كتاباتي في صحف اميركية (2): "واشنطن بوست": واشنطن: محمد علي صالح: "الشرق الاوسط
مرسل: السبت 2007.6.16 6:38 pm
كتاباتي في صحف اميركية (2): "واشنطن بوست": واشنطن: محمد علي صالح: "الشرق الاوسط":
"واشنطن بوست":
عندما وقع "هجوم ارهابي على البنتاغون":
لم يحدث شئ. او هل حدث؟
Nothing Happened. Or Did It?
By Mohammad Ali Salih
Washington correspondent, London-based “Asharq Alawsat” International Arabic daily. E-mail: mohammadalisalih@yahoo.com
خلال السنوات الاخيرة في واشنطن، من وقت لآخر، تزيد الاجراءات الامنية في العاصمة الاميركية، واشنطن، خوفا من هجوم ارهابي.
وعندما يحدث ذلك، يزيد توتر رجال الامن، ويزيد توتر الناس، ويزيد توتري. سموها "بارانويا" (جنون الخوف من المجهول) اذا اردتم. ولكن، بالنسبة لرجل مسلم وعربي مثلي، تبدو، احيانا، الحياة في العاصمة الاميركية وكأنها منافسة بين ذكائين: ذكائي العقلاني، وذكاء ما اتخيل من خوف.
حدث لي هذا، مؤخرا، عندما دقت اجراس الانذار في محطة "المترو" (قطار تحت الارض) التي تقع تحت مبنى "البنتاغون" (وزارة الدفاع) اعتقادا بان هناك هجوما ارهابيا، مثل هجوم 11 سبتمبر .
عندما دقت اجراس الانذار في "البنتاغون"، دقت اجراس الخوف في رأسي. واعتقد ان هناك درسا لي، ولغيري، من ما حدث ذلك اليوم.
درس من ما حدث، ودرس من ما لم يحدث.
بداية القصة:
كان الوقت الحادية عشرة صباحا، عندما تركت، مبكرا، مكتبي في مبنى الصحافة الوطنية، في طريقى الى منزلي. نويت، كالعادة، ان اذهب الى محطة "المترو" (قطار تحت الارض)القريبة، واستقل "البلولاين" (الخط الازرق) الذي يذهب الى ولاية فيرجينيا، ويمر تحت مبنى "البنتاغون" حتى آخر محطة في "سبرنغفيلد". ومن هناك استقل حافلة الى موقف السيارات في "رولنغ فالي"، ومن هناك استقل سيارتي الى منزلي في ضاحية "بيرك".
سمعت، بينما كنت انتظر القطار في محطة "المترو"، صوتا من ميكرفون المحطة بأن هناك "حالة طوارئ" في محطة "البنتاغون". لم افكر كثيرا في ذلك، وركبت القطار عندما جاء. لكن، بعد محطة او محطتين، سمعت في ميكرفون القطار الآتي: "تحذير، تحذير: لن يقف هذا القطار في محطة "البنتاغون".
وكان اول شئ قفز الى ذهني هو: "يا الهي، لا تجعل هذا هجوما ارهابيا ثانيا على البتاغون."
هجوم 11 سبتمبر:
وتذكرت هجوم 11 سبتمبر على البنتاغون، وتذكرت الدمار والقتل والخوف والفوضى، واعتقدت انني لن اقدر على ان اعود الى منزلى. وتذكرت خوف الشعب الاميركي، بعد هجوم 11 سبتمبر من كل شئ مسلم واسلامي. وخفت الا يتهمني احد لمجرد اني مسلم، وعربي، واتكلم الانجليزية بلكنة اجنبية.
اسمحوا لي، ربما خفت اكثر مما يجب. لكن زاد خوفي عندما سمعت رجلين اسوديين يجلسان بالقرب منى داخل القطار، ويتحدثان عن "هجوم ارهابي جديد على البنتاغون."
ولهذا، قررت الا اتحدث معهما، او مع أي شخص آخر، خوفا من ان يلاحظوا لهجتي الاجنبية، ويعرفوا بأنني عربي ومسلم. وربما سيعتدون علي خلال هذ الجو المتوتر. ربما كان يجب ان اطمئن للرجلين الاسودين.
