تفاصيل الحزن السوداني في وداع "ماما سعاد
مرسل: الثلاثاء 2013.12.31 2:51 pm
[justify]
الخرطوم: الزين عثمان
العام 2013 م يطوي أيامه مع "برش الأحزان" المتمدد؟ واستفهامك تجيبك عنه صباحات الخرطوم المتوشحة أحزانها.. مستشفى (تقي) في أمدرمان ينبئك الخبر أن أم النوبيات السياسية والمتمردة والصلبة المفصولة من مصلحة الإحصاء لموقفها من بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي سعاد إبراهيم أحمد، فالصحفية، تكتب بموتها آخر فصول نصيرة المرأة والتي طالبت بتعيينها أستاذة في مدينة مريدي جنوب السودان.
وحمل الناعي خبره بأن سعاد إبراهيم أحمد في ذمة الله وأن صفحة من صفحات الحياة الحافلة انطوت صباح أمس (الأحد) وأن برش الحزن سيتمدد في المساحة بين الخرطوم اتنين ودار الحزب الشيوعي وصولاً إلى مقابر فاروق بالخرطوم لترقد روح سعاد مع رفيق النضال من أجل قضايا الطبقة العاملة والاشتراكية محمد إبراهيم نقد، وأن على الزملاء والسودانيات قطع ذات درب الحزن الذي ألفوه العام قبل الماضي وهم يمضون ليوسدوا زعيمهم ثرى الأرض التي عاش فيها ومات من أجلها.
مشهد اول
أشرقت صباحات الحزن والدمع يتخير "العلم" ثيابا ليكتب في القواميس بكاء، تنهيدات أو حتى جعيرا، فعلى مثله يجب أن تبكي البواكي أو هكذا بدت الصورة وشمس (الأحد) تشرق ومعها "العنقريب والبرش"..
هنا ترقد روح ماما سعاد تحاول أن تقطع آخر مشاويرها فوق كتوف من حملت همهم طوال سنين عمرها، شمال صينية "بزيانوس" يضيق الطريق المتسع لأحزان القادمين منتصف النهار في المنزل المفتوح الباب في الناصية ولأول مرة يكون مغلقاً بالحشود النسائية، الكل ينتظر خروج الجثمان ليمضوا به إلى الدار ومن ثم إلى المقابر..
الهتافات تسد الأفق (ماشين في السكة نمد من سكتك للجايين) هتافية قاسم أمين ترتديها أمس (نون النسوة) بحضورها الطاغي وبدموعها المتتابعة، الكل ينادي على سعاد دون أن تجيبه هي، تجيبه فقط أفعالها طوال سنين العمر التي قضتها.. الصدى يتردد في دمعات أخري.
الطريق إلى الدار
تلك الشوارع التي ألفتها الراحلة منذ أن كتبت خطاب الانتماء للحزب الشيوعي السوداني هي ذات الشوارع التي قطعها المشيعون أمس تتقدمهم في مرات ويتقدمون في أخرى على العربة البوكس البيضاء بأرقامها (68328)..
قبل التحرك أحد الشباب يأتي محملاً بعدد كبير من الأعلام يقوم بتوزيعها على المشيعين قبل أن يلحقهم بصور للراحلة مكتوب عليها (حين عم الصمت كان صوتها يعلو).. ولا صوت يعلو أمس على صوت الأحزان المتفجر هو وحده من حمل الناس إلى هناك مما دفع العربات لتغيير مساراتها المعتادة..
الاسئلة الحائرة في وجوه من يمتطون المواصلات العامة سرعان ما تختفي حين ينظرون للصورة المحمولة في العربة بمعية الجثمان ويرفعون أكف الدعاء لصاحبتها بالرحمة والمغفرة، والحشد يواصل هتافاته.. رجال المرور في تلك التقاطعات يجعلون الأمر منسابا بتلقائية حتى الوصول إلى هناك.
في المركز العام
دقائق قبل الثانية.. أمام دار الحزب الشيوعي السوداني في مركزه العام.. دكان الغسال أمام الدار، تتراص مجموعة من الملابس فوق السلك، سريعاً يقوم بتجميعها قبل أن تجف.. هنا لا صوت كان يعلو على صوت الحزن المقيم بين جنبات الدار أو حتى خارجها، حيث لم يكن من أداة للتعبير سوى الدموع وبعض الهتافات المقصود بها التماسك.. إلا أنها سرعان ما تهزم من يرفعونها أولا ويتركون دموعهم تتسرب إلى حيث طاب لها المقام، والكل يحمل صورة الراحل..
