العامية السودانية بين قول الروب والسمحة ام جضوم
مرسل: السبت 2013.12.28 10:48 am
[justify]
العامية السودانية بين قول الروب والسمحة ام جضوم
December 28, 2013
مبارك مجذوب الشريف
nakhla@hotmail.com
الإنسان ابن بيئته، وهذا القول لم يغادر الشعراء فيه من متردم، بل قول أثبتت الأيام صحته، فالبيئة تؤثر في السلوك وأحياناُ تحدد الطول والشكل العام، كما أنها تؤثر في اللسان، والبيئة السودانية عموما بيئة رعوية زراعية، ففي عام 1956 كانت نسبة الحضر حوالي تسعة في المائة فقط من عدد السكان، وفي إحصاء عام 1993 ارتفعت النسبة لتكون حوالي ثلاثين بالمائة، ووصلت هذه النسبة حاليا إلى حوالي خمسين بالمائة، وهذه الزيادة المضطردة في نسبة التمدن لا شك أنها ستؤثر على أشياء كثيرة وضمن ما تؤثر فيه على اللسان، فتغلب ألفاظ الحضارة و يصبح اللسان أكثر ليناً، ولكن هذا التأثير لا يحدث فوراً بل يحتاج إلى وقت طويل لكي تظهر ثماره.
ومن أمثلة ما يعبر فعلا عن تغلغل الروح البدوية لدينا ما نراه منتشراً في الأمثال الشعبية والأغاني والفنون، وهي تمثل ضمير الشعب وخزانة تراثه وتبوح بمكنوناته النفسية وتكشف طبقات التراكم الحضاري عبر العصور، ففي أمثالنا المتداولة قولنا: الجمل ما بشوف عوجة رقبته، والجواد يجقلب والشكر لحماد، والخلا ولا الرفيق الفسل، ونقول الراعي واعي، ونقول أيضاً حينما تصيبنا أنفة واستعلاء: كبير الجمل، كما نقول لمن نرى أنه قد تجاوز حدوده: (ارعي بقيدك)، ونستخدم كلمة (الروب) في مجال الاستسلام فنطلب من الخصم أن يقول الروب، وجملة (قول الروب) لها أصل فصيح، جاء في لسان العرب:
(ورابَ الرَّجلُ رَوْباً ورُؤُوباً: تَحَيَّر وفَتَرَتْ نَفْسُه من شِبَعٍ أَو نُعاسٍ؛ وقيل: سَكِرَ من النَّوم؛ وقيل: إِذا قام من النوم خاثِرَ البدَنِ والنَّفْسِ؛ وقيل: اخْتَلَطَ عَقْلُه، ورَأْيُه وأَمْرُه.)
وهي ونحن نستخدمها في طلب الاستسلام كأنما نطلب من الشخص ان يقول أن قواي قد خارت واعلن هزيمتي.
ونسمي شعر البشر صوفاً، قال شاعرنا ابو قطاطي:
وقت شفتك
شعرت الرعشة من صوف راسي
لي كرعي
ونتوسع في ذلك ونقول أن قلاناً (قام صوف) أي ركض هارباً وربما كانوا يقصدون أصابته قشعريرة الخوف فوقف شعر رأسه أو صوف رأسه.
وفي أغنية (العزيزة) استخدم شاعرنا سعد الدين إبراهيم مفردة بدوية الطابع هي الشملة ومن من النادر جدا أن تستخدم مفردة كهذه في الغناء، قال:
العزيزة الما بتسأل.. عن ظروفنا
الوحيدة الما بتحاول يوم تشوفنا
ثم بيت القصيد:
ﺳﻠﻤﻴﻠﻨﺎ ﻋﻠﻲ ايديك ﻭﺷﻤﻠﺔ ﺍﻟﺮﻳﺪ ﺃﻧﺴﺠﻴﻬﺎ
جاء في اللسان:
(قال أَبو منصور: الشَّمْلة عند العرب مِئْزَرٌ من صوف أَو شَعَر يُؤْتَزَرُ به)
ويبدو تأثير البداوة واضحاً حين نقول لثدي المرأة (شطر)، والشطر للناقة وللشاة
ورد في اللسان:
(وللناقة شَطْرَانِ قادِمان وآخِرانِ، فكلُّ خِلْفَيْنِ شَطْرٌ، والجمع أَشْطُرٌ.) وجاء ايضاً:
(وشَطْرُ الشاةِ: أَحَدُ خُلْفَيها)
ومع تزايد نسبة التحضر تحاول لهجات العاصمة والمدن التخلص من هذا الإرث البدوي فهي أما أن تختار من الفصحى الألفاظ السهلة وتترك الوعر لأهل القرى والبوادي، أو تترك اللفظ الفصيح كليةً متى ما كان هناك لفظ سهل يحل محله سواء كان هذا اللفظ موروثاً من حضارات سودانية قديمة أو مستعاراً من لغة أجنبية أو حتى ولو من مصدر مجهول، ثم يطوعونه للسان العربي.