منذ ثلاثين سنة:
منذ ان جئت الى اميركا قبل ثلاثين سنة تقريبا، ارتحت لمبادرات الود والصداقة من الاميركيين السود. رغم انني وجدت، ولا زلت اجد، صعوبة في فهم لكنتهم، وفي الاندماج في ثقافتهم.
لكن، بعد هجوم 11 سبتمبر، لاحظت عدم ارتياح من كثير من السود، والبيض، عندما يسمعونني اتكلم، ويعتقدون من لهجتي واسمي انني مسلم وعربي.
داخل القطار، والانذار يتكرر في الميكرفون، كان لابد ان افعل شئ سريعا. وقررت ان اخرج من القطار.
وانتظرت حتى جاء قطار آخر يسير في "اورنج لاين" (الخط البرتقالي). خططت لأن ذهب الى محطة "فينا". واستقل، من هناك، حافلة الى جامعة "جورج ماسون". واستقل، من هناك، سيارة تاكسي الى موقف السيارات في "رولنغ فالي"، حيث سيارتي، واعود بها الى بيتي.
قلت لنفسي ان ذلك سيبعدني من "الهجوم الارهابي" على البنتاغون.
اشاعات في الحافلة:
وانا في الحافلة، سمعت ثلاثة شبان، اعتقد انهم طلاب في جامعة جورج مايسون، يتحدثون عن "هجوم ارهابي على البنتاغون". وتأكدت مخاوفي:
قال الاول: "هجم ارهابيون مسلمون على البنتاغون مرة اخرى."
وقال الثاني: "خطفوا قطارا تحت الارض، وفجروه تحت البنتاغون".
وقال الثالث: "هجموا في المرة الاولي من الجو، بالطائرات. وهجموا هذه المرة من تحت الارض".
وصممت على الا انطق ولا كلمة واحدة، خوفا، مرة اخرى، من ان يعرفوا انني مسلم وعربي.
نزلت من الحافلة في محطة الجامعة، واستاجرت سيارة تاكسي. كان سائقها، لحسن حظي، مسلم من غرب افريقيا. سألته: "هل صحيح ان هناك هجوما ارهابيا على البنتاغون؟" اجاب: "لا اعرف." وحكيت له قصتي. وقال: "هجوم او لا هجوم، صار الاميركيون يخافون من كل له صلة بالاسلام والمسلمين. صارت عندهم "اسلاموفوبيا". صاروا يخيفون انفسهم، ويخيفوننا. حتى الناس في افريقيا صاروا يخافون لأن الاميركيين يخافون."
نشرة الاخبار:
اوصلني سائق التاكسي الى موقف السيارات في "رولنغ فالي". وبمجرد دخولي سيارتي، فتحت الراديو لأتاكد مما حدث. كانت ثلاث ساعات مرت منذ ان تركت مكتبي. قالت نشرة الاخبار ان حالة الطوارئ في "البنتاغون" انتهت، واعيد فتح المحطة. ولم يكن هناك هجوم ارهابي، وكان السبب احتراق غاز يستعمل تفريق المظاهرات، فيه شطة حارة.
شطة حارة؟
هل هذا هو سبب اعلان الطوارئ في "البنتاغون"؟ وسبب اغلاق المحطة؟ وسبب كل هذا الخوف والهلع؟
وانا داخل السيارة، دق جرس التلفون "الموبايل"، وسألني صديق عربي عن سبب عدم الرد على اتصالاته؟ قلت له انها وصلتني كلها، لكنى قررت ان اصمت، والا اتكلم، حتى لا يلاحظ انسان لهجتي الاجنبية.
وحكيت له قصة "الهجوم الارهابي على البنتاغون". وضحكنا. وقلت له: "كنت سأخاف اكثر لو كان ملامحي "شرق اوسطية" مثل ملامح وجهه.
ماذا حدث لأميركا؟:
واتفقنا على ان اميركا، بعد هجوم 11 سبتمبر، دخلت نفقا من الخوف لا يعلم نهايته الا الله. وانها سمحت لنفسها ان تخاف من عصابات ارهابية، ليس لها وطن، وليست جيشا نظاميا.