وكثير من الذكريات النساء بدون الأكثر تأثراً فهن يفتقدن هذا الصباح من كن ينادينها (بماما سعاد).. إحداهن تهتف بأعلى صوتها.. في غياب سعاد يهزمك حتى الصبر ليدخل بعدها الجثمان إلى الدار كآخر المحطات قبل القبر.. يستقبله أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعدد كبير من الشباب والشابات وقيادات المعارضة ليلقوا عليه النظرة الأخيرة.. ومن بعدها تخرج أصوات (التهليل والتكبير).. يخرج في هذه المرة يتقدمه السكرتير العام للحزب الشيوعي الخطيب في الطريق إلى مقابر الفاروق.
ودعت الدار صاحبتها أو الزميلة بيتها في ذات الحي وحملها من جاءوا بها في طريق خروجهم إلى مكان كانوا قد حملوا إليه في الخامس والعشرين من مارس الراحل محمد إبراهيم نقد..
في اتجاه المقابر
الجثمان يقطع شوارع الخرطوم اتنين حي (البراجوازية) بتقسيمات الاشتراكيين الذي صار بالأمس مسرحاً للبروليتاريا وغمار الناس وهم يأتون مودعين سعادهم..
الحشود تسد الطريق والبعض من أعلى منازلهم يرسل شارات الوداع.. الهتافات نفسها هي الهتافات تتخللها التهليلات والتكبير.. البعض يحضن حزنه مع أقرب شخص لديه.. دموع النساء المشهد الأكثر حضورا..
الغياب هناك حدث لا يتواءم وتاريخ سعاد.. الجميع ينادي (خالدة خالدة يا سعاد) الجديد أن ثمة لافتات تم تحضيرها سريعاً من قبل الشباب في مبنى الحزب العتيق وتم توقيعها باسم الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية والاتحاد النسائي السوداني... لافتات الدمورية كانت تعظم دور الراحلة التي عظمها أكثر ذلك الحضور النوعي وهو يتتبع جنازتها وموكب تشييعها إلى مثواها الأخير.
لم يكن المشيعون هم فقط الزملاء بل معظم مكونات الشارع السوداني في نهارات الوداع.
نهاية الرحلة
الثانية وبضع دقائق.. مدخل مقابر فاروق.. يهبط الجثمان المتبوع براياته.. تزداد حالة البكاء لتصل مرحلة (العويل).. السيدات يبكين أمهن.. هكذا يرتسم المشهد.. الرجال يجاهدون ليحتفظوا برباطة جأشهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. "الموت هو سبيل الأولين والآخرين.." هكذا يردد شيخ كبير قبل أن يطالب الجمع بالاصطفاف للصلاة على الفقيدة..
تنتهي الصلاة ويحمل الشباب الجثمان إلى القبر الذي تم تجهيزه.. هناك تتابع صور الحاضرين من مختلف المكونات إمام الأنصار كان هناك ومعه فاروق أبوعيسى، عركي يدفعه الحزن إلى الأمام، وآخرون يصلون تسبقهم التكبيرات.. يضعون الجثمان في ود اللحد ويهيلون عليه التراب.. الثانية وثمان وثلاثون دقيقة كانت هي النقطة الفاصلة بين حياة وأخرى، كانت هي نهاية المطاف لرحلة 78 عاماً حاول أن يلخصها السكرتير العام للحزب الشيوعي في كلمة مرتجلة.. لم تخرج الكلمة عما كتب على الدمورية في تلك اللافتة (كانت واثقة الخطوات) كانت عديلة كما ينبغي ومؤمنة بما عاشت لأجله (كنداكة) بمعنى اللفظ وتفسير الفعل.. طالبة في أول دفعة طالبات سودانيات بالمدارس الثانوية، وطالبة بجامعة الخرطوم في العام 1955 ونائبة رئيس الاتحاد وعضوة لجنة مركزية للحزب الشيوعي منذ العام 1967 بمعية أربع نساء وصحفية متفرغة وداعمة لقضايا النوبة حتي سميت بأم النوبيات وسودانية كاملة البهاء في مخيلة آخرين.. أو هكذا قالت الدموع نهار الأمس.