ومن الألفاظ التي يتحرج أهل المدن من استخدامها لفظي (أيي) و(أيا)، بمعنى نعم، فهي في نظرهم قروية جافة، رغم أنها أقرب للفصحى من (آآآي)، جاء في اللسان:
( وإِيْ: بمعنى نعم وتوصل باليمين، فيقال إِي والله، وتبدل منها هاء فيقال هِي(
لكن(آآآي) الممطوطة تبدو أكثر نعومة خصوصاً في أفواه النساء، وإن أتى معها قسم زاد المط فتصبح ملحنة (آآآي والله)، ومن لم يمط مطاً فهو لا شك متخلف لم يتمدن بعد، أو جلف من البداة، ومن المدهش أن هذا المط (الحضاري) يصبح مدعاة للتندر علينا لدى أهل الخليج، فإذا أراد البعض من شباب الخليج ممازحة احد السودانيين تصايحوا (آآآآآآي)، وما دروا أنها لهجة يختص بها أهل الحواضر والمدن، وكان الأصمعي لا يعتد بلسان أهل الحواضر.قال الأصمعي:
) أقمت بالمدينة زمانا، ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة، إلا مصحفة، أو مصنوعة)
وفي سعي أهل المدن لخفة اللسان وحلاوة اللفظ اختاروا (الزير) لوصف الإناء الفخاري المخصص لخزن الماء، وركلوا (الجر) وتركوه لأهل القرى والأرياف، والجر فصيحه (الجرة) بضم الجيم وجمعها جرار وفي الحديث الشريف أَنه نهى عن شرب نبيذ الجر. كما تركوا الرغيف واختاروا العيش، وربما كان ذلك بتأثير من لسان حواضر مصر، جاء في لسان العرب: (رَغَفَ الطِّينَ والعَجينَ يَرْغَفُه رَغْفاً: كَتَّلَه بيديه، وأَصل الرَّغْفِ جمعك الرغيف تُكَتِّلُه. والرغيف الخُبْزة، مشتقّ من ذلك)
أما العيش فقد ورد فيه:
ويقال عَيْش بني فلان اللبَنُ إِذا كانوا يَعِيشون به، وعيش آل فلان الخُبز والحَبّ،
وعَيْشُهم التمْرُ، وربما سمَّوا الخبز عَيْشاً
ويقرن أهل مصر أحياناً بين الرغيف والخبز فيقولون (رغيف الخبز) وتارة (رغيف العيش). روى الجاحظ قصة بخيل مع الرغيف فقال:
كان يجىء من منزله ومعه رغيف فى كمه (جيبه) فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم (بلا ملاح). ولو كان بخيل الجاحظ هذا حياً في زمننا لعاتب الجاحظ وردد مع محجوب شريف القصة ما قصة رغيف.
وكلمة (كراع) مستهجنة لدي متحضري العاصمة والمدن واللفظ السائد هو رجل، والرجل كما جاء في اللسان تطلق على الإنسان وغيره، أي الحيوان، بينما الكُراعُ فيها تفصيل فهي من الإِنسان: ما دون الركبة إِلى الكعب، ومن الدوابِّ: ما دون الكَعْبِ. ولخصوا الاستهجان في طرفة (شيل كراعك من رجلي)
وكلمة (جضم ) القروية تلك الكلمة بشعة الجرس لها أصل في الفصاحة فقد ورد في القاموس المحيط:
الجُضُمُ، بضَمَّتَيْنِ: الكثيرُو الأَكْلِ.
