غير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوّف التوبة، وقال ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: {يسأل أيان يوم القيامة}؟ أي يقول متى يكون يوم القيامة، وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون}، وقال تعالى ههنا: {فإذا برق البصر} بكسر الراء أي حار كقوله تعالى: {لا يرتد إليهم طرفهم}، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.
- 1 - لا أقسم بيوم القيامة
- 2 - ولا أقسم بالنفس اللوامة
- 3 - أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه
- 4 - بلى قادرين على أن نسوي بنانه
- 5 - بل يريد الإنسان ليفجر أمامه
- 6 - يسأل أيان يوم القيامة
- 7 - فإذا برق البصر
- 8 - وخسف القمر
- 9 - وجمع الشمس والقمر
- 10 - يقول الإنسان يومئذ أين المفر
- 11 - كلا لا وزر
- 12 - إلى ربك يومئذ المستقر
- 13 - ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر
- 14 - بل الإنسان على نفسه بصيرة
- 15 - ولو ألقى معاذيره
قد تقدم أن المقسم عليه إذا كان منتفياً جاز الإيتان بلا قبل القسم لتأكيد النفي، والمقسم عليه ههنا هو إثبات المعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللَّوَّامة} قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعاً، والصحيح أنه أقسم بهما معاً وهو المروي عن ابن عباس وسعيد ابن جبير، واختاره ابن جرير، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة فقال الحسن البصري: إن المؤمن واللّه ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدماً قدماً ما يعاتب نفسه، وعن سماك أنه سأل عكرمة عن قوله {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال: يلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا، وعن سعيد بن جبير قال: تلوم على الخير والشر، وقال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه، وقال ابن عباس: اللوامة المذمومة، وقال قتادة: {اللوامة} الفاجرة، قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. وقوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه}؟ أي يوم القيامة. أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} قال ابن عباس: أن نجعله خفاً أو حافراً (وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحّاك، قال ابن جرير: أي في الدنيا لو شاء لجعل ذلك)، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: {قادرين} حال من قوله تعالى {نجمع} أي أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج، وقوله: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} قال ابن عباس: يعني يمضي قدماً، وعنه: يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة، وقال مجاهد {ليفجر أمامه}: ليمضي أمامه راكباً رأسه، وقال الحسن: لا يلفى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللّه قدماً قدماً إلا من عصمه اللّه تعالى، وروي عن غير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوّف التوبة، وقال ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: {يسأل أيان يوم القيامة}؟ أي يقول متى يكون يوم القيامة، وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون}، وقال تعالى ههنا: {فإذا برق البصر} بكسر الراء أي حار كقوله تعالى: {لا يرتد إليهم طرفهم}، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {وخسف القمر} أي ذهب ضوؤه، {وجمع الشمس والقمر} قال مجاهد: كوّرا، كقوله {إذا الشمس كوّرت}، وقوله تعالى: {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أي إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: {أين المفر}؟ أي هل من ملجأ أو موئل، قال اللّه تعالى: {كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} قال ابن مسعود وابن عباس: أي لا نجاة، وهذه الآية كقوله تعالى: {ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير} أي ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال ههنا: {لا وزر} أي ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: {إلى ربك يومئذ المستقر} أي المرجع والمصير، ثم قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر} أي يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها كما قال تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً}، وهكذا قال ههنا: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} أي هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} وقال ابن عباس {بل الإنسان على نفسه بصيرة} يقول: سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه. وقال قتادة: شاهد على نفسه، وفي رواية قال: إذا شئت واللّه رأيته بصيراً بعيوب الناس وذنوبهم، غافلاً عن ذنوبه وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوباً: يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، وتترك الجذع في عينك لا تبصره. وقال مجاهد: {ولو ألقى معاذيره} ولو جادل عنها فهو بصير عليها، وقال قتادة: {ولو ألقى معاذيره} ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه، وقال السدي: {ولو ألقى معاذيره} حجته، واختاره ابن جرير، وقال الضحّاك: ولو ألقى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر المعذار، والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين}، وكقوله تعالى: {يوم يبعثهم اللّه جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون}، وقال ابن عباس: {ولو ألقى معاذيره} هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم}؟
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
16 - لا تحرك به لسانك لتعجل به
- 17 - إن علينا جمعه وقرآنه
- 18 - فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
- 19 - ثم إن علينا بيانه
- 20 - كلا بل تحبون العاجلة
- 21 - وتذرون الآخرة
- 22 - وجوه يومئذ ناضرة
- 23 - إلى ربها ناظرة
- 24 - ووجوه يومئذ باسرة
- 25 - تظن أن يفعل بها فاقرة
هذا تعليم من اللّه عزَّ وجلَّ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره اللّه عزَّ وجلَّ أن يستمع له، وتكفل اللّه له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} أي بالقرآن كما قال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} الآية، ثم قال تعالى: {إن علينا جمعه} أي في صدرك، {وقرآنه} أي أن تقرأه، {فإذا قرأناه} أي إذا تلاه عليك الملك عن اللّه تعالى {فاتبع قرآنه} أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، {ثم إن علينا بيانه} أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. عن ابن عباس قال: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي فاستمع له وأنصت، {ثم إنّ علينا بيانه} فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه (أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه). وفي رواية للبخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده اللّه عزَّ وجلَّ، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل اللّه تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (أخرجه ابن أبي حاتم). وقال ابن عباس: كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه، فقال اللّه تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه} أن نجمعه لك {وقرآنه} أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن عباس {ثم إن علينا بيانه} تبيين حلاله وحرامه، وكذا قال قتادة.