على مقربة من قبر الراحل محمد عثمان وردي توسدت سعاد إبراهيم أحمد تراب الأرض وتوسد آخرون حزنهم عليها في رحلة العودة إلى دار الحزب ومنها إلى دارها يحملون معهم فقط عبارة محجوب شريف (أبسط ما يقال.. أنثى ولا دستة رجال.. بتمشي وما بتطاطي بين بير وشاطي)
[/justify]
الخرطوم: الزين عثمان
العام 2013 م يطوي أيامه مع "برش الأحزان" المتمدد؟ واستفهامك تجيبك عنه صباحات الخرطوم المتوشحة أحزانها.. مستشفى (تقي) في أمدرمان ينبئك الخبر أن أم النوبيات السياسية والمتمردة والصلبة المفصولة من مصلحة الإحصاء لموقفها من بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي سعاد إبراهيم أحمد، فالصحفية، تكتب بموتها آخر فصول نصيرة المرأة والتي طالبت بتعيينها أستاذة في مدينة مريدي جنوب السودان.
وحمل الناعي خبره بأن سعاد إبراهيم أحمد في ذمة الله وأن صفحة من صفحات الحياة الحافلة انطوت صباح أمس (الأحد) وأن برش الحزن سيتمدد في المساحة بين الخرطوم اتنين ودار الحزب الشيوعي وصولاً إلى مقابر فاروق بالخرطوم لترقد روح سعاد مع رفيق النضال من أجل قضايا الطبقة العاملة والاشتراكية محمد إبراهيم نقد، وأن على الزملاء والسودانيات قطع ذات درب الحزن الذي ألفوه العام قبل الماضي وهم يمضون ليوسدوا زعيمهم ثرى الأرض التي عاش فيها ومات من أجلها.
مشهد اول
أشرقت صباحات الحزن والدمع يتخير "العلم" ثيابا ليكتب في القواميس بكاء، تنهيدات أو حتى جعيرا، فعلى مثله يجب أن تبكي البواكي أو هكذا بدت الصورة وشمس (الأحد) تشرق ومعها "العنقريب والبرش"..
هنا ترقد روح ماما سعاد تحاول أن تقطع آخر مشاويرها فوق كتوف من حملت همهم طوال سنين عمرها، شمال صينية "بزيانوس" يضيق الطريق المتسع لأحزان القادمين منتصف النهار في المنزل المفتوح الباب في الناصية ولأول مرة يكون مغلقاً بالحشود النسائية، الكل ينتظر خروج الجثمان ليمضوا به إلى الدار ومن ثم إلى المقابر..
الهتافات تسد الأفق (ماشين في السكة نمد من سكتك للجايين) هتافية قاسم أمين ترتديها أمس (نون النسوة) بحضورها الطاغي وبدموعها المتتابعة، الكل ينادي على سعاد دون أن تجيبه هي، تجيبه فقط أفعالها طوال سنين العمر التي قضتها.. الصدى يتردد في دمعات أخري.
الطريق إلى الدار
تلك الشوارع التي ألفتها الراحلة منذ أن كتبت خطاب الانتماء للحزب الشيوعي السوداني هي ذات الشوارع التي قطعها المشيعون أمس تتقدمهم في مرات ويتقدمون في أخرى على العربة البوكس البيضاء بأرقامها (68328)..
قبل التحرك أحد الشباب يأتي محملاً بعدد كبير من الأعلام يقوم بتوزيعها على المشيعين قبل أن يلحقهم بصور للراحلة مكتوب عليها (حين عم الصمت كان صوتها يعلو).. ولا صوت يعلو أمس على صوت الأحزان المتفجر هو وحده من حمل الناس إلى هناك مما دفع العربات لتغيير مساراتها المعتادة..
الاسئلة الحائرة في وجوه من يمتطون المواصلات العامة سرعان ما تختفي حين ينظرون للصورة المحمولة في العربة بمعية الجثمان ويرفعون أكف الدعاء لصاحبتها بالرحمة والمغفرة، والحشد يواصل هتافاته.. رجال المرور في تلك التقاطعات يجعلون الأمر منسابا بتلقائية حتى الوصول إلى هناك.
في المركز العام
دقائق قبل الثانية.. أمام دار الحزب الشيوعي السوداني في مركزه العام.. دكان الغسال أمام الدار، تتراص مجموعة من الملابس فوق السلك، سريعاً يقوم بتجميعها قبل أن تجف.. هنا لا صوت كان يعلو على صوت الحزن المقيم بين جنبات الدار أو حتى خارجها، حيث لم يكن من أداة للتعبير سوى الدموع وبعض الهتافات المقصود بها التماسك.. إلا أنها سرعان ما تهزم من يرفعونها أولا ويتركون دموعهم تتسرب إلى حيث طاب لها المقام، والكل يحمل صورة الراحل..
وكثير من الذكريات النساء بدون الأكثر تأثراً فهن يفتقدن هذا الصباح من كن ينادينها (بماما سعاد).. إحداهن تهتف بأعلى صوتها.. في غياب سعاد يهزمك حتى الصبر ليدخل بعدها الجثمان إلى الدار كآخر المحطات قبل القبر.. يستقبله أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعدد كبير من الشباب والشابات وقيادات المعارضة ليلقوا عليه النظرة الأخيرة.. ومن بعدها تخرج أصوات (التهليل والتكبير).. يخرج في هذه المرة يتقدمه السكرتير العام للحزب الشيوعي الخطيب في الطريق إلى مقابر الفاروق.
ودعت الدار صاحبتها أو الزميلة بيتها في ذات الحي وحملها من جاءوا بها في طريق خروجهم إلى مكان كانوا قد حملوا إليه في الخامس والعشرين من مارس الراحل محمد إبراهيم نقد..
في اتجاه المقابر
الجثمان يقطع شوارع الخرطوم اتنين حي (البراجوازية) بتقسيمات الاشتراكيين الذي صار بالأمس مسرحاً للبروليتاريا وغمار الناس وهم يأتون مودعين سعادهم..
الحشود تسد الطريق والبعض من أعلى منازلهم يرسل شارات الوداع.. الهتافات نفسها هي الهتافات تتخللها التهليلات والتكبير.. البعض يحضن حزنه مع أقرب شخص لديه.. دموع النساء المشهد الأكثر حضورا..
الغياب هناك حدث لا يتواءم وتاريخ سعاد.. الجميع ينادي (خالدة خالدة يا سعاد) الجديد أن ثمة لافتات تم تحضيرها سريعاً من قبل الشباب في مبنى الحزب العتيق وتم توقيعها باسم الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية والاتحاد النسائي السوداني... لافتات الدمورية كانت تعظم دور الراحلة التي عظمها أكثر ذلك الحضور النوعي وهو يتتبع جنازتها وموكب تشييعها إلى مثواها الأخير.
لم يكن المشيعون هم فقط الزملاء بل معظم مكونات الشارع السوداني في نهارات الوداع.
نهاية الرحلة
الثانية وبضع دقائق.. مدخل مقابر فاروق.. يهبط الجثمان المتبوع براياته.. تزداد حالة البكاء لتصل مرحلة (العويل).. السيدات يبكين أمهن.. هكذا يرتسم المشهد.. الرجال يجاهدون ليحتفظوا برباطة جأشهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. "الموت هو سبيل الأولين والآخرين.." هكذا يردد شيخ كبير قبل أن يطالب الجمع بالاصطفاف للصلاة على الفقيدة..
تنتهي الصلاة ويحمل الشباب الجثمان إلى القبر الذي تم تجهيزه.. هناك تتابع صور الحاضرين من مختلف المكونات إمام الأنصار كان هناك ومعه فاروق أبوعيسى، عركي يدفعه الحزن إلى الأمام، وآخرون يصلون تسبقهم التكبيرات.. يضعون الجثمان في ود اللحد ويهيلون عليه التراب.. الثانية وثمان وثلاثون دقيقة كانت هي النقطة الفاصلة بين حياة وأخرى، كانت هي نهاية المطاف لرحلة 78 عاماً حاول أن يلخصها السكرتير العام للحزب الشيوعي في كلمة مرتجلة.. لم تخرج الكلمة عما كتب على الدمورية في تلك اللافتة (كانت واثقة الخطوات) كانت عديلة كما ينبغي ومؤمنة بما عاشت لأجله (كنداكة) بمعنى اللفظ وتفسير الفعل.. طالبة في أول دفعة طالبات سودانيات بالمدارس الثانوية، وطالبة بجامعة الخرطوم في العام 1955 ونائبة رئيس الاتحاد وعضوة لجنة مركزية للحزب الشيوعي منذ العام 1967 بمعية أربع نساء وصحفية متفرغة وداعمة لقضايا النوبة حتي سميت بأم النوبيات وسودانية كاملة البهاء في مخيلة آخرين.. أو هكذا قالت الدموع نهار الأمس.
على مقربة من قبر الراحل محمد عثمان وردي توسدت سعاد إبراهيم أحمد تراب الأرض وتوسد آخرون حزنهم عليها في رحلة العودة إلى دار الحزب ومنها إلى دارها يحملون معهم فقط عبارة محجوب شريف (أبسط ما يقال.. أنثى ولا دستة رجال.. بتمشي وما بتطاطي بين بير وشاطي)
[/justify]