وكجُنْدَبٍ: الضَّخْمُ الجَنْبَيْنِ والوَسَطِ.
والتَّجَضُّمُ: الأَخْذُ بالفَمِ.
ولكن (جضم) لن تنافس كلمة (خد) هذه الكلمة الرقيقة الفصيحة السلسلة في لسان أهل المدن، ويكاد أهل المدن يحصرون استخدامها على النساء، غنى ابراهيم الكاشف:
فوق الخديد عاجباني شامه ومن العيون ياالله السلامه،
ورأي أسلافنا أن الخد المشلخ أكثر جمالا من الخد السادة فنظموا في ذلك الأشعار:
النهيد رُمان
والشلوخ مطارق
جوز البرتكان
الكان في قلبي حارق
وقال ابو صلاح في أغنية بدور القلعة:
ياأم شلوخا عشرة مسطره
جلسة ياأبو الحاج اتذكرا
والشلخ فصيحة، جاء في اللسان:
الشَّلْخُ: الأَصلُ والعِرْقُ
ولو تمعنا في هذا القول لوجدنا أن مهمة (الشلوخ) الأساسية لم تكن مهمة جمالية بل كانت لتمييز القبائل، وهو ما ذهب إليه البروفيسور يوسف فضل حسن، ويؤيد هذا التفسير أن لكل قبيلة (شلخاً) يختلف عن القبيلة الأخرى، ثم انحسر الشلخ عن الرجال تدريجياً وبقي مع النساء، ومن الطبيعي في ظل خضوع المرأة له أن يكتسب دلالات جمالية، ثم اختفى كلية بانتفاء مبرراته العرقية والجمالية. ومثلما آمن الشعراء بالشلخ في دهر كفروا به في دهر تال عند انتشار التعليم وارتقاء الثقافة والاحتكاك بحضارات أخرى، قال سيد عبد العزيز:
جنن عقلى يالسادة
وحب الكايدة حسادة
والسادة هي الخدود دون شلخ.
وغنى ابو عركي من أشعار عوض جبريل:
الجميل السادة وضاح المحيا
التفت يوم شفته ما قبلان تحية
[/justify]
العامية السودانية بين قول الروب والسمحة ام جضوم
December 28, 2013
مبارك مجذوب الشريف
nakhla@hotmail.com
الإنسان ابن بيئته، وهذا القول لم يغادر الشعراء فيه من متردم، بل قول أثبتت الأيام صحته، فالبيئة تؤثر في السلوك وأحياناُ تحدد الطول والشكل العام، كما أنها تؤثر في اللسان، والبيئة السودانية عموما بيئة رعوية زراعية، ففي عام 1956 كانت نسبة الحضر حوالي تسعة في المائة فقط من عدد السكان، وفي إحصاء عام 1993 ارتفعت النسبة لتكون حوالي ثلاثين بالمائة، ووصلت هذه النسبة حاليا إلى حوالي خمسين بالمائة، وهذه الزيادة المضطردة في نسبة التمدن لا شك أنها ستؤثر على أشياء كثيرة وضمن ما تؤثر فيه على اللسان، فتغلب ألفاظ الحضارة و يصبح اللسان أكثر ليناً، ولكن هذا التأثير لا يحدث فوراً بل يحتاج إلى وقت طويل لكي تظهر ثماره.
ومن أمثلة ما يعبر فعلا عن تغلغل الروح البدوية لدينا ما نراه منتشراً في الأمثال الشعبية والأغاني والفنون، وهي تمثل ضمير الشعب وخزانة تراثه وتبوح بمكنوناته النفسية وتكشف طبقات التراكم الحضاري عبر العصور، ففي أمثالنا المتداولة قولنا: الجمل ما بشوف عوجة رقبته، والجواد يجقلب والشكر لحماد، والخلا ولا الرفيق الفسل، ونقول الراعي واعي، ونقول أيضاً حينما تصيبنا أنفة واستعلاء: كبير الجمل، كما نقول لمن نرى أنه قد تجاوز حدوده: (ارعي بقيدك)، ونستخدم كلمة (الروب) في مجال الاستسلام فنطلب من الخصم أن يقول الروب، وجملة (قول الروب) لها أصل فصيح، جاء في لسان العرب:
(ورابَ الرَّجلُ رَوْباً ورُؤُوباً: تَحَيَّر وفَتَرَتْ نَفْسُه من شِبَعٍ أَو نُعاسٍ؛ وقيل: سَكِرَ من النَّوم؛ وقيل: إِذا قام من النوم خاثِرَ البدَنِ والنَّفْسِ؛ وقيل: اخْتَلَطَ عَقْلُه، ورَأْيُه وأَمْرُه.)