- 17 - إن علينا جمعه وقرآنه
- 18 - فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
- 19 - ثم إن علينا بيانه
- 20 - كلا بل تحبون العاجلة
- 21 - وتذرون الآخرة
- 22 - وجوه يومئذ ناضرة
- 23 - إلى ربها ناظرة
- 24 - ووجوه يومئذ باسرة
- 25 - تظن أن يفعل بها فاقرة
هذا تعليم من اللّه عزَّ وجلَّ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره اللّه عزَّ وجلَّ أن يستمع له، وتكفل اللّه له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} أي بالقرآن كما قال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} الآية، ثم قال تعالى: {إن علينا جمعه} أي في صدرك، {وقرآنه} أي أن تقرأه، {فإذا قرأناه} أي إذا تلاه عليك الملك عن اللّه تعالى {فاتبع قرآنه} أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، {ثم إن علينا بيانه} أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. عن ابن عباس قال: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي فاستمع له وأنصت، {ثم إنّ علينا بيانه} فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه (أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه). وفي رواية للبخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده اللّه عزَّ وجلَّ، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل اللّه تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (أخرجه ابن أبي حاتم). وقال ابن عباس: كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه، فقال اللّه تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه} أن نجمعه لك {وقرآنه} أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن عباس {ثم إن علينا بيانه} تبيين حلاله وحرامه، وكذا قال قتادة.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} أي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة، ثم قال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة}من النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة، {إلى ربها ناظرة} أي تراه عياناً، كما رواه البخاري في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عياناً" وقد ثبتت رؤية المؤمنين للّه عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة، في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي هريرة وهما في الصحيحين أن ناساً قالوا: يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟" قالوا: لا، قال: "إنكم ترون ربكم كذلك" (أخرجه الشيخان). وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا" (أخرجاه في الصحيحين)، وفي الصحيحين عن أبي موسى قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى اللّه عزَّ وجلَّ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (رواه البخاري ومسلم). وفي مسلم عن صهيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول اللّه تعالى تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة"، ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (رواه مسلم)، ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عزَّ وجلَّ في العرصات وفي روضات الجنات، وروى الإمام أحمد، عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه اللّه كل يوم مرتين" (أخرجه أحمد والترمذي)، قال الحسن {وجوه يومئذ ناضرة} قال: حسنة، {إلى ربها ناظرة} قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: {ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة} هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد {باسرة} أي عابسة {تظن} أي تستيقن {أن يفعل بها فاقرة} قال مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي: تستيقن أنها هالكة، وقال ابن زيد: تظن أنها ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}، وكقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة}، وكقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية} وأشباه ذلك من الآيات الكريمة.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
26 - كلا إذا بلغت التراقي
- 27 - وقيل من راق
- 28 - وظن أنه الفراق
- 29 - والتفت الساق بالساق
- 30 - إلى ربك يومئذ المساق
- 31 - فلا صدق ولا صلى
- 32 - ولكن كذب وتولى
- 33 - ثم ذهب إلى أهله يتمطى
- 34 - أولى لك فأولى
- 35 - ثم أولى لك فأولى
- 36 - أيحسب الإنسان أن يترك سدى
- 37 - ألم يك نطفة من مني يمنى
- 38 - ثم كان علقة فخلق فسوى
- 39 - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى
- 40 - أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
يخبرتعالى عن حالة الاحتضار، وما عنده من الأهوال، ثبتنا اللّه هنالك بالقول الثابت، فقال تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي} إن جعلنا (كلا) رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عياناً، وإن جعلناها بمعنى (حقاً) فظاهرأي حقاً إذا بلغت التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع (ترقوة) وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق كقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}، {وقيل من راق}؟ قال ابن عباس: أي من راق يرقي؟ وقال أبو قلابة؟ أي من طبيب شاف (وكذا قال قتادة والضحّاك وابن زيد). وعن ابن عباس: {وقيل من راق} قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب (ذكره ابن أبي حاتم عن ابن عباس)؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة، وقال ابن عباس في قوله: {والتفت الساق بالساق} قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وعنه {والتفت الساق بالساق} يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه اللّه، وقال عكرمة: {والتفت الساق بالساق} الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري: هما ساقاك إذا التفتا، وكذا قال السدي عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحّاك: {والتفت الساق بالساق} اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.