واتفقنا على ان خوف اميركا من المسلمين يطابقه خوف المسلمين من اميركا. الاميركيون يخافون متأمرين، وانتحاريين، ومتفجرين. والمسلمون يخافون دبابات، وطائرات، وصواريخ.
قال صديقي: "ليست هناك نهاية لهذا الوضع، لأنهم غربيون ولاننا شرقيون" لكني قلت له: "هذا صحيح. لكن، قليلا قليلا، سيتقابل الشرقيون والغربيون، ويتعارفون، ويتعايشون، ويتحابون، ويتزاوجون." قال: "هذا مستحيل" قلت: "مستحيل الآن. لكن ربما في جيل اولادنا، او جيل احفادنا."
في الحقيقة، ربما سبب تفاؤلي هو ثلاثون سنة في اميركا، جعلتني اقتنع بأن العقلانية الاميركية ستقودهم، في النهاية، الى انصاف العرب والمسلمين، يوما ما. وانا شاهد على ذلك: كلما يكبر سني، وكلما تزيد اقامتي في اميركا، كلما يزيد املي وتفاؤلي. احس بأني ازيد اسلاما، وازيد عروبة، وازيد اميركية، وازيد تفاؤلا. رغم ان هذا ربما يبدو متناقضا لبعض الناس.
لماذا؟:
لماذا؟
ربما لأني، بعد كل هذه السنوات، اقتنعت، واعترفت، بأن الحضارة الاميركية مسيحية بيضاء، ولا يقدر ان ينكر ذلك اي مسلم، واي اسود، واي عربي.
زوجتي اميركية مسيحية بيضاء. لكننا، نربى ولدنا وبنتينا على ان ينفتحوا على كل شئ: اسلامي، ومسيحي، وعربي، واميركي، واسود، وابيض.
اخذتهم الى مساجد، وكنائس، ومعابد يهودية، وبوذية، وهندوسية.
انا متأكد بأنني اقدر على ان اتعايش مع كل هذه الاختلافات والتناقضات. وكلما زادت، قوت ايماني، ورسخت هويتي.
منذ هجوم 11 سبتمبر، كمراسل اجنبي في واشنطن، كتبت عشرات الاخبار والتقارير عن هذا الخوف الغريب الذي يطوق الشعب الاميركي، اعظم شعب في التاريخ.
خلال كل هذه السنوات، ظلتت اسمع عبارات ولافتات الانذار والتخويف من الارهاب والارهابيين في كل مكان: في الحافلات، وفي القطارات، وفي المطارات.
قرأت وسمعت:
قرأت في الحافلات اعلانات: "ابلغ السائق اذا سمعت او شاهدت شيئا مريبا." وسمعت في القطارات تعليمات مكررة: "الرجاء ملاحظة اي شئ غريب، او تصرف غريب، وابلغ الشرطة به."
وسافرت بالطائرات، ولاحظت علامة "اس اس اس" على بطاقة دخول الطائرة، ولم اعرف معناها، (توقفت هذه الظاهرة مؤخرا). وفتشوني تفتيشا اكثر من عادي. حتى بدأت احس وكأني مستهدف.
مرت كل هذه الاشياء في ذهني يوم حادت "الهجوم الارهاب على البنتاغون".
عندما وصلت الى بيتي، فتحت التفزيون لأتاكد مما حدث. كانت القناة الثامنة تنقل رسالة من مراسلها، مباشرة على الهواء من امام "البنتاغون". وقال: "رفع البنتاغون حالة الطوارئ. لكن، كانت هناك لحظات مخيفة ومرعبة." وقدم التلفزيون صور رجال شرطة وجنود بملابس الطوارئ، وعلى وجوههم كمامات الوقاية من الهجوم الكيماوي (او ربما النووي). وصور نساء واطفال يجرون يمينا وشمالا، ويبكون ويصرخون، هلعا وخوفا.
وها انا الآن أسألكم كلكم:
"هل الاجراءات الوقائية، واصدار انذارات، واغلاق محطات، يساعد الناس على الاستعداد لمواجهة الهجوم؟ او هل يزيد خوفهم وفزعهم، ولا يعرفون كيف يتصرفون؟"
حدث، ولم يحدث:
لا اعرف الاجابة على هذا السؤال. لكني اعرف بأني قصتي هي قصة ماحدث عندما لم يحدث شئ.