وهي ونحن نستخدمها في طلب الاستسلام كأنما نطلب من الشخص ان يقول أن قواي قد خارت واعلن هزيمتي.
ونسمي شعر البشر صوفاً، قال شاعرنا ابو قطاطي:
وقت شفتك
شعرت الرعشة من صوف راسي
لي كرعي
ونتوسع في ذلك ونقول أن قلاناً (قام صوف) أي ركض هارباً وربما كانوا يقصدون أصابته قشعريرة الخوف فوقف شعر رأسه أو صوف رأسه.
وفي أغنية (العزيزة) استخدم شاعرنا سعد الدين إبراهيم مفردة بدوية الطابع هي الشملة ومن من النادر جدا أن تستخدم مفردة كهذه في الغناء، قال:
العزيزة الما بتسأل.. عن ظروفنا
الوحيدة الما بتحاول يوم تشوفنا
ثم بيت القصيد:
ﺳﻠﻤﻴﻠﻨﺎ ﻋﻠﻲ ايديك ﻭﺷﻤﻠﺔ ﺍﻟﺮﻳﺪ ﺃﻧﺴﺠﻴﻬﺎ
جاء في اللسان:
(قال أَبو منصور: الشَّمْلة عند العرب مِئْزَرٌ من صوف أَو شَعَر يُؤْتَزَرُ به)
ويبدو تأثير البداوة واضحاً حين نقول لثدي المرأة (شطر)، والشطر للناقة وللشاة
ورد في اللسان:
(وللناقة شَطْرَانِ قادِمان وآخِرانِ، فكلُّ خِلْفَيْنِ شَطْرٌ، والجمع أَشْطُرٌ.) وجاء ايضاً:
(وشَطْرُ الشاةِ: أَحَدُ خُلْفَيها)
ومع تزايد نسبة التحضر تحاول لهجات العاصمة والمدن التخلص من هذا الإرث البدوي فهي أما أن تختار من الفصحى الألفاظ السهلة وتترك الوعر لأهل القرى والبوادي، أو تترك اللفظ الفصيح كليةً متى ما كان هناك لفظ سهل يحل محله سواء كان هذا اللفظ موروثاً من حضارات سودانية قديمة أو مستعاراً من لغة أجنبية أو حتى ولو من مصدر مجهول، ثم يطوعونه للسان العربي.
ومن الألفاظ التي يتحرج أهل المدن من استخدامها لفظي (أيي) و(أيا)، بمعنى نعم، فهي في نظرهم قروية جافة، رغم أنها أقرب للفصحى من (آآآي)، جاء في اللسان:
( وإِيْ: بمعنى نعم وتوصل باليمين، فيقال إِي والله، وتبدل منها هاء فيقال هِي(
لكن(آآآي) الممطوطة تبدو أكثر نعومة خصوصاً في أفواه النساء، وإن أتى معها قسم زاد المط فتصبح ملحنة (آآآي والله)، ومن لم يمط مطاً فهو لا شك متخلف لم يتمدن بعد، أو جلف من البداة، ومن المدهش أن هذا المط (الحضاري) يصبح مدعاة للتندر علينا لدى أهل الخليج، فإذا أراد البعض من شباب الخليج ممازحة احد السودانيين تصايحوا (آآآآآآي)، وما دروا أنها لهجة يختص بها أهل الحواضر والمدن، وكان الأصمعي لا يعتد بلسان أهل الحواضر.قال الأصمعي:
) أقمت بالمدينة زمانا، ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة، إلا مصحفة، أو مصنوعة)
وفي سعي أهل المدن لخفة اللسان وحلاوة اللفظ اختاروا (الزير) لوصف الإناء الفخاري المخصص لخزن الماء، وركلوا (الجر) وتركوه لأهل القرى والأرياف، والجر فصيحه (الجرة) بضم الجيم وجمعها جرار وفي الحديث الشريف أَنه نهى عن شرب نبيذ الجر. كما تركوا الرغيف واختاروا العيش، وربما كان ذلك بتأثير من لسان حواضر مصر، جاء في لسان العرب: (رَغَفَ الطِّينَ والعَجينَ يَرْغَفُه رَغْفاً: كَتَّلَه بيديه، وأَصل الرَّغْفِ جمعك الرغيف تُكَتِّلُه. والرغيف الخُبْزة، مشتقّ من ذلك)