- 27 - وقيل من راق
- 28 - وظن أنه الفراق
- 29 - والتفت الساق بالساق
- 30 - إلى ربك يومئذ المساق
- 31 - فلا صدق ولا صلى
- 32 - ولكن كذب وتولى
- 33 - ثم ذهب إلى أهله يتمطى
- 34 - أولى لك فأولى
- 35 - ثم أولى لك فأولى
- 36 - أيحسب الإنسان أن يترك سدى
- 37 - ألم يك نطفة من مني يمنى
- 38 - ثم كان علقة فخلق فسوى
- 39 - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى
- 40 - أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
يخبرتعالى عن حالة الاحتضار، وما عنده من الأهوال، ثبتنا اللّه هنالك بالقول الثابت، فقال تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي} إن جعلنا (كلا) رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عياناً، وإن جعلناها بمعنى (حقاً) فظاهرأي حقاً إذا بلغت التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع (ترقوة) وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق كقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}، {وقيل من راق}؟ قال ابن عباس: أي من راق يرقي؟ وقال أبو قلابة؟ أي من طبيب شاف (وكذا قال قتادة والضحّاك وابن زيد). وعن ابن عباس: {وقيل من راق} قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب (ذكره ابن أبي حاتم عن ابن عباس)؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة، وقال ابن عباس في قوله: {والتفت الساق بالساق} قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وعنه {والتفت الساق بالساق} يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه اللّه، وقال عكرمة: {والتفت الساق بالساق} الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري: هما ساقاك إذا التفتا، وكذا قال السدي عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحّاك: {والتفت الساق بالساق} اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {إلى ربك يومئذ المساق} أي المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: ردوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أُخرى، كما ورد في حديث البراء الطويل، وقوله جلَّ وعلا: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذَّب وتولى} هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذباً للحق بقلبه، متولياً عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطناً ولا ظاهراً، ولهذا قال تعالى: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطّى} أي جذلان أشراً بطراً، لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى: {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين}، وقال تعالى: {إنه كان في أهله مسروراً إنه ظن أن لن يحور} أي يرجع، وقال ابن عباس: {ثم ذهب إلى أهله يتمطّى} أي يختال، وقال قتادة: يتبختر، قال اللّه تعالى: {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى} وهذا تهديد ووعيد من اللّه تعالى للكافر، المتبختر في مشيه، أي يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، وذلك على سبيل التكهم والتهديد، كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم}، وكقوله تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون} وكقوله جلَّ جلاله: {اعملوا ما شئتم} إلى غير ذلك، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى}؟ قال: قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي جهل، ثم أنزله اللّه عزَّ وجلَّ (أخرجه النسائي). وقال قتادة في قوله: {أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى} وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو اللّه أبا جهل أخذ نبيُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمجامع ثيابه ثم قال: "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى"، فقال عدو اللّه أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ واللّه لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً، وإني لأعز من مشى بين جبليها (أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}؟ قال السدي: يعني لا يبعث، وقال مجاهد: يعني لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم الحالتين، أي ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لايبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى اللّه في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد، ولهذا قال تعالى مستدلاً على الإعادة بالبداءة {ألم يك نطفة من مني يمنى} أي أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين {يمنى} أي يراق من الأصلاب في الأرحام {ثم كان علقة فخلق فسوّى} أي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقاً آخر سوياً، سليم الأعضاء ذكراً أو أُنثى بإذن اللّه وتقديره: ولهذا قال تعالى: {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}، ثم قال تعالى: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}؟ أي أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة، بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ كقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}، روى أبو داوود عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها {أليس اللّه بأحكم الحاكمين} فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين؛ ومن قرأ {لا أقسم بيوم القيامة} فانتهى إلى قوله {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} فليقل: بلى، ومن قرأ: {والمرسلات} فبلغ {فبأي حديث بعده يؤمنون}؟ فليقل: آمنا باللّه" (أخرجه أبو داود وأحمد، ورواه الترمذي بنحوه). وعن قتادة قوله تعالى: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأها قال: "سبحانك وبلى" (أخرجه ابن جرير). وكان ابن عباس إذا مر بهذه الآية: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}؟ قال: سبحانك فبلى (أخرجه ابن أبي حاتم).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*76 - سورة الإنسان.