لم يحدث شئ. لكن، حدث شئ.
حدث هلع وخوف ورعب. وانا مثال على ذلك.
وها انا الآن اسألكم كلكم: "هل بالغت في الخوف؟ هل كان يجب ان اتصرف في هدوء؟ انا المتعلم، المتحضر، الصحافي الذي طاف كل العالم، والذي كتب عن كل شئ، والذي يزيد عمره عن ستين سنة؟"
اعترف: نعم، خفت.
ولكن، لأن الاجراءات الامنية اخافتني.
قبل ان انام في تلك الليلة، شاهدت آخر نشرات الاخبار. وقال المذيع: "وصلنا الآن هذا الخبر العاجل: اعلنت الشرطة ان حالة الطوارئ التي اعلنت في البنتاغون لم تكن بسبب غاز شطة حارة لمواجهة المتظاهرين. ولكن بسبب احتراق مادة صابونية لنظافة المحطة. وكان ذلك سبب اجراس الانذار."
نعم، دق صابون النظافة اجراس الانذار في البنتاغون. ودقها في كل واشنطن. ودقها داخل رأسي.
ممممممممممممممممممممم
حلقة سابقة:
1. "فلادلفيا انكوايارار": الله اكبر من اميركا.
ممممممممممممممممممم
حلقات قادمة:
1. "سانفرانسسكو كرونيكل": اغضبني خطاب بوش.
2. "انترناشونال هيرالد تربيون": ذكرتني حرب العراق بحرب السويس.
3. موقع "واشنطن بوست": ليلة في كنيسة مع مشردين.
4. "سنت بيترسبيرغ تايمز": لوني ليست له صلة بهويتي.
5. موقع "واشنطن بوست": صمت رمضان في دير.
6. "بولتيمور صن": اصلي في الجوامع، وفي الكنائس.
7. "سنت بيترسبيرغ تايمز": اولادي: بيض او سود؟
8. "واشنطن بوست": والدي: دعاء او ارهاب؟
9. "لوويفيل جورنال" : زوجتي يمينية متطرفة، ايدت غزو العراق.
مممممممممممممممممممم
"واشنطن بوست":
عندما وقع "هجوم ارهابي على البنتاغون":
لم يحدث شئ. او هل حدث؟
Nothing Happened. Or Did It?
By Mohammad Ali Salih
Washington correspondent, London-based “Asharq Alawsat” International Arabic daily. E-mail: mohammadalisalih@yahoo.com
خلال السنوات الاخيرة في واشنطن، من وقت لآخر، تزيد الاجراءات الامنية في العاصمة الاميركية، واشنطن، خوفا من هجوم ارهابي.
وعندما يحدث ذلك، يزيد توتر رجال الامن، ويزيد توتر الناس، ويزيد توتري. سموها "بارانويا" (جنون الخوف من المجهول) اذا اردتم. ولكن، بالنسبة لرجل مسلم وعربي مثلي، تبدو، احيانا، الحياة في العاصمة الاميركية وكأنها منافسة بين ذكائين: ذكائي العقلاني، وذكاء ما اتخيل من خوف.
حدث لي هذا، مؤخرا، عندما دقت اجراس الانذار في محطة "المترو" (قطار تحت الارض) التي تقع تحت مبنى "البنتاغون" (وزارة الدفاع) اعتقادا بان هناك هجوما ارهابيا، مثل هجوم 11 سبتمبر .
عندما دقت اجراس الانذار في "البنتاغون"، دقت اجراس الخوف في رأسي. واعتقد ان هناك درسا لي، ولغيري، من ما حدث ذلك اليوم.
درس من ما حدث، ودرس من ما لم يحدث.
بداية القصة:
كان الوقت الحادية عشرة صباحا، عندما تركت، مبكرا، مكتبي في مبنى الصحافة الوطنية، في طريقى الى منزلي. نويت، كالعادة، ان اذهب الى محطة "المترو" (قطار تحت الارض)القريبة، واستقل "البلولاين" (الخط الازرق) الذي يذهب الى ولاية فيرجينيا، ويمر تحت مبنى "البنتاغون" حتى آخر محطة في "سبرنغفيلد". ومن هناك استقل حافلة الى موقف السيارات في "رولنغ فالي"، ومن هناك استقل سيارتي الى منزلي في ضاحية "بيرك".