أما العيش فقد ورد فيه:
ويقال عَيْش بني فلان اللبَنُ إِذا كانوا يَعِيشون به، وعيش آل فلان الخُبز والحَبّ،
وعَيْشُهم التمْرُ، وربما سمَّوا الخبز عَيْشاً
ويقرن أهل مصر أحياناً بين الرغيف والخبز فيقولون (رغيف الخبز) وتارة (رغيف العيش). روى الجاحظ قصة بخيل مع الرغيف فقال:
كان يجىء من منزله ومعه رغيف فى كمه (جيبه) فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم (بلا ملاح). ولو كان بخيل الجاحظ هذا حياً في زمننا لعاتب الجاحظ وردد مع محجوب شريف القصة ما قصة رغيف.
وكلمة (كراع) مستهجنة لدي متحضري العاصمة والمدن واللفظ السائد هو رجل، والرجل كما جاء في اللسان تطلق على الإنسان وغيره، أي الحيوان، بينما الكُراعُ فيها تفصيل فهي من الإِنسان: ما دون الركبة إِلى الكعب، ومن الدوابِّ: ما دون الكَعْبِ. ولخصوا الاستهجان في طرفة (شيل كراعك من رجلي)
وكلمة (جضم ) القروية تلك الكلمة بشعة الجرس لها أصل في الفصاحة فقد ورد في القاموس المحيط:
الجُضُمُ، بضَمَّتَيْنِ: الكثيرُو الأَكْلِ.
وكجُنْدَبٍ: الضَّخْمُ الجَنْبَيْنِ والوَسَطِ.
والتَّجَضُّمُ: الأَخْذُ بالفَمِ.
ولكن (جضم) لن تنافس كلمة (خد) هذه الكلمة الرقيقة الفصيحة السلسلة في لسان أهل المدن، ويكاد أهل المدن يحصرون استخدامها على النساء، غنى ابراهيم الكاشف:
فوق الخديد عاجباني شامه ومن العيون ياالله السلامه،
ورأي أسلافنا أن الخد المشلخ أكثر جمالا من الخد السادة فنظموا في ذلك الأشعار:
النهيد رُمان
والشلوخ مطارق
جوز البرتكان
الكان في قلبي حارق
وقال ابو صلاح في أغنية بدور القلعة:
ياأم شلوخا عشرة مسطره
جلسة ياأبو الحاج اتذكرا
والشلخ فصيحة، جاء في اللسان:
الشَّلْخُ: الأَصلُ والعِرْقُ
ولو تمعنا في هذا القول لوجدنا أن مهمة (الشلوخ) الأساسية لم تكن مهمة جمالية بل كانت لتمييز القبائل، وهو ما ذهب إليه البروفيسور يوسف فضل حسن، ويؤيد هذا التفسير أن لكل قبيلة (شلخاً) يختلف عن القبيلة الأخرى، ثم انحسر الشلخ عن الرجال تدريجياً وبقي مع النساء، ومن الطبيعي في ظل خضوع المرأة له أن يكتسب دلالات جمالية، ثم اختفى كلية بانتفاء مبرراته العرقية والجمالية. ومثلما آمن الشعراء بالشلخ في دهر كفروا به في دهر تال عند انتشار التعليم وارتقاء الثقافة والاحتكاك بحضارات أخرى، قال سيد عبد العزيز:
جنن عقلى يالسادة
وحب الكايدة حسادة
والسادة هي الخدود دون شلخ.
وغنى ابو عركي من أشعار عوض جبريل:
الجميل السادة وضاح المحيا
التفت يوم شفته ما قبلان تحية
[/justify]