[[font="]مقدمة[/font]][font="]عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: {ألم تنزيل} السجدة و{هل أتى على الإنسان} (أخرجه مسلم في صحيحه)؟[/font]
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
1 - هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا
- 2 - إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا
- 3 - إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟} ثم بيّن ذلك فقال جلَّ جلاله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى: {نبتليه} أي نختبره كقوله جلَّ جلاله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، {فجعلناه سميعاً بصيراً} أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلَّ وعلا: {إنا هديناه السبيل} أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، وكقوله جلَّ وعلا: {وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: "كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها" (رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري)، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب لسانه إما شاكراً وإما كفوراً" (أخرجه أحمد، وقد تقدم في سورة الروم)، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته" (أخرجه الإمام أحمد).
1 - هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا
- 2 - إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا
- 3 - إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟} ثم بيّن ذلك فقال جلَّ جلاله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى: {نبتليه} أي نختبره كقوله جلَّ جلاله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}، {فجعلناه سميعاً بصيراً} أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلَّ وعلا: {إنا هديناه السبيل} أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، وكقوله جلَّ وعلا: {وهديناه النجدين} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي {إنا هديناه السبيل} يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} منصوب على الحال من الهاء في قوله: {إنا هديناه السبيل} تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: "كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها" (رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري)، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب لسانه إما شاكراً وإما كفوراً" (أخرجه أحمد، وقد تقدم في سورة الروم)، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته" (أخرجه الإمام أحمد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
4 - إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا
- 5 - إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا
- 6 - عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا
- 7 - يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا
- 8 - ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا
- 9 - إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا
- 10 - إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا
- 11 - فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا
- 12 - وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا
يخبرتعالى عما أرصده للكافرين من خلقه،من السلاسل والأغلال والسعير وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون}، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً}، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً} أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفاً بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: {يفجرونها تفجيراً} أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الاتباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}، وقال: {وفجرنا خلالهما نهراً} وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيراً} يقودونها حيث شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي يتعبدون اللّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، وفي الحديث: "من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه" (أخرجه البخاري من حديث مالك)، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي يكون {شره مستطيراً} أي منتشراً عاماً على الناس إلا من رحم اللّه، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض.
- 5 - إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا
- 6 - عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا
- 7 - يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا
- 8 - ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا
- 9 - إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا
- 10 - إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا
- 11 - فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا
- 12 - وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا
يخبرتعالى عما أرصده للكافرين من خلقه،من السلاسل والأغلال والسعير وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون}، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً}، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً} أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفاً بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: {يفجرونها تفجيراً} أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الاتباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}، وقال: {وفجرنا خلالهما نهراً} وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيراً} يقودونها حيث شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي يتعبدون اللّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، وفي الحديث: "من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه" (أخرجه البخاري من حديث مالك)، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي يكون {شره مستطيراً} أي منتشراً عاماً على الناس إلا من رحم اللّه، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} قيل: على حب اللّه تعالى لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ابن جرير كقوله تعالى: {وآتى المال على حبه}، وكقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وروى البيهقي عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية يعني امرأته فاشترت عنقوداً بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه (أخرجه البيهقي عن نافع وفيه أنها أرسلت بدرهم آخر فاشترت به فأعطاه للسائل ثم بدرهم ثالث)، وفي الصحيح: "أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر" أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال الحسن والضحّاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، يشهد لهذا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وقد وصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء حتى كان آخر ما أوصى به أن جعل يقول: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: {إنما نطعمكم لوجه اللّه} أي رجاء ثواب اللّه ورضاه {لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: أما واللّه ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم اللّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً} أي إنما نفعل هذا لعل اللّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، قال ابن عباس: {عبوساً} ضيقاً {قمطريراً} طويلاً، وقال عكرمة: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقال مجاهد: {عبوساً} العابس الشفتين، {قمطريراً} قال: يقبض الوجه باليسور، وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول {قمطريراً} تقلص الجبين وما بين العينين من الهول، وقال ابن زيد: العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وقال ابن جرير: والقمطرير هو الشديد، يقال: هو يوم قمطرير ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
قال اللّه تعالى: {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} وهذا من باب التجانس البليغ، {فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم} أي آمنهم مما خافوا منه، {ولقاهم نضرة} أي في وجوههم، {وسروراً} أي في قلوبهم وهذه كقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة} وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه. قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي اللّه عنها: "دخل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه" الحديث. وقوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا} أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم {جنة وحريراً} أي منزلاً رحباً، وعيشاً رغداً، ولباساً حسناً.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
13 - متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا
- 14 - ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا - 15 - ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا
- 16 - قوارير من فضة قدروها تقديرا
- 17 - ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا
- 18 - عينا فيها تسمى سلسبيلا
- 19 - ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا
- 20 - وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا
- 21 - عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا
- 22 - إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا
يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العظيم فقال تعالى: {متكئين فيها على الأرائك} تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال، وقوله تعالى: {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} أي ليس عندهم حرّ مزعج، ولا برد مؤلم، {ودانية عليهم ظلالها} أي قريبة إليهم أغصانها، {ذلّلت قطوفها تذليلاً} أي متى تعاطاه دنا القطف إليه، تدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع، كما قال تعالى: {قطوفها دانية} قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذلّلت له حتى ينالها، وإن اضجع تذلّلت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى: {تذليلاً}، وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، وقوله جلَّت عظمته: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي التي لا عرى لها ولا خراطيم، وقوله: {قوارير من فضة} فالأول منصوب بخبر كان، أي كانت قوارير، والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز، قال ابن عباس: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة، وقوله تعالى: {قدروها تقديراً} أي على قدر رّيهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة، وقال ابن عباس: {قدروها تقديراً} قدرت للكف، وقال الضحّاك: على قدر كف الخادم، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القدر والري.
- 14 - ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا - 15 - ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا
- 16 - قوارير من فضة قدروها تقديرا
- 17 - ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا
- 18 - عينا فيها تسمى سلسبيلا
- 19 - ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا
- 20 - وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا
- 21 - عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا
- 22 - إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا
يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العظيم فقال تعالى: {متكئين فيها على الأرائك} تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال، وقوله تعالى: {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} أي ليس عندهم حرّ مزعج، ولا برد مؤلم، {ودانية عليهم ظلالها} أي قريبة إليهم أغصانها، {ذلّلت قطوفها تذليلاً} أي متى تعاطاه دنا القطف إليه، تدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع، كما قال تعالى: {قطوفها دانية} قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذلّلت له حتى ينالها، وإن اضجع تذلّلت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى: {تذليلاً}، وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، وقوله جلَّت عظمته: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي التي لا عرى لها ولا خراطيم، وقوله: {قوارير من فضة} فالأول منصوب بخبر كان، أي كانت قوارير، والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز، قال ابن عباس: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة، وقوله تعالى: {قدروها تقديراً} أي على قدر رّيهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة، وقال ابن عباس: {قدروها تقديراً} قدرت للكف، وقال الضحّاك: على قدر كف الخادم، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القدر والري.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله تعالى: {ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً} أي ويسقون - يعني الأبرار أيضاً - في هذه الأكواب {كأساً} أي خمراً، {كان مزاجها زنجبيلاً} فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفاً كما قاله قتادة وغير واحد. وقد تقدم قوله جل وعلا: {عيناً يشرب بها عباد اللّه}، وقال ههنا: {عيناً فيها تسمى سلسبيلاً} أي الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلاً، قال عكرمة، اسم عين في الجنة، وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة مسيلها وحدة جريها، وقوله تعالى: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون * إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً} أي يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة {مخلدون} أي على حالة واحدة، مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، وقوله تعالى: {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً} أي إذا رأيتهم في صباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم {حسبتهم لؤلؤاً منثوراً} ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن، قال قتادة: ما من أهل الجنة من أحد يسعى إلا عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه، وقوله جلَّ وعلا: {وإذا رأيت} أي وإذا رأيت يا محمد {ثمَّ} أي هناك يعني في الجنة ونعيمها، وسعتها وارتفاعها، وما فيها من الحبرة والسرور {رأيت نعيماً وملكاً كبيراً} أي مملكة للّه هناك عظيمة، وسلطاناً باهراً، وثبت في الصحيح أن اللّه تعالى يقول لآخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً إليها: "إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها"، وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعاً: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه" فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى؟
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
وقوله جلَّ جلاله: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق} أي لباس أهل الجنة فيها الحرير (السندس) وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، و (الاستبرق) وهو ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، {وحلوا أساور من فضة} وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: {وسقاهم ربهم شراباً طهوراً} أي طهر بواطنهم من الحسد والحقد، والغل والأذى وسائر الأخلق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: إذ انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما، فأذهب اللّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأُخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر سبحانه وتعالى بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن، وقوله تعالى: {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً} أي يقال لهم ذلك تكريماً لهم وإحساناً إليهم كما قال تعالى: {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية}، وكقوله تعالى: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}، وقوله تعالى: {وكان سعيكم مشكوراً} أي جزاكم اللّه تعالى على القليل بالكثير.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
23 - إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا
- 24 - فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا
- 25 - واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا
- 26 - ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا
- 27 - إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا
- 28 - نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا
- 29 - إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
- 30 - وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما
- 31 - يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما
يقول تعالى ممتناً على رسوله صلى اللّه عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن الكريم، {فاصبر لحكم ربك} أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره، وأعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} أي لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللّه فإن اللّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر قلبه، {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً} أي في أول النهار وآخره، {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً}، كقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} الآية، وكقوله تعالى: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً}، ثم قال تعالى منكراً على الكفّار ومن أشبههم حب الدنيا والإقبال عليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم، {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} يعني يوم القيامة، ثم قال تعالى: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم}، قال ابن عباس ومجاهد: يعني خلقهم {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقاً جديداً، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة، وقال ابن جرير: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأتِ بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً}، وكقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز}، ثم قال تعالى: {إن هذه تذكرة} يعني هذه السورة تذكرة، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} أي طريقاً ومسلكاً، أي من شاء اهتدى بالقرآن، {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعاً {إلا أن يشاء اللّه إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: {إن اللّه كان عليماً حكيماً}، ثم قال: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً} أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
- 24 - فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا
- 25 - واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا
- 26 - ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا
- 27 - إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا
- 28 - نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا
- 29 - إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
- 30 - وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما
- 31 - يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما
يقول تعالى ممتناً على رسوله صلى اللّه عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن الكريم، {فاصبر لحكم ربك} أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره، وأعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} أي لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللّه فإن اللّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر قلبه، {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً} أي في أول النهار وآخره، {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً}، كقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} الآية، وكقوله تعالى: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً}، ثم قال تعالى منكراً على الكفّار ومن أشبههم حب الدنيا والإقبال عليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم، {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} يعني يوم القيامة، ثم قال تعالى: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم}، قال ابن عباس ومجاهد: يعني خلقهم {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقاً جديداً، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة، وقال ابن جرير: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأتِ بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً}، وكقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز}، ثم قال تعالى: {إن هذه تذكرة} يعني هذه السورة تذكرة، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} أي طريقاً ومسلكاً، أي من شاء اهتدى بالقرآن، {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعاً {إلا أن يشاء اللّه إن اللّه كان عليماً حكيماً} أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: {إن اللّه كان عليماً حكيماً}، ثم قال: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً} أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
كتاب تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الرابع
*2*77 - سورة المرسلات.
[مقدمة]روى البخاري، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: بينما نحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غار بمنى، إذ نزلت عليه: {والمرسلات} فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فِيهِ، وإن فاه لرطب بها، إذا وثبت علينا حية، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "اقتلوها" فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "وقيت شركم كما وقيتم شرها" (أخرجه البخاري، ورواه مسلم من طريق الأعمش به). وقال الإمام أحمد: ثّنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد اللّه عن ابن عباس عن أمه أنها سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفاً، وعن ابن عباس أن أُمّ الفضل سمعته يقرأ: {والمرسلات عُرفاً} فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول اللّه يقرأ بها في المغرب (أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن الزهري).