سمعت، بينما كنت انتظر القطار في محطة "المترو"، صوتا من ميكرفون المحطة بأن هناك "حالة طوارئ" في محطة "البنتاغون". لم افكر كثيرا في ذلك، وركبت القطار عندما جاء. لكن، بعد محطة او محطتين، سمعت في ميكرفون القطار الآتي: "تحذير، تحذير: لن يقف هذا القطار في محطة "البنتاغون".
وكان اول شئ قفز الى ذهني هو: "يا الهي، لا تجعل هذا هجوما ارهابيا ثانيا على البتاغون."
هجوم 11 سبتمبر:
وتذكرت هجوم 11 سبتمبر على البنتاغون، وتذكرت الدمار والقتل والخوف والفوضى، واعتقدت انني لن اقدر على ان اعود الى منزلى. وتذكرت خوف الشعب الاميركي، بعد هجوم 11 سبتمبر من كل شئ مسلم واسلامي. وخفت الا يتهمني احد لمجرد اني مسلم، وعربي، واتكلم الانجليزية بلكنة اجنبية.
اسمحوا لي، ربما خفت اكثر مما يجب. لكن زاد خوفي عندما سمعت رجلين اسوديين يجلسان بالقرب منى داخل القطار، ويتحدثان عن "هجوم ارهابي جديد على البنتاغون."
ولهذا، قررت الا اتحدث معهما، او مع أي شخص آخر، خوفا من ان يلاحظوا لهجتي الاجنبية، ويعرفوا بأنني عربي ومسلم. وربما سيعتدون علي خلال هذ الجو المتوتر. ربما كان يجب ان اطمئن للرجلين الاسودين.
منذ ثلاثين سنة:
منذ ان جئت الى اميركا قبل ثلاثين سنة تقريبا، ارتحت لمبادرات الود والصداقة من الاميركيين السود. رغم انني وجدت، ولا زلت اجد، صعوبة في فهم لكنتهم، وفي الاندماج في ثقافتهم.
لكن، بعد هجوم 11 سبتمبر، لاحظت عدم ارتياح من كثير من السود، والبيض، عندما يسمعونني اتكلم، ويعتقدون من لهجتي واسمي انني مسلم وعربي.
داخل القطار، والانذار يتكرر في الميكرفون، كان لابد ان افعل شئ سريعا. وقررت ان اخرج من القطار.
وانتظرت حتى جاء قطار آخر يسير في "اورنج لاين" (الخط البرتقالي). خططت لأن ذهب الى محطة "فينا". واستقل، من هناك، حافلة الى جامعة "جورج ماسون". واستقل، من هناك، سيارة تاكسي الى موقف السيارات في "رولنغ فالي"، حيث سيارتي، واعود بها الى بيتي.
قلت لنفسي ان ذلك سيبعدني من "الهجوم الارهابي" على البنتاغون.
اشاعات في الحافلة:
وانا في الحافلة، سمعت ثلاثة شبان، اعتقد انهم طلاب في جامعة جورج مايسون، يتحدثون عن "هجوم ارهابي على البنتاغون". وتأكدت مخاوفي:
قال الاول: "هجم ارهابيون مسلمون على البنتاغون مرة اخرى."
وقال الثاني: "خطفوا قطارا تحت الارض، وفجروه تحت البنتاغون".
وقال الثالث: "هجموا في المرة الاولي من الجو، بالطائرات. وهجموا هذه المرة من تحت الارض".
وصممت على الا انطق ولا كلمة واحدة، خوفا، مرة اخرى، من ان يعرفوا انني مسلم وعربي.
نزلت من الحافلة في محطة الجامعة، واستاجرت سيارة تاكسي. كان سائقها، لحسن حظي، مسلم من غرب افريقيا. سألته: "هل صحيح ان هناك هجوما ارهابيا على البنتاغون؟" اجاب: "لا اعرف." وحكيت له قصتي. وقال: "هجوم او لا هجوم، صار الاميركيون يخافون من كل له صلة بالاسلام والمسلمين. صارت عندهم "اسلاموفوبيا". صاروا يخيفون انفسهم، ويخيفوننا. حتى الناس في افريقيا صاروا يخافون لأن الاميركيين يخافون."
نشرة الاخبار:
اوصلني سائق التاكسي الى موقف السيارات في "رولنغ فالي". وبمجرد دخولي سيارتي، فتحت الراديو لأتاكد مما حدث. كانت ثلاث ساعات مرت منذ ان تركت مكتبي. قالت نشرة الاخبار ان حالة الطوارئ في "البنتاغون" انتهت، واعيد فتح المحطة. ولم يكن هناك هجوم ارهابي، وكان السبب احتراق غاز يستعمل تفريق المظاهرات، فيه شطة حارة.
شطة حارة؟
هل هذا هو سبب اعلان الطوارئ في "البنتاغون"؟ وسبب اغلاق المحطة؟ وسبب كل هذا الخوف والهلع؟
وانا داخل السيارة، دق جرس التلفون "الموبايل"، وسألني صديق عربي عن سبب عدم الرد على اتصالاته؟ قلت له انها وصلتني كلها، لكنى قررت ان اصمت، والا اتكلم، حتى لا يلاحظ انسان لهجتي الاجنبية.
وحكيت له قصة "الهجوم الارهابي على البنتاغون". وضحكنا. وقلت له: "كنت سأخاف اكثر لو كان ملامحي "شرق اوسطية" مثل ملامح وجهه.
ماذا حدث لأميركا؟:
واتفقنا على ان اميركا، بعد هجوم 11 سبتمبر، دخلت نفقا من الخوف لا يعلم نهايته الا الله. وانها سمحت لنفسها ان تخاف من عصابات ارهابية، ليس لها وطن، وليست جيشا نظاميا.
واتفقنا على ان خوف اميركا من المسلمين يطابقه خوف المسلمين من اميركا. الاميركيون يخافون متأمرين، وانتحاريين، ومتفجرين. والمسلمون يخافون دبابات، وطائرات، وصواريخ.
قال صديقي: "ليست هناك نهاية لهذا الوضع، لأنهم غربيون ولاننا شرقيون" لكني قلت له: "هذا صحيح. لكن، قليلا قليلا، سيتقابل الشرقيون والغربيون، ويتعارفون، ويتعايشون، ويتحابون، ويتزاوجون." قال: "هذا مستحيل" قلت: "مستحيل الآن. لكن ربما في جيل اولادنا، او جيل احفادنا."
في الحقيقة، ربما سبب تفاؤلي هو ثلاثون سنة في اميركا، جعلتني اقتنع بأن العقلانية الاميركية ستقودهم، في النهاية، الى انصاف العرب والمسلمين، يوما ما. وانا شاهد على ذلك: كلما يكبر سني، وكلما تزيد اقامتي في اميركا، كلما يزيد املي وتفاؤلي. احس بأني ازيد اسلاما، وازيد عروبة، وازيد اميركية، وازيد تفاؤلا. رغم ان هذا ربما يبدو متناقضا لبعض الناس.
لماذا؟:
لماذا؟
ربما لأني، بعد كل هذه السنوات، اقتنعت، واعترفت، بأن الحضارة الاميركية مسيحية بيضاء، ولا يقدر ان ينكر ذلك اي مسلم، واي اسود، واي عربي.
زوجتي اميركية مسيحية بيضاء. لكننا، نربى ولدنا وبنتينا على ان ينفتحوا على كل شئ: اسلامي، ومسيحي، وعربي، واميركي، واسود، وابيض.
اخذتهم الى مساجد، وكنائس، ومعابد يهودية، وبوذية، وهندوسية.
انا متأكد بأنني اقدر على ان اتعايش مع كل هذه الاختلافات والتناقضات. وكلما زادت، قوت ايماني، ورسخت هويتي.
منذ هجوم 11 سبتمبر، كمراسل اجنبي في واشنطن، كتبت عشرات الاخبار والتقارير عن هذا الخوف الغريب الذي يطوق الشعب الاميركي، اعظم شعب في التاريخ.
خلال كل هذه السنوات، ظلتت اسمع عبارات ولافتات الانذار والتخويف من الارهاب والارهابيين في كل مكان: في الحافلات، وفي القطارات، وفي المطارات.
قرأت وسمعت:
قرأت في الحافلات اعلانات: "ابلغ السائق اذا سمعت او شاهدت شيئا مريبا." وسمعت في القطارات تعليمات مكررة: "الرجاء ملاحظة اي شئ غريب، او تصرف غريب، وابلغ الشرطة به."
وسافرت بالطائرات، ولاحظت علامة "اس اس اس" على بطاقة دخول الطائرة، ولم اعرف معناها، (توقفت هذه الظاهرة مؤخرا). وفتشوني تفتيشا اكثر من عادي. حتى بدأت احس وكأني مستهدف.
مرت كل هذه الاشياء في ذهني يوم حادت "الهجوم الارهاب على البنتاغون".
عندما وصلت الى بيتي، فتحت التفزيون لأتاكد مما حدث. كانت القناة الثامنة تنقل رسالة من مراسلها، مباشرة على الهواء من امام "البنتاغون". وقال: "رفع البنتاغون حالة الطوارئ. لكن، كانت هناك لحظات مخيفة ومرعبة." وقدم التلفزيون صور رجال شرطة وجنود بملابس الطوارئ، وعلى وجوههم كمامات الوقاية من الهجوم الكيماوي (او ربما النووي). وصور نساء واطفال يجرون يمينا وشمالا، ويبكون ويصرخون، هلعا وخوفا.
وها انا الآن أسألكم كلكم:
"هل الاجراءات الوقائية، واصدار انذارات، واغلاق محطات، يساعد الناس على الاستعداد لمواجهة الهجوم؟ او هل يزيد خوفهم وفزعهم، ولا يعرفون كيف يتصرفون؟"
حدث، ولم يحدث:
لا اعرف الاجابة على هذا السؤال. لكني اعرف بأني قصتي هي قصة ماحدث عندما لم يحدث شئ.
لم يحدث شئ. لكن، حدث شئ.
حدث هلع وخوف ورعب. وانا مثال على ذلك.
وها انا الآن اسألكم كلكم: "هل بالغت في الخوف؟ هل كان يجب ان اتصرف في هدوء؟ انا المتعلم، المتحضر، الصحافي الذي طاف كل العالم، والذي كتب عن كل شئ، والذي يزيد عمره عن ستين سنة؟"
اعترف: نعم، خفت.
ولكن، لأن الاجراءات الامنية اخافتني.
قبل ان انام في تلك الليلة، شاهدت آخر نشرات الاخبار. وقال المذيع: "وصلنا الآن هذا الخبر العاجل: اعلنت الشرطة ان حالة الطوارئ التي اعلنت في البنتاغون لم تكن بسبب غاز شطة حارة لمواجهة المتظاهرين. ولكن بسبب احتراق مادة صابونية لنظافة المحطة. وكان ذلك سبب اجراس الانذار."
نعم، دق صابون النظافة اجراس الانذار في البنتاغون. ودقها في كل واشنطن. ودقها داخل رأسي.
ممممممممممممممممممممم
حلقة سابقة:
1. "فلادلفيا انكوايارار": الله اكبر من اميركا.
ممممممممممممممممممم
حلقات قادمة:
1. "سانفرانسسكو كرونيكل": اغضبني خطاب بوش.
2. "انترناشونال هيرالد تربيون": ذكرتني حرب العراق بحرب السويس.
3. موقع "واشنطن بوست": ليلة في كنيسة مع مشردين.
4. "سنت بيترسبيرغ تايمز": لوني ليست له صلة بهويتي.
5. موقع "واشنطن بوست": صمت رمضان في دير.
6. "بولتيمور صن": اصلي في الجوامع، وفي الكنائس.
7. "سنت بيترسبيرغ تايمز": اولادي: بيض او سود؟
8. "واشنطن بوست": والدي: دعاء او ارهاب؟
9. "لوويفيل جورنال" : زوجتي يمينية متطرفة، ايدت غزو العراق.
مممممممممممممممممممم