(أحمد) أحد الشباب المعروفين في الحي بأدبه وتهذيبه ومشاركته للجميع في أفراحهم وأتراحهم وكان دائماً سباقاً لمساعدة الغير قبل أن يطلبو منه المساعدة وبإختصار كان مثالاً يتمنى كل أب أن يكون إبنه مثله.
وكانت (صفاء) بنت خالة (أحمد) تسكن معهم في المنزل لزوم الدراسة وأهلها في إحدى مدن السودان وتدرس بالمرحلة الجامعية وكان يزورها كثير من زميلاتها في المنزل وأيضاً كانت (صفاء) تكثر الخروج من المنزل الشيء الذي يضايق (أحمد) كثيراً.
كان اليوم خميساً والجميع يستعدون اليوم لزواج إحدى الفتيات في الحي ومن ضمنهم كان (أحمد) يعمل مع أخوان العروس في تجهيز الصيوان ومستلزمات الحفل وكأنه واحد منهم , وقد قسموا العمل بينهم وكان من نصيب (أحمد) تنظيم وجبة العشاء مع الطباخين وتوزيعها على الضيوف .
أتى مساء ذلك اليوم بطيئاً وذهب (أحمد) الى البيت لكي يغير ملابسه ويرتدي حلة أنيقة للحفل وكانت (صفاء) قد حضرت من الكوافير في نفس اللحظة التي وصل فيها (أحمد) أمام البيت ورآها تنزل من عربة وجن جنونه وأسرع تجاهها إلا أن سائق العربة طار بها بأقصى سرعة بعد أن نزلت (صفاء) منها فوقف ينتظرها وسألها عمن أوصلها وعلاقتها به فأجابت بأنه زميلها في الجامعة فطلب منها عدم تكرار الأمر وكظم غيظه الشديد ولكنه صار يحفظ صورة السائق عن ظهر قلب وصادف أن كان أحد أصدقائه في الحي متواجداً في نفس اللحظة في الشارع ورأى كل شيء فأسرع الى (أحمد) بعد أن دخلت (صفاء) الى المنزل وأخبره بمعرفته لسائق العربة وأنه فتى سيء السمعة إسمه (يوسف) ولايرتاد أي جامعة بل يعمل مع والده في محل في السوق وهو طائش ويغري الفتيات بالمال لكي ينال منهن ثم يتركهن فريسة للضياع والفضيحة وحكى له عن كثير من الفتيات اللائي غرر بهن هذا المدعو (يوسف) وتركهن ليصطاد غيرهن فأضمر (أحمد) في نفسه أن يبحث عن (يوسف) هذا ويوقفه عند حده.
بدأ الحفل الكبير بحضور مطرب مشهور في ذلك الوقت وأتى العرسان في زفة أسطورية و(أحمد) يتولى تنظيم العشاء للضيوف وقد قام بواجبه على أكمل وجه وكان أثناء ذلك يذهب الى الصيوان بالخارج ويقف قليلاً يستمتع بالحفل ثم يدخل مرة أخرى الى حيث الطباخين ويتولى عمله وأتت إليه (صفاء) تطلب صحن عشاء لإحدى صديقاتها كما قالت فأعطاها وواصل عمله إلى أن أكمل مهمته وخرج الى الصيوان الكبير وتوجه نحو العرسان لكي يقدم تهانيه لهم ثم دلف على المطرب يحييه ثم وقف قليلاً يرقص مع أصدقائه وفجأة أتى أحد أصدقائه وإقترب منه كثيراً لكي يسمعه وأخبره أن (صفاء) متواجدة مع (يوسف) خارج الصيوان وتركب معه في عربته المتوقفة على الشارع الجانبي وقد حملت له صحن عشاء معها فتذكر (أحمد) ذلك الصحن الذي أعطاها له وشعر بغضب كبير وثارت ثائرته وخرج مسرعاً من الحفل يتبعه ذلك الصديق وعدد من أبناء الحي الذين إنزعجوا من تصرفه السريع ودخل الى الشارع الجانبي ورأى العربة متوقفة في الظلام وداخلها (صفاء) تركب بجانب (يوسف) الذي يتناول عشاءه الذي أعده له (أحمد) .
فتح (أحمد) الباب وأمسك بتلابيب (يوسف) وأخرجه من العربة ودخل الإثنان في عراك دامي وكان (أحمد) قوي البنية عكس (يوسف) الذي كان هزيلاً فصرخ في (أحمد) أن يتركه يذهب ووعده بعدم التعرض لـ (صفاء) مرة أخرى فوقف (أحمد) ممسكاً بـ (يوسف) من أطراف قميصه يستمع الى وعده له وفجأة إقترب (يوسف) من عربته ومد يده في لمحة خاطفة إلى الدرج الأمامي وأخرج منه سكيناً كبيراً سدد بها لـ (أحمد) أربعة طعنات قاتلة وسط ذهول كل الموجودين وإستقل عربته ولاذ بالفرار.
بعد أسبوع من هذا الحدث تم القبض على (يوسف) الذي كان مختبئاً في منزل أحد أقربائه وإدانته بالقتل العمد وحكم عليه بالسجن لعدة سنوات.
بعد شهر من الحادثة تم إستئناف المحاكمة وتدخلت (الواسطة) وعدل الإتهام وتقلص الحكم الى ثلاثة سنوات.
بعد شهرين تم إدخال (صفاء) الى المستشفى بعد محاولتها الإنتحار وهي تحمل طفلاً من (يوسف).
بعد ستة أشهر تدخلت (الواسطة) مرة أخرى وأدخل (يوسف) مستشفى الأمراض العقلية بحجة أنه يعاني من مرض نفسي وبعدها سافر الى خارج السودان...
كان (هو) شاباً نشيطاً ومحباً للحياة مولعاً بالدراسة لدرجة أنه بعد تخرجه من الجامعة درس أكثر من ثلاثة مجالات مختلفة لايربط بينها رابط مهني بل كل همه أن يتعلم كل مايصعب عليه فهمه وكان في ذلك اليوم سعيداً بوضعه الجديد الذي ناله بعد أن أكمل دراسته في ذلك المعهد ونال شهادته مع شهادة تقدير ومكافأة كبيرة لحصوله على المركز الأول على دفعته .
فذهب الى البيت فرحاً مسروراً وبعد ذلك قضى أسبوعه الأول كله يحكي لأصدقائه عن تفوقه في ذلك المعهد وكيف أنه تعب كثيراً حتى نال المركز الأول وقد كان محبوباً من أصدقائه متميزاً بينهم .
بعد اسبوعين من ذلك التاريخ كان موعوداً بإحتفال ضخم تعود صاحب ذلك المعهد على إقامته لكل دفعة تتخرج من عنده فذهب (هو) الى موقع الحفل وتفاجأ بجمع غفير من الناس وبعد انقضاء الحفل دعاه مدير المعهد الى محادثة خاصة بينهم فذهب اليه وتكلم معه كثيراً ثم انتهت المحادثة بتعيين (هو) موظفاً بشركة كبيرة يملكها صاحب ذلك المعهد فكانت فرحة (هو) فرحتان.
داوم (هو) على عمله الجديد بكل نشاط الى أن تميز فيه تميزاً واضحاً فدعاه المديرمرة أخرى الى مكتبه وأسند اليه مهمة تدريب الموظفين الجدد الذين يتم تعيينهم بعد تخرجهم من المعهد فكان أشد سعادة بهذا التميز الجديد الذي حصل عليه فأخذ يدرب الموظفين الجدد دفعة بعد دفعة وشهراً بعد شهر الى أن أتى يوم وحضرت (هي).
كانت صديقة لإحدى الموظفات الجدد بالشركة ويشرف على تدريبها (هو) وكانت من المميزات في مجالها .
نظر الى (هي) واندهش أن يكون في العالم مثل هذا الجمال.
جمال صارخ الى أبعد مدى وهاديء الى درجة السكون .
جمال اذا حاولنا مقارنته بأي شيء آخر في هذه الدنيا لن نصيب أكثر من ربع الحقيقة.
جمال يتغلغل في روحك ويسري مع مجرى الدم الى أوردتك ليجعلها تتنتشي فرحاً حتى يرتفع ضغط دمك وتندهش عيناك طرباً حتى تكاد تخرج من محاجرها.
وجد (هو) نفسه ينظر الى تلك الفاتنة التي تبدو عليها مظاهر الثراء والنعمة وانتبه أخيراً لزميلته وهي تعرفه علىها فمد يده ليصافح كفاً لم تمس من قبل أو كأنها كذلك .....
نطق كلمات الترحيب بصعوبة بالغة وبصوت كالحفيف كأن شيئاً قد سد مجرى التنفس لديه وأغلق حنجرته فجعله يجاهد جهاداً كبيراً ليجعل صوته مسموعاً.
نطقت (هي) اسمه: أهلاً يا.... وكأنه لم يسمع اسمه من قبل فأبتسم لها ودخل الى القسم الآخر من الشركة.
لفت نظره الحياء الشديد لدى تلك الفاتنة والأدب والتهذيب الواضح جداً رغم مظاهر الثراء الملفتة فخرج الى الشارع ليتنسم بعض الهواء ويستعيد رباطة جأشه فوجد بالخارج عربة كبيرة سوداء من أرقى وآخر الموديلات التي لم يراها إلا في شاشة التلفزيون ولوحات الإعلانات الكبيرة بالشوارع وبداخلها سائق ينتظرها
في اليوم الثاني كان قد عرف قصتها من زميلته الجديدة في العمل وعرف أنها البنت الوحيدة لعائلة معروفة وكبيرة جداً ومشهورة لعمل أفرادها في مهنة صياغة وبيع الذهب وقد ماتت أمها بعد صراع طويل مع المرض وتركتها لأبيها الذي كرس حياته لتربيتها ورعايتها فكانت الإبنة المدللة التي نشأت في محيط يحبها ويحترمها جداً بعد أن كتب لها والدها كل أملاكه بإسمها بل أنه ضم شركاته كلها في مجموعة واحدة وسماها بإسمها.
أتى (هو) في ذلك اليوم الى مكتبه ليفاجأ بزميلته تذف اليه خبر التحاق (هي) بذلك المعهد لتدرس في نفس مجال عملهم وبعد شهرين أتت (هي) الى الشركة لتتدرب على العمل رغم أنها ليست في حاجة له ولكن فقط لقضاء وقت فراغها بجانب صديقتها وأيضاً لجو الزمالة والاخوة الرائع الذي وجدته في محيط هذه الشركة كما قالت لصديقتها
مضى شهر صارت فيه نجمة الشركة فقد استطاعت أخيراً الانسجام مع زملائها وتم تعيينها بصورة رسمية وصارت تتحدث مع الجميع وتصادق الجميع وكان (هو) في مقام أخيها يحميها من تعليقات هذا ويصرف عنها أذى آخر حتى صارت علاقتهم حديث الشركة رغم أنها بالنسبة اليه علاقة صداقة عادية لا تتجاوز ذلك بأي حال من الأحوال بل لم يستطيع أن يحس بأكثر من ذلك أو هكذا أرادها أن تكون.
كانت تأتي يومياً الى العمل بعربتها الفاخرة يقودها سائقها وأحياناً يقودها والدها ويأتي آخر اليوم لإعادتها الى المنزل حتى أتى يوم سألت قائلة :
(هي) : رأيك شنو الليلة أوصلك معاي بيتكم ؟؟
(هو) : شكراً لكن أنا متعود أركب المواصلات وماعايز أتعبك معاي
(هي): ياخي بطل الحركات دي وتعال أركب
(هو) : لا مافي طريقة وبعدين أنا عندي مشوار تاني
(هي) : طيب يللا مع السلامة أشوفك باكر
(هو) : مع السلامة
وفي اليوم الثاني عند نهاية الدوام تفاجأ بأنها قد أمرت سائقها بالعودة من دونها فسألها :
(هو) : ليه مشيتي السواق ؟ كيف حتوصلي بيتكم ؟؟؟
(هي) : الليلة نفسي أركب المواصلات .... عارف أنا أصلو ماحصل ركبت مواصلات قلت الليلة أجرب
(هو) : والله غريبة لكن مافي مشكلة طيب يللا عشان الزحمة ...
وأصطحبها في مشوار طويل الى موقف الحافلات وكانت تسير وهي مستغربة من كل ماحولها من أشياء معروضة على الأرض وأشخاص ينادون على بضائعهم بأصوات وبائعي الماء وماسحي الأحزية وكأنها آتية من كوكب ثاني خارج الكرة الأرضية أو على الأقل خارج هذا البلد.
وصل الإثنان الى الموقف وكان مزدحماً وأتت الحافلة وتدافع الناس فكان (هو) أول الواصلين الى المقاعد الأمامية فيها وقام بحجز مقعد لها ونادى عليها فأتت وركبت بجواره وكان أجمل مشوار بالحافلة في حياتها كما قالت رغم أن بيتها لايبعد كثيراً عن هذا المكان وبعد أقل من عشرة دقائق نزلت الى بيتها وواصل مشواره .
ظلت مداومة على ركوب المواصلات التي عشقتها - كما قالت - وصار يحكي لها عن حياته وحتى الخاصة منها وصار بالنسبة لها كالمعلم وهي كالتلميذ لذي يكتشف الدنيا لأول مرة بما يعلمه له أستاذه فكان يحكي لها عن علاقاته مع الفتيات وهي مستمتعة بالحديث وكأنها قصص خرافية حدثت في زمان غير زماننا وفي يوم اعتذر لها عن عودته معها لأنه مرتبط بمواعيد مع فتاته فسألته :
(هي) : وين مواعيدك ؟؟
(هو) : في الحلة جمبنا
(هي) : وحتمشو وين ؟
(هو) : نحوم في الحلة شوية ونتمشى وبعدين كل واحد يرجع بيتهم.
(هي) : طيب وحتتلاقو وين ؟؟
(هو) : في المظلة الفي المحطة الجمبنا
(هي) : يا..... عارف.... نفسي تواعدني في مظلة وأحوم معاك كثير ونرجع
(هو) ضاحكاً : مافي مشكلة .. حأشوف مظلة قريبة منكم وأواعدك فيها المرة الجاية
ثم ضحك الإثنان وراح كل منهم في حال سبيله . وهكذا كانت العلاقة بينهم الى أن أتى يوم قالت له فيه :
(هي) : أمبارح جاتني عمتي تخطبني لي ولدها وانا ماعارفة أقول شنو لأبوي
(هو) : وود عمتك دا أخلاقو كيف وعامل شنو وشغال شنو ؟؟؟
(هي) : والله هو زول كويس بس أنا ماعارفة ... ماحابه أتزوج بالطريقة دي
(هو) : طيب كلمي أبوك وصارحيهو بالكلام دا وهو حيفهم.
(هي) : طيب عمتي ماحتزعل مني ؟؟؟
(هو) : والله أنا ماعارف لكن أعتقد إنو أبوك بيعرف كيف يفهم أخته الكلام دا .
(هي) : طيب أنا حأعمل بكلامك وأشوف
وبعد أيام من هذ الحديث أتت وقالت له أن والدها قد أخبر عمتها وأنها تفهمت ذلك .
وفي مابعد من الأيام مرت مواقف كثيرة كانت تطلب فيها العون منه حتى عندما يعلن لها أحد الزملاء أو حتى الآخرين خارج العمل عن إعجابهم بها كانت تأتي اليه وتشاوره في الموضوع وكان دائماً يعطيها رأياً وكلاماً أو رداً ترد به على من تقدم لها وفي كثير من الأحيان كانت تخالفه الرأي وترفض من تقدم لها بدون إبداء الأسباب حتى مرت سنتان على هذه الحال وهي ترفض كل من يتقدم لها وفي يوم أتاها بخبر عزمه السفر الى خارج السودان وكان وقع الخبر عليها شديداً لم يتوقعه وسافر بعد أن أقامت له حفلة وداع ضخمة دعت اليها كل العاملين بالشركة وأصدقائهم وصديقاتها .
بعد ذلك صارت تراسله بالخطابات وتشاوره كلما طرأ جديد على حياتها وصارحته بأنه صار مثال تقيس عليه كل من يتقدم لها وأنها وجدتهم جميعاً مختلفين عنه وأن فيه صفات لم تجدها فيهم وقالت له في احد خطاباتها أنها لن ترضى بأي مخلوق ليس مثله ووصلت في احد الخطابات الى أن قالت له أنها تتمنى أن ترتبط به شخصياً فرد عليها في خطابه بأنه سعيد بمثل هذا القول ولكن الذي بينهما مجرد صداقة لايمكنه تجاوزها ولا تجاوز الفارق بينه وبينها وأنه يتمنى ذلك ولكنه لايستطيع فردت هي بخطاب آخر قالت فيه أنها لاترى أي فوارق بينهم بل وصلت بها الحال أنها زارت أهله وتعرفت عليهم وصارت صديقة لأخواته البنات ولوالدته وظل (هو) متمسكاً بمبدأ أنه غير مكافيء لها مادياً وأنه يعتز بصداقتها وليس أكثر من ذلك.
وفي يوم كان (هو) في إجازته السنوية التي كان يقضيها بدولة الإمارات وصله اتصال من السودان وكانت المفاجأة أنها المتصلة وكانت تبكي قائلة:
(هي) : يا ...... أبوي مات ماعندي زول تاني غيرك في الدنيا دي
وبعد أن واساها في وفاة والدها وهدأت (هي) قليلاً قال لها :
(هو) : استغفري وقولي الحمدلله الناس حولك كلهم خالاتك وعماتك واعمامك وأنا ان شاءالله معاك طوالي
(هي) : لا إنت أهم واحد فيهم ... إنت أخوي وأبوي وعمي وأي حاجة بالنسبة لي وإنت عارف أنا بحبك بس ماعايز تعترف وأنا عارفة إني ماعاجباك ..
(هو) : لا والله ماحكاية ماعاجباني ... إنتي صديقتي وفي مقام أخواتي وأنا بإذن الله ماحأقصر فيك أبداً وتهمني سعادتك وراحتك ...
(هي) : لو بتهمك سعادتي تعال السودان وكفاية غربة وخلينا مع بعض ... لأني ماشايفة أي زول زييك وإنت بقيت عقدتي الماقادرة أتخلص منها لأنك علمتني كيف أعيش مع الناس وكيف أصادقهم .. إنت علمتني الحياة وكل التفاصيل الجميلة .. أرجوك تفهمني.
(هو) : يابت الناس والله العظيم أنا فاهمك بس ماقادر أختك في مكان غير المكانة دي يعني ماعايز أخدعك وأغشك إنتي بتستاهلي اكثر من كدا بتستاهلي زول أحسن مني
هكذا كانت المكالمات بينهم واستمرت لفترة من الزمن ومرت السنين وهي على حالها وانتقلت إليها كل ثروة والدها بعد أن كان عمها وصياً عليها فأنشغلت بإدارة أعمالها وشركاتها ولم تنسى أن تتصل به كل فترة لتطمئن على أحواله وتزوج (هو) في غربته من فتاة يحبها وسمعت بزواجه واتصلت به تقدم له التهاني ثم تزوجت هي أخيراً من أحد أقربائها ومن شهر العسل إتصلت به وقالت له أنها كانت تتمنى أن يتزوجها هو لأنها لاتحس ناحية زوجها بأية مشاعر أو عاطفة وتخاف أن تظلمه معها وثم قدمت له عرضاً أن ينهي غربته ويأتي ليستلم إدارة جميع أملاكها شريكاً وله النصف في كل ماتملك وطلبت منه الا يرد الآن بل يفكر في الأمر وهي في إنتظار رده بعد شهر من تاريخه وأغلقت الخط.....
رقيقة وهادئة وعليها كل وقار الكون, كانت دائماً تأتي في نفس الساعة بالناحية الأخرى من الشارع وبنفس الطريقة زاتها تمسك بيدها اليمنى طفلة صغيرة تمشي بجانبها - أظنها أختها - وفي اليسرى حقيبة الطفلة التي توصلها يومياً الى رياض الأطفال القريبة من مكان تواجدي في تلك الصباحات الرائعة.
كانت ملامحها جادة في بشاشة ومنطلقة في غير تهور وضاجة بكل موسيقى الدنيا ولكن في أدب جم.
لفت نظري مشيتها المتزنة والتي لوشاءت لجعلتها تلوي أصلب الأعناق وأقواها , وكبرياءها يالهذا الكبرياء الذي يظهر جلياً في ارتفاع جبينها الى الأعلى وكأنها تقول لكل من يشاهدها: ليس من شيمتي الالتفات لصغائر الأمور.
صرت أراقبها يوماً بعد يوم وأنتظر مجيئها الذي يمكن أن تعيد ضبط ساعتك على موعده ,
كنت أتمنى شيئا واحدا فقط وهو أن أتكلم معها لأسمع صوتها ثم كنت راغباً بشدة في رؤية إبتسامتها.
ثم جاء يوم تجرأت أنا وتجاوزت الشارع ووقفت في الجانب الآخر حيث تأتي دائماً وكانت قد أتت قبلاً لتوصل أختها وكنت أعلم أنها سترجع بنفس الطريق وقد حدث ماتوقعت .
وعندما رأيتها آتية وقفتُ في طريقها من بعيد وكان الصباح مغيماً جميلاً مما زاد الجو شيئاً من الرومانسية وعندما وصلت هي الى حيث كنت واقفاً تمنيت أن ترفع عينها من الأرض وتنظر الى هذا المجنون الذي ينتظرها هنا ولكنها لم تفعل ,
فوقفتُ في طريقها فوراً ففزعت هي ووقفت تنظر الي بأجمل عيون رأيتها على الإطلاق ووسط دهشتها واستغرابها من هذا الموقف وخوفها أيضاً من هذا الغريب الذي اعترض طريقها دون سابق معرفة أو إنزار وسط هذا كله قلت لها سريعاً: انا - دقيقة يا أخت ماتخافي .. والله والله والله ماعايز منك أي حاجة إطمئني خالص هي - صمت ... ولا زالت تنظر بخوف وإستغراب أنا - يا بت الناس والله العظيم دي مامعاكسة ليك ولا حركات شوارع انا زول كويس و ودناس وعندي 3 أخوات قدرك وماصعلوك ولاعايز منك اي حاجة وحتى ولاعايز أعرف إسمك ولا ساكنة وين ولابتقري وين إتفقنا؟؟ هي - بعد تردد .. طيب إتشرفنا ...خلاص انا ماشة .. ممكن تبعد شوية ؟؟
أنا - ياخي مامشكلة حتمشي وما حأمشي وراك ولامعاك أنا بس عايز منك طلب ممكن؟؟ هي - طلب شنو ؟؟ وبتعرفني من وين عشان تطلب مني أي شيء ؟؟
أنا - يابت شوفي نحن في الشارع وأنا ماعايز الناس تقول إني بضايقك أو بعاكسك أنا يازولة شايفك كل يوم ماشة بي هنا وراجعة برضو بي هنا وانا محلي ياهو داك البي الناحية التانية داك وشايفك مابتتلفتي حتى ولا بتعايني وكأنك ماشة براك في الشارع دا ... وبصراحة أي حاجة فيك عاجباني لكن ماعايز منك حاجة ودا ما حنك ولا (كسير تلج) لكن بتمنى بس لو تسلمي علي وإنتي ماشة بي هنا أو راجعة وماعندي مشكلة حتى لوتعايني ناحية المحل بعيونك بس .. أنا بعتبرها كأنك سلمتي وتأكدي تماماً ماعندي أي نية سيئة معاك ولا حيحصل .. واعتبريني ان شاءالله أخوك أو ودجيرانكم أو أي زول بس.. ياخي السلام دا زاتو سنة الإسلام .. يعني لو أنا سلمت عليك أنتي مجبورة تردي لأنو رد السلام فرض وانا مابقدر أقيف ليك هنا كل يوم عشان أسلم عليك .. أختك تقول شنو؟؟
وعليك الله ماتجي مارة بي هنا بدون ماتسلمي .. لأني والله العظيم بعد الكلام دا كلو لو ماسلمتي .. ماحاقدر أقعد في الحتة دي وحأرحل من هنا فوراً وأبيع المحل زاتو ولو مامصدقاني جربيني بكرة الصباح.
وهنا تركتها واقفة في مكانها ورجعتُ الى حيث كنت اجلس في الكرسي الكبير أمام المحل وعندما التفتُ اليها وجدتها قد ذهبت في طريقها.
وفي صباح اليوم التالي أتت تلك العابرة بنفس طريقها وطريقتها وفي معيتها تلك الطفلة وبنفس التفاصيل ولم تلقي التحية علي كما طلبت منها ولكن خُيِل الي وكانها قد لوحت بشبح إبتسامة على ثغرها الفتان ولم أصدق نفسي وانتظرتها الى حين ترجع وكانت كعادتها لاتلتفت الى اي جهة سوى أمامها وفي آآخر لحظة وهي تمر أمامي لاحت منها التفاتة صغيرة جداً ومعها تحية صغيرة جداً بثلاثة من أصابع يدها اليمنى مقرونة بإبتسامة شعت كالبرق في ذلك الصباح وأحالت كل الشارع الى مهرجانات واعياد.
مرت شهور على هذا الحال داومت فيها تلك العابرة على تحيتي كل يوم ولم احاول ولا مرة من المرات أن اتقرب اليها أو أخطب ودها بل إكتفيت بهذه الإشارة من يدها أحياناً أو الإبتسامة الخلابة الخجولة أحياناً أخرى أو تلك الإيماءة المدروسة حين تكون في عجلة من امرها ولم أدري ما إسمها الى هذا اليوم إلا انني من نفسي قد سميتها ( تحية ) .
لك التحية أينما كنتي ايتها العابرة (تحية)
ولك الاشواق ولتحيتك الرائعة التي تحيي موات القلوب.
ولك الأمنيات بالتوفيق أينما حل بك قطار الحياة السريع.
ولك التقدير والإحترام بقدر ما تلونت صباحاتي بتحياتك العطرة.
والســــــــــــــلااااااااااااام
و..............الباقي على الله
الرجل الخلوق
الرجل الكلس
ايا صاحب العظمة
ودالدرديرى
لك الف تحية ولهاالاف التحايا لجعلنا نتأرجح فى صمت غاتم
وننصت اليك فى سكون تام وسبحنا معك نحو تيار هادئ
فما أروعك ومااروع محطاتك لك خالص التحايا
ارمى ،،،ـــــاكت ونحن من خلفك
فانا عند اول محطة لك
دمت بودى
ا،،،ـــــارو
رجل وقور يبدو على محياه أثر النعمة والراحة توحي لك عيناه بألف خاطر وخاطرة تألفه من أول لقاء وكأنك تعرفه منذ أمد بعيد .
التقيته في مكان هاديء بعيد عن ضوضاء المدينة رغم أنه جغرافياً يكون جزءاً منها وبجوار النيل الذي كنا نسمع سريان ماءه من مجلسنا ذاك وقد كان القمر بدراً يرسل شلالاً من الفضة على الأرض الرمـلية تحتنا ويعكس خيالاتنا وكأننا حجيج يؤدون آخر فروض طواف الوداع.
كانوا اثنين وقد اصبحت ثالثهم وكان ذلك الوقور المشهور قد أتى ليعايد صاحب الدار الذي كنت أعايده أنا ايضاً وبصفته أحد أصدقائي الحميمين وكان العيد معنا .
وكانت مفاجأة لي أن التقيه وأين ؟؟ هنا في هذا المكان البعيد وقد أكبرت فيه هذا التصرف الحميد بزيارة صديقه وهو الرجل المشهور الذي يعرفه أغلب السودانيين لو لم يكونوا جميعهم ويأتي ذكره في أجهزة الإعلام المختلفة ويرتبط إسمه دائماً بالمناسبات السعيدة حيث كان شاعراً غنائياً لايشق له غبار .
جلست الى جانبه أستمع الى حديثه الذي ينتقي كلماته بعناية فائقة
حديث الذكريات الذي فتح أمامي ألف باب لمعرفة تاريخ الأغنية السودانية ومعرفة شعرائها حيث كان المضيف صاحب الدار هو أيضاً أحد رواد الكلمة واللحن الجميل وأحد رواد مطربي حقيبة الفن الجميل وآخر من بقي على قيد الحياة منهم رغم اعتزاله المبكر للفن.
كان يوماً عجيباً عرفت فيه قامة لايجود الزمان بمثلها الا نادراً وصار ذلك الفخم صديقي وصارت علاقة بيننا محببة افتقده إذا غاب ويفتقدني إن غبت.
كانت تلك الفترة من حياتي محطة توقفتُ فيها كثيراً وتمتعتُ بقرب ذلك الرجل القامة ذو الكلمات الفارهة والألحان العذبة حيناً من الدهر الى أن أصاب الجمع سهم الغربة القاتل ففرق بيني وبين هؤلاء الرائعين العظماء.
لك التحايا أيها الرائع الأستاذ الشاعر الكبير / عبدالله النجيب أينما كنت على هذه الأرض الواسعة ولك التمنيات بدوام الصحة والعافية بقدر ما متعتنا بكلماتك الجميلة واغانيك المحببة .
ولييييييييييييييي قداااااااااااااااااااااام
و..........الباقي على الله
حبيبنا ودالشيخ
اسعدنى بأن اتواجد بين كل حين وأخر
وأن اكون معك فى هذه المحطات
واصل ايها المبدع
واقول لك بكل محب واذناً صاغية
تحرك فلايوجد احد يحب النزول فى هذه
المحطة سوف نواصل معك
قد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا
هل تذكرون صديقي (داؤود) ذلك الفتى شديد السمرة المنحدر من قبيلة الزاندي بجنوب السودان ؟؟؟
اني والله لأتذكره دائماً فقد كانت تجربته هي إحدى ركائزي التي اعتمد عليها في السعي لتحقيق الأهداف فصار نموذجاً أقلده وأحتذي به كثيراً كما أعتز بصداقته رغم ابتعادنا عن بعضنا لدهر طويل.
شاء المولى أن نلتقي من جديد ولكن في مكان آخر وظروف مختلفة عما كان في الماضي واليكم القصة :-
قبل ثلاثة أعوام من الآن كنت في مهمة عمل في إحدى دول الخليج وقد تقرر لرحلتي مدة أسبوعين ولكن نسبة لكثرة المهام المكلف بها طلبت من الإدارة تمديد أيام الرحلة فصارت عشرين يوماً قضيتها بين إنجاز مهامي و التمتع بجمال وطبيعة ذلك البلد العربي الرائع وكان للأخيرة نصيب الأسد في هذا طبعاً .
وفي يوم من الأيام كان جدولي يحتوي على إجتماع عمل مع إدارة إحدى الشركات في أحد أفخم الفنادق من فئة الخمسة نجوم في ذلك البلد ويعتبر من أشهر العجائب فيه , فذهبت باكراً قبل الموعد بأكثر من ساعة عسى تسنح لي الفرصة للتجول داخله وجمع بعض التذكارات التي هي من ضمن هواياتي المحببة.
دخلت الى الردهة الرئيسية وهالني مارأيته من جمال وتطور وقدرات وإمكانيات وتمنيت أن يصبح السودان في مثل هذا التطور والرقي والجمال وفجأة لفت نظري تواجد أحد الأخوة من أبناء بلدي الحبيب فذهبت وتعرفت عليه وعرفت منه أنه يعمل مرافقاً ومترجماً لشخصية مؤثرة في هذا البلد وقد أتى برفقته للإجتماع مع وفد أجنبي في موضوع يخص وزارة البترول وقد كانت تلك الشخصية المؤثرة تشغل منصب وزير البترول في هذا البلد الخليجي الجميل.
فجلست برفقته لنصف ساعة وودعته ومضى في حال سبيله ثم حانت مني التفاتة سريعة لمحت فيها الوفد الأجنبي يدخل الى القاعة الرئيسية للفندق ويتبعه عدد من رجالات الأمن من الرتب العالية وأمامهم عدد من الأشخاص يرتدون الزي الخليجي المميز يسيرون أمامهم على صفين ويتوقفون عند مدخل الصالة الرئيسية للإجتماعات ثم يصطفون على اليمين واليسار ويفسحوا المجال لذلك الوفد كي يمر الى القاعة وهم يلوحون بعلم ذلك البلد الخليجي والعلم الأمريكي .
دققت النظر ملياً فقد انتابني احساس غريب في تلك اللحظة وشعرت أن أطول واحد في ذلك الوفد الأمريكي ليس بغريباً علي وقد كان زنجياً عالي الهامة مرتفع الرأس يمشي بخيلاء أمام الوفد ويبدو أنه أهم فرد في هذه المجموعة من الإحترام الواضح له من قبل باقي الفريق فدققت النظر مرة أخرى وعرفته وكانت مفاجأة داوية .....
إنه (داؤود) صديقي الجميل من ذلك الزمن الجميل الذي أخبرتكم عنه أصبح الآن شخصاً تنحني له الجباه إحتراماً ويفسح له المجال كي يمشي أمام الناس ومن خلفه كاميرات الإعلام والتلفزيون .
لم أتمالك نفسي من المفاجئة الرهيبة وصحت بأعلى صوتي (داؤوووود) فألتفت إلي وهو عند مدخل القاعة ويبدو أنه لم يتبين ملامحي جيداً وواصل طريقه ثم أغلق رجال الأمن باب القاعة ففرحت الى درجة أن صرت أبتسم لنفسي رغم أنه لم يعرفني إلا أنني تأكدت من إلتفاتته تلك أنه صديقي القديم الذي إنقطعت أخباره عني من زمن طويل ولكنه لم يغيب عن خاطري ولو للحظة.
حانت ساعة إجتماعي الذي أتيت من أجله وقد كان في قاعة أخرى داخل الفندق ولكنها طبعاً لم تكن في مثل هيبة تلك القاعة التي دخلها (داؤود) وذهبت وأنهيت مهمتي سريعاً وعدت مرة أخرى الى الجهة التي بها القاعة الكبرى وسألت أحد العاملين عن الوفد الأمريكي وهل غادر أم لازال في إجتماعه فأجابني أنه لازال بالقاعة وجلست أنتظر ومرت أكثر من ساعة حتى خرج أخيراً أفراد ذلك الإجتماع ورأيت صديقي العزيز يخرج أولاً بعد رجال الأمن ويده ممسكة بيد ذلك الوزير وحاول أحد أفراد الأمن إبعادي عن المكان فلم ألقي له بالاً ورحت أنادي على صديقي (داؤود) وسط دهشة العاملين والوفد المرافق فحانت منه إلتفاتة ورأيته يبحث عني حتى إلتقت أعيننا في لحظة واحدة فأبتسم لي إبتسامة لازلت أتذكرها الى هذه اللحظة لكنه لم يأتي إلي بل اقترب من أحد المرافقين له وأسر له شيئاً في أذنه وأشار الى مكان جلوسي برأسه ثم واصل في طريقه الى خارج الفندق .
أتاني ذلك المرافق وأخذ مني عنواني ورقم هاتفي ومضى مسرعاً ليلحق بالركب الكبير الذي غادر الفندق بتلك السيارات الفارهة.
في نفس ذلك اليوم وبعد صلاة العشاء أتاني (داؤود) وحده هاشاً باشاً كعادته مبتسماً نفس الابتسامة التي عرفته بها وعانقني عناقاً حاراً وبكى كثيراً وجلس يسألني عن أحوالي وعملي وأسرتي ثم بدأ يحكي قصته التي بدأت منذ وطئت أقدامه أرض أمريكا وكيف أنه التقى بوالدته ووجدها متزوجة من أمريكي زنجي بعد وفاة والده وتعمل في مجالها كمعلمة في احدى الجامعات وحكى لي كيف واصل دراسته وتعليمه الى أن نال أعلى الشهادات ثم تخصص في هندسة البترول ونال شهادة الدكتوراة من أرقى الجامعات ثم حصل على الجنسية الأمريكية وعمل بشركة بترولية وتدرج فيها الى أن صار المدير الاقليمي لها ثم صار مسؤولاً عن مشاريع تلك الشركة في جميع دول الشرق الأوسط وهاهو الآن قد أتى لمتابعة مشروع جديد لشركته في هذه الدولة الخليجية ولم ينسى أن يذكرني ويسألني عن جميع الذين عرفهم بالسودان كما اتصل بوالدته وأخبرها بتلاقينا فتكلمت معي كثيراً ....
قضى معي (داؤود) ثلاثة أيام كانت من أجمل الأيام التي عشتها في ذلك البلد الخليجي ثم أعطاني عنوانه وأرقام هواتفه وهواتف والدته في أمريكا وودعني ومضى كل منا في حال سبيله.
رعاك الله صديقي الجميل وسدد خطاك وهداك الى الخير أينما كنت ورعى الله والدتك وأهلك وزوجتك التي إخترتها من بلدك الأم الحبيب الى نفسك الذي لن تنساه أبداً ولن ينساك أبناؤه