رأت .. سعاد .. الطائره تحلق فوق قريتهم وتكاد إطاراتها تلامس
رؤوس منازلهم ثم سمعتها تسقط ومن ثم رأت الغبار الذى علا عنان السماء
ورأت أهل قريتها يركضون عن بكرة أبيهم نحو مكان سقوطها
ولكنها لم تهرول كما فعل الآخرون ، فهى رزينه إلى أبعد حد
وضعت طرحتها السوداء فوق رأسها ولفتها حول الوجه المستدير فبدت كالقمر المنير
وبخطى كأنى بها أنامل عازف تداعب الأوتار كانت قدماها تداعبان وجه الأرض
والجسم اللدن يتتنى ويتقسم فى مشيتها ، عند ما وصلت مكان الطائره
رأت القوم وكأنهم فى يوم عيد ، شقت طريقها إلى أن وصلت الطائره وتأملتها
ودارت حولها فلمحها الخواجه فإنبهر بحسنها الطاغى وسرعان ما أخرج كامرته
ووجهها نحوها وصورها وهى تستند بزراعها على عمود الإطار تحت الجناح
ويدها الأخرى عند خاصرتها ، رأت فى عيني الخواجه وميض أقوى من وميض الفلاش
فشعرت بغبطه وهى تقول لنفسها إنها هزّت حتى قلوب الخواجات
إبتسم لها فردت له بإبتسامه صغيره كادت تجعل الخواجه أن يقول
بلهجه سودانيه ( والله نار منقد عديييل كدا )
كانت هذه هى زيارتها الأولى والأخيره لمكان سقوط الطائره ، لم تعد إليها مره أخرى
فبحدسها العالى شعرت أنها يمكنها أن تستثمر هذا الحدث الفريد من أجل مصلحة قريتهم
فى مساء اليوم التالى وعند ما كان الخواجه فى ضيافة والدها فى ديوانه المُشيّد حديثا
إستأذنت بالدخول ودخلت فإنبهر الخواجه لرؤيتها بالثوب السودانى الأصيل الجميل
كانت فى قمة .. قمة الجمال والأناقه وهى ترتدى الثوب السودانى الجميل رغم صغر سنها
فإلتفافه حول تضاريس جسدها الغض ذادها جمال على جمال أبهر الخواجه
سلمت ولأنها لازالت فى بداية مرحلتها الثانويه العامه قالت موجهه كلامها لأستاذ عبدالرحمن
الذى كان موجودا ومعه أعيان القريه قالت
_ يا ريت يا أستاذ عبدالرحمن لو تقول للخواجه لو هو ساكن مدنى أنا عاوزه منو خدمه
_ خدمة شنو ؟
_ كدى أسألو ساكن وين ؟
_ اى هو ساكن مدنى ، أنا أمس عرفت منو كدا
_ طيب .. يا ريت لو تكلمو لو بقدر يجينا بطيارتو يوم الخميس ويبيت فى القريه
ويخليها مكان ما وقعت عشان المكان دا بقى سوق رائج للقريه وبعدين هو
نحنا نفتح فصل لتعليم الشباب اللغه الإنجليزيه
_ هى نان الطياره لسه ما إتصلحت
_ لو إتصلحت هو ح يطير بيها ولو ما إتصلحت ح تكون قاعده وبكدا نكون ضمنا السوق
وبكدا بكون فاضل لينا إنو هو إنو لو بيقدر يجينا خميس وجمعه ؟ كدى كلمو
_ لكن لو الطياره ما إتصلحت أكيد ح يرجع مكان شغلو ويدوهو طياره تانيه يشتغل بيها
_ كدى إنتا كلمو ونسمع كلامو
كان الخواجه يتابع الحوار بين سعاد وأستاذ عبدالرحمن وهو يحس بأنه المعنى به
وكان أستاذ عبدالرحمن يراوغ فليس لديه إمكانيات لغويه توصل له كلام سعاد
الذى أيده كل الحاضرين وعليه ، تنحنح وبلغه إنجليزيه ركيكه مخلوطه بكلمات عربيه
وإشارات يدويه قدر أن يوصل له جزء من المقصود وفهم المطلوب منه
وكانت الإشكاليه أن أستاذ عبدالرحمن لم يفهم رد الخواجه وقال بصراحته المعهوده
_ يا جماعه حررررم ما فهمتو قال شنو لأنو بتكلم إنجليزى بلهجة أهل شرق لندن
ضحك أبوضراع إلى أن تطايرت سفته فتساقط حُتربها على عراقى الدموريه الذى كان يرتديه
وقال لأستاذ عبدالرحمن
_ عرفتها كيفن من شرق لندن ؟ إنت شفت لندن
ضج الديوان بضحك الحاضرين فإنبرى بله طاحونه قائلا
_ بس فالح فى كيوكلى ، يجنى ويقول لى دقق لى العيش دا كيوكلى
_ ها ها ها
_ هع هع هع
_ هه هه هه هه
_ العجب أنا يوم داك كنت واقف فى صف الجزاره وجا لكزنى وقال لى إكسكيوز مى
أتارى هو إنقليزى موص سااااى
_ هههههههه
_ ههه ههه ههه
_ ها هااا هاااااا
_ وأنا يوم داك أبيت أديهو سفه قال لى ... فك يو ... قلت ليهو يفكك من عمارة الشامى
_ هع هع هع
_ هههههههههه
_ هه هه هه هه
_ والله يا أستاذ عبدالرحمن إنت طلعت إشت
_ هههههههههههههه
_ هع هع هع
_ ها ناس هوووى دا إنجليزىهو إنجليزى خواجات
_ وإنت إنقليزيك بتاع ضهارى ؟
_ هههههههههههههههه
_ ها ها ها
_ هه هه هه
_ هع هع هع
_ كدى يا أستاذ عبدالرحمن باصرو تانى وجازف ليك منو كلمتين تلاته
ولتقهن مع بعض إمكن تطلع منو بحاجه
_ وحات الله يا العمده نضميهو دا جت ما لاقتنى فيهو كلمه قبل كدا
_ كدى حاول
_ أيّا جرب
_ أيوه باصرو
_ جازفو ياخ
_ خلاص خلاص أسكتو دقيقه النجازفو ليكم
وبدأ حوار الطرشان من جديد وإلتفت أستاذ عبدالرحمن ناحية .. سعاد وقال لها
_ عاجبك كدا ؟ هسى الورطه دى أتحل منها كيف ؟
_ أنا بحلك منها
إلتفت الجميع ناحية الصوت فكان هو ذلك الشاب الوسيم جدا والذى يقود عربه
لوحاتها إفراج مؤقت والذى رأى .. سعاد .. ذات يوم وهى قادمه من البحر تحمل على رأسها الجميل
وعاء الماء فتخطاها لمسافه وعاد وقال لها
توجهت الأنظار نحو هذا الشاب وفى العيون إندهاش وتساؤلات شتى
ولكنه سريعا قام بتبديدها وأخبرهم عمن يكون ؟
صلاح .. من أبناء إحدى القرى المجاوره .. مغترب بالسعوديه ويمر
بقريتهم كلما يحضر لزيارة عمته الوحيده فى القريه التى تليهم
عرفوا منه بأنه يجيد الإنجليزيه بطلاقه فأخبروه أن يخبر الخواجه بالكلام
الذى ( حرن ) عنده أستاذ عبدالرحمن ، على حسب وصفهم
نقل الشاب صلاح حديثم للخواجه الذى تبسم وأعجب بلغة صلاح السليمه
وأخبره بأن يعتذر لهم فهو تابع لإدارة مشروع الجزيره وعلى عاتقه مهام جسام
ولكنه يشكرهم على ثقتهم فيه ويوعدهم كلما لاحت فرصه سوف يحضر إلى قريتهم
تقبل الجميع رد الخواجه بصدر رحب مُقدرين ظروفه وظروف عمله
كان صلاح وهو يقوم بنقل الحديث وترجمته كان يلحظ سعاد بطرف خفى فيرى ما جعل
خفقان قلبه يكاد يكون مسموعا ، فأسرّ فى نفسه شيئا عزم على تحقيقه
فى هذه الأثناء ، وفى الطرف الآخر من القريه ، كان العمده السابق يتكئ على عنقريب هباب
تحت ضل نيمته ويرتشف فناجين القهوه مع نسائه الثلاث فى منزل كبيرتهن السره
كان مع كل رشفه يسرح مع ما آل إليه حاله ونظر إلى نسائه فرأى ما سد نفسه عن شُرب القهوه
نساء مهلهلات مترهلات وغبيات ، هكذا هن فى نظره وحبّ أن يطمئن نفسه قليلا
وقال فى سره والله دار السلام دى فيها شوية رقشه كدا ما بطاله لكن دا ما بعفيه يسد الخانه الفاضيه
لابد وأن يأتى بالرابعه فالخير كتير ووفير ، ولابد وأن يأتى بالتى عليها القيمه لكى يعلم ود الفكى
إنه لازال العمده وألف من يتمنى نسبه وبدأ يفكر ، مين يا عمده ؟ مين يا عمده ؟ ميييين يا عمده ؟
بس ، أيوه هى ، حررررم دى أكلم أبوها الفقران الكحيان أكان ينبرش لى على قدومو
دا ركّو على كارو جديده يمين يزغرد قبال أمها ، وبدأ يتخيل وبدأ يتخيل .. سميره .. بشحمها
ولحمها وهى زوجته فتبسم ونظر لنسائه وهن يتسامرن ويتضاحكن كأنهن أخوات
فقال لهن فى سره .. أضحكن .. أيّا أضحكن الماجايبات خبر بكره بجيب فوقكن الدوف المتندل
أشار لأصغر بناته وأتته وهمس لها فى أذنها بأن تذهب لغرفته وتأخذ مركوب النمر وتضعه
تحت مقعد البكسى من غير أن يرها أحد وفعلا ذهبت الطفله ولكنها فى غفله منه
أتته تحمل مركوب النمر وأخبرته بأن ابواب البكسى مغلقه .. هنا إنتبهت الرساله وصاحت فى زميلاتها
_ ألحقن .. العمده مرق مركوب النمر
فى طرفة عين وثبن عليه يمسكن به والهباب يئن تحتهم وهن يمطرنه بالأسئله عن المهمه
الجديده لمركوب النمر الذى يتشاومن منه ؟ أخبرهن بصوت مبحوح إنه عاوز يقشر بيهو ساى
_ هوووى يا الكنت عمده ، أصحى فووووق ، إنت كراع فى الدنيا وكراع فى القبر
_ هوووى يا الرساله يكرك قوندرانى قولى آمييين
_ الليله ما بنفكك إلا تورينا طلعتو ماشى بيهو وين ؟
_ لاعند أبكرنك
_ وشن بدور منو ؟
_ زياره ساى لله فى الله
_ زياره ساى ولأ شان البيت المبغبغه
_ حرررم آحليمه إنتى مرات بتفهميها قبلما تطير هع هع هع
_ وكمان هع هع هع ؟ أمعطنو
ووقعن فى العمده ونتفن له ريشه وأحضرن المركوب ووضعنه على نار الكانون بدل الجبنه
وعلا دخانه ولهيبه وريحة الشيه وهن يغنن بصوت واحد
_ يا حمامه مع السلامه
خرج العمده من منزله وهو ( كالسوسيو الطالع من العجين ) وكان يزبد ويرغى ويلوح
بعكازه فى الهواء وهو يسب ويشتم فى نسائه وفجأه رأى أمامه موكب العمده
والخواجه وهم يتفقدون أحياء القريه ووقف أمامهم مخاطبا العمده ود الفكى
_ والله كبرت يا ود الفكى وبقيت عمده وضيوفك خواجات
_ أنا من يومى كبير لكن كعب الناس اللى بيصغرو كل يوم
_ ود الفكى كعازى جاااااااك
ورفع عكازه فى الهواء وأنزله بكل قوته قاصدا به رأس ود الفكى ولكن فى اللحظه الأخيره
دفعه الجزار فوقع العكاز على رأس الخواجه فسقط على الأرض مضرجا بدمائه
لحظات شخصت الأبصار وتوقفت القلوب إستغلها العمده السابق وفر عبر أزقة القريه الضيقه
تم حمل الخواجه إلى شفخانة القريه وكان الجر غائر والدماء النازفه غزيره
ولكن الممرض حسان تعامل مع الجرح والدماء بكل إتقان وخبره وحنكه
كان الجميع حزينا لهذا الموقف الشاين الذى حل بضيفهم وإعتذروا له كثيرا وأخبروه
بأن من قام بضربه هو إنسان مريض نفسيا وتقبل إعتذارهم
ومازحهم قائلا إنو الجرح دا ح يكون ذكرى دائمه تذكره بهم فتبسم الجميع
وتم القبض على العمده السابق بواسطة خفر العمده ود الفكى وطلبوا منه أن يعتذر
للخواجه وعند ما نظر العمده السابق للخواجه رقّ قلبه الفظ وإعتذر له إعتذارا مريرا
بل وقام بتسليم الخواجه عكازه وقال له ( أتسدّى ) وتبسم الخواجه الذى فهم إشارات العمده
السابق وضمه إليه وتصافى الجميع فحمد الجميع هذه النهايه التى كان يمكن أن تكون سبب
حرب بين السودان وبريطانيا ( تاتشر والنميرى )
وإستعد الجميع لإقامة إحتفال وداع الخواجه الذى تبرع له العمده السابق ب 10 خرفان
العقرب
منذ الصباح الباكر تم تجهيز مكان الإحتفال
وتم دعوة وجهاء جميع القرى المجاوره التى توافد أهلها من كل حدب وصوب
وبدأ الإحتفال رائعا بحماسة الشباب وطُلاب المدارس من الجنسين
وبطلتنا كالعاده متألقه على خشبة المسرح وهى تقوم بربط الفقرات المتنوعه
رقص الجميع مع غناء الحماسه ورقص ضيفهم الأجنبى كأنه أحد أهل البلد
كانت أمسيه ليست كالأمسيات .. تناغم فيها الجميع ما بين فرح وسرور
ومن لحوم ضان العمده السمينه إمتلأت البطون لحد الشبع
وعند مكب بقايا الطعام كانت أنياب كلاب القريه وقططها تفرم العظام جبنا إلى جنب فالخير وفير
سهروا حتى مطلع الفجر وكان مسك ختام الحفل أن غنّت لهم بطلتنا أغنيه رائعه بصوتها الملائكى
وتفرق الجميع بعد أن ودعوا الخواجه الذى أخدته عربه حكوميه إلى مدينة ود مدنى
ومرت الأيام .. وعادت القريه إلى حالها الذى كانت عليه ، المراعى الخضراء والبلدات والجروف
وجلسات العصارى مع فناجين القهوه والحكايات وأمسيات السمر ما بين جنائن وشاطئ نهر
وتلألأت سعاد بدرا فى عليائه ينير نفس كل من يراها .. جمالا وأدب وحشمه
كان فصل الشتاء قد تغلغل برده حتى النخاع داخل عظام أهل القريه وهم يحبون فصل الشتاء
فهو خير ألف مره من الصيف ولهيبه الحارق ، فالبرد مقدور عليه ( بعصيده بوخها يلوى )
والشاى واللقيمات الحاره ، فى فصل الشتاء ترى الأرجل مشققه عند الخلف
وترى الأنوف مشققه بالجمبات وترى الأفواه مشققه فى الزوايا وعليه تكون الضحكه ( نص كم )
وترى طلبة المدارس يتكرفسون فى ( الدفويه ) ومعظمها يكون عند جانب المزيره
الذى يواجه شمس الصباح
كان الشاباب يلا يحبون فصل الشتاء بدعوى أن البنات يرتدين الملابس الثقيله فتختفى تضاريس فاتنه
وعند الغروب بقليل أحست سعاد بالبرد وتناولت معطفها من على الشماعه وأدخلت يدها اليمنى
ثم يدها اليسرى وبدأت تغلق أزرار المعطف الواحد تلو الآخر
وخرجت قاصدة منزل خالتها للسمر مع إبنة خالتها .. وصلت جلست وسرعان ما كنت
هى وإبنة خالتها ترتشفان شاى اللبن المقنن مع الزلابيا الحاره
وبينما هى تطلق ضحكاتها الرنانه الحلوه كان عقرب موجودا داخل المعطف
قد شعر بالدفء وأراد الخروج، كانت طريقة جلستها
قد تركت فضاء بين ظهرها والمعطف إستقله العقرب بالخروج متتبع الضوء
وخرج ومشى على ظهرها على المعطف لحد ياقته والجميله لا تدرى وعاد العقرب نزولا بالجنب الأيسر
ومشى على ظهرها ومشى إلى أن وصل طرف الإسكيرت وتوقف ثم خطى أول خطواته على ساقها المرمر فشعرت بدغدغه ومن غير أن ترى مدت يدها لحكها و .. آه .. ثم صرخه خلعت قلب
ساره إبنة خالتها التى أسقطت كوب الشاى من يدها وهى ترى العقرب على ساق إبنة
خالتها فنفضته بيدها بدون وعى وبكل قوه وأطلقت نداء الإستغاثه بكل قوة صوتها
بصرخه وصلت كل البيوت .
جيتنا بي عقررب عدييييل .. غايتو سحروها ناس الحلة وادوها عين والله مستمتعه جداً بالقصة .. ابدعتَ وننتظر نشوف اليحصل بكرة عضاها ولا زيو وزي باقي الخلق اتخلع بي سماحا وخلاها
جيتنا بