قال ابن القيم رحمه الله يصف حال الحجيج في بيت الله الحرام:
فللـه كـم مـن عبـرة مهراقـة وأخرى على آثارها لا تقـدم
وقد شـرقت عيـن المحـب بدمعها فينظر من بيـن الدموع ويسحمُ
وراحوا إلى التعريف يرجون رحمته ومغفـرة ممـن يجـود ويكـرم
فللـه ذاك الموقف الأعظـم الـذي كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم
ويدنـو بــه الجبـار جل جلالـه يباهـي بهم أملاكـه فهو أكـرم
يقول عبـادي قـد أتونـي محبـةً وإنـي بهـم بـر أجـود وأكرم
فأشـهدكم أني غفـرت ذنوبهــم وأعطيهـم مـا أملـوه وأنعـم
فبشراكم يا أهـل ذا الموقف الـذي به يغفـر الله الذنـوب ويـرحم
فكـم من عتيـق فيـه كمُّل عتقـه وآخـر يستسعي وربـك أكـرم
أحبتـي عـاد ذهنـي إلى زمــنٍ معظمٍ في سـويدا القلب مستطـر
كأننـي برســول الله مرتديــاً ملابـس الطهـر بين الناس كالقمر
نـور وعـن جانبيه من صحـابتـه فيـالـقٌ وألـوف الناس بالأثـر
ساروا برفقة أزكى مهجةٍ درجــت وخيـر مشـتملٍ ثوبـاً ومؤتـزر
ملبيـاً رافعـاً كفيــه فـي وجل لله فــي ثـوبِ أوّابٍ ومفتقـر
مُرنمـاً بجـلال الحـق تغلبـــه دموعـه مثل وابل العارض المطـر
يمضـي ينـادي خذو عني مناسككم لعل هـذا ختـام العهد والعمُـر
وقـام فـي عرفـات الله ممتطيـاً قصـواءه يالـه مـن موقف نضِر
تأمل الموقف الأسـمى فمـا نظرت عينـاه إلا لأمــواج من البشـر
فينحنـي شــاكـراً لله منّتَــه وفضلـه من تمـام الدين والظفـر
يشـدو بخطبتـه العصمـاء زاكيةً كالشهد كالسلسبيل العذب كالدرر
مجليـاً روعة الإسلام فـي جمـلٍ من رائع من بديـع القول مختصـر
داعٍ إلى العدل والتقـوى وأن بهـا تفاضل الناس لا بالجنس والصـور
مبينـاً أن للإنسـان حرمتـــه ممرغـاً سـيّء العادات بالمــدر
يا ليتني كنت بين القوم إذ حضروا مُمَتَّعُ القلـب والأسماع والبصـر
وأنبـري لرســول الله ألثُمُـهُ علـى جبيـنٍ نقـي طاهر عطـر
أقبِّل الكف كف الجود كم بذلت سحّاء بالخـير مثل السلسـل الهدر
ألـوذ بالرّحـل أمشـي في معيته وأرتـوي مـن رسول الله بالنظـر
أُسّـر بالمشي وإن طال المسير بنا وما انقضى من لقاء المصطفى وطـري
أمـا الرداء الذي حج الحبيب به يا ليته كفن لي في دجـى الحُفـر
يا غافـلاً من مزاياه وروعتهـا يَمّـم إلى كتُـبِ التاريخ والسـير
يا رب لا تحرمنا مـن شفـاعته وحوضه العذب يوم الموقف العَسِـرِ
وقال الأديب أبي بكر محمد بن محمد بن عبد الله بن رشد البغدادي في ذكر البيت والطواف :
ففي ربعهـم لله بيت مبارك *** إليه قلوب الخلق تهوى وتهواه
يطوف بـه الجاني فيغفر ذنبه *** ويسقـط عنه جرمه وخطاياه
فكم لذة كم فرحة لطوافـه *** فلله ما أحلى الطواف وأهناه
نطوف كأنا في الجنان نطوفهـا *** ولا هـم لا غم فـذاك نفيناه
فواشوقنـا نحو الطواف وطيبه *** فذلـك شوق لا يعـبر معناه
فمن لم يذقه لم يذق قـط لذة *** فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه
فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا *** هناك تركناها فيا كيف ننساه
ترى رجعة هل عودة لطوافنا *** وذاك الحمى قبل المنية نغشـاه
وما زال وفـد الله يقصـد مكـة *** إلى أن بدا البيت العتيق وركنـاه
فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا *** وكبرت الحجـاج حيـن رأينـاه
وقد كادت الأرواح تزهق فرحـة *** لما نحن من عظم السرور وجدناه
تصافحنا الأملاك من كان راكبـا *** وتعتنـق الماشـي إذا تتلـقـاه
فمن كـان بالمـال المحـرم حجـه *** فعن حجـه والله مـا كـان أغنـاه
إذا هـو لبـى الله كـان جوابـه *** مـن الله لا لبيـك حـج رددنـاه
كذلك جانا فـي الحديث مسطرا *** ففي الحج أجر وافر قـد سمعنـاه
وذكروا في التاريخ العربي ان البرعي في حجه الأخير أخذ محمولا على جمل فلما قطع الصحراء مع الحج الشامي
وأصبح على بعد خمسين ميلاً من المدينة هب النسيم رطباً عليلاً معطرا برائحة الأماكن المقدسة فازداد شوقه للوصول لكن المرض أعاقه عن المأمول فأنشأ قصيدة لفظ مع آخر بيت منها نفسه الأخير .. يقول فيها:
يا راحلين إلـى منـى بقيـادي *** هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي *** الشوق أقلقني وصوت الحـادي
وحرمتموا جفني المنام ببعدكـمي *** ا ساكنين المنحنـى والـوادي
ويلوح لي مابين زمزم والصفـا *** عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يانائما جـد السُـرى *** عرفات تجلو كل قلب صـادي
من نال من عرفات نظرة ساعة *** نال السرور ونال كل مـرادي
تالله ما أحلى المبيت على منـى *** في ليل عيد أبـرك الأعيـادي
ضحوا ضحاياهم ثم سال دماؤها *** وأنا المتيم قد نحـرت فـؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات اللقاء *** وأنا الملوع قد لبسـت سـوادي
يارب أنت وصلتهم صلني بهـم *** فبحقهـم يـا رب فُـك قيـادي
فإذا وصلتـم سالميـن فبلغـوا *** مني السلام أُهيـل ذاك الـوادي
قولوا لهم عبـد الرحيـم متيـم *** ومفـارق الأحـبـاب والأولاد
صلى عليك الله يا علـم الهـدى *** ما سار ركب أو ترنـم حـادي
نسـاء فلسطين تكحلـن بالأسـى وفي بيت لـحـم قاصرات وقُصّر
وليمـون يـافـا يبس في حقولـه وهل شجر في قبضة الظالـم يُثمر
رفيق صلاح الدين هل لك عـودة فإن جيـوش الروم تنـهَى وتـأمر
رفاقك في الأغوار شدُّوا سروجهم وجندك في حطـين صلـوا وكبّروا
تناديـك من شـوق مـآذن مكـة وتبكيك بدر يـا حـبيبي وخيبـر
ويبكيـك صفصاف الشّام ووردها ويبكيك زهـر الغَوطتين وتـدمـر
تعال إلينا فالمروءات أَطـرقـت وموطـن آبـائي زجاج مـكـسّر
هُزمنـا وما زلنا شتاتُ قبـائـل تعيش على الحقد الدفـين وتــزأر
يُحاصرنـا كالموت بليون كـافر ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر
يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا
أو مالنا سعد و لا مقداد ؟
نامت ليالي الغافلين و ليلنا
أرق يذيب قلوبنا و سهاد
سلت سيوف المعتدين و عربدت
و سيوفنا ضاقت بها الأغماد
هذا هو الأقصي يلوك جراحه
و المسلمون جموعهم آحاد
دمع اليتامى فيه شاهد ذلة
و سواد أعينهن فيه حداد
أواه يا أبتي على أمجادنا
يختال فوق رفاتها الجلاد
أجدادنا كتبوا مآثر عزها
فمحا مآثر عزها الأحفاد
يا ليل أمتنا الطويل متى نرى
فجرا تغرد فوقه الأمجاد
و متى نرى بوابة مفتوحة
للحق تقصر عندها الآماد
أنا يا أبي طفل و لكن همتي
فجر به يحلو لي إستشهاد
لا تخش يا أبتي علي فربما
قامت على عزم الصغير بلاد
و لربما مات القوي بسيفه
و قضى على مال الغني كساد
ذكرى الاندلس الذي عبر عنها الشاعر وهو يقول:
يـا من ينوح فؤادي خلف موكبه ومن ترفرف روحي حول مغنـاه
مـاذا تركت بقلبي بعدما نسجت كف الخريـف له حرّى بلايـاه
هلا ذكرت زمـانًا ظل يسعدنـا نقضى حياة المنى فِي ظل دنيـاه
تسعـى إلينـا الأمـاني في ظلاله وتستخـف بنـا أحلام دنيـاه
مـا زلـت أذكره في كـل آونة رغم الصدود وأنت اليوم تنساه
إني تذكرت والذكرى مؤرقة
مجداً تليداً بايدينا أضعناه
ويح العروبة كان الكون مسرحها
فأصبحت تتوارى في زواياه
أنى أتجهت إلى الإسلام في بلد
تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها
وبات يحكمنا شعب ملكناه
كنا أسوداً ملوك الأرض ترهبنا والآن أصبح فأر الدار نخشاه
فلسطين ضاعت يوم ضاعت عقيدة وبات فساد الحال اقبح مقتنى
أيجحد دين العرب سؤددا وينقض ما شاد النبي وما بنى ؟؟
ليرضى علينا الغرب حينا ويحتفي بنا الشرق أحيانا ... ونفقد ذاتنا
و ما زادنا هذا التذبذب عزّة ولكن حصدنا دونه الشوك والعنا
ما هم بأمة أحمد ... لا والذي فطر السماءا
ما هم بأمة خير خلق الله بدعا و انتهاءا
ما هم بأمة سيدي ... حاشا.. فليسوا الاكفياءا
ما هم بأمة على الأفلاك قد ركزوا اللواءا
من حطّم الأصنام من أرسى العدالة والاخاءا
من قال أن الله رب ّ الناس خالقهم سواءا
لا فضل إلا للصلاح فلا انتساب و لا ادعاءا
أما فلسطين فسيل دمـائها لم ينقطع وعيونها لم ترقـد
اللاجئون وهذه أكواخـهم كالعار عن أنظارنا لم يبـعد
في كل كوخ لوعة ومنـاحة من طفلة تبكي وشيخ مقعـد
ويتيمة تلوي إليك بجـيدها تشكو الهوان بحسرة وتنهّد
وكريمة لعب اليهود بطهرها وبها تمتّع رائح أو معـتد
ا
أقبلت ياعيد والاحزان أحزان وفي ضمير القوافي ثار بركان
أقبلت ياعيد والرمضاء تلفحني وقد شكت من غبار الدرب أجفان
أقبلت ياعيد هذي أرض حسرتنا تموج موجا وأرض الانس قيعان
أقبلت ياعيد والظلماء كاشفة عن رأسها وفؤاد البدر حيران
من أين والمسجد الاقصى محطمة آماله وفؤاده القدس ولهان
من أين نفرح ياعيد الجراح وفي دروبنا جدر قامت وكثبان
يا من رأى عمر تكسوه بدته والزيت ادم له والكوخ ماواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من بأسه وملوك الروم تخشاه
استرشد الغرب في الماضي فأرشده ونحن كان لنا ماض نسيناه
إنا مشينا وراء الغرب نقتبس من ضيائه فأصابتنا شظاياه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا
وانزل دمشق وخاطب صخر مسجدها عمن بناه لعل الصخر ينعاه
وطف ببغداد وابحث في مقابرها عل امرءاً من بني العباس تلقاه
أين الرشيد وقد طاف الغمام به
فحين جاوزا بغداد تحداه
هذي معالم خرس كل واحدة
منهن قامت خطيباً فاغراً فاه
الله يشهد ما قلبت سيرتهم
يوماً وأخطأ دمع العين مجراه
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم
أتلقاك وطرفي مطرق خجلاً من أمسك المنصرم
أين دنياك التي أوحت إلى وترى كل يتيم النغم ؟
كم تخطيت على أصدائه ملعب العز ومغنى الشمم
وتهاديت كأني ساحب مئزري فوق جباه الأنجم
سأكتب شـعري الباكـي بدمـع القلـب لا الحبر
أسـطّره علـى كبـدي وأتـرك دفتـر الشـعر
جـراح أحبتـي في الأرض تبعث عاصف الفكر
فيا لله هـل يبقـى هنـا صـبر لـذي صـبر؟!
أحقاًّ أن سـيف الحِقـد تُشـهـره يـد الكفـر؟!
وأن دمـاء إخواني على طـرقاتهـم تجـري؟!
أحقـاًّ أن آلافــاً تشـرّدهـم يــد الفقـر؟!
وأن الطفـل لا يـدري عن الأم ولا تـدري؟!
أحقـاًّ أن مسـلمـة بهـا كبـراءة الزهــر
تبيت عفيفة والليـل يهتـك ستـرة الطهـر؟!
أحقاًّ قصـة الإحـراق والتجويـع والكسـر؟!
أحقاًّ قصة التمثيل في الوجه وفـي الظهـر؟!
أحقاًّ أن رأس المـرء يُجعل لعبـة تجـري؟!
أحقـاًّ أن عينيـه تُقلـع دونمــا أمــر؟!
أحقـاًّ ذلكـم حقاًّ فمـا للقلـب كالصخـر؟!
لئن ماتوا فقد ماتت قلوب الناس في الصدر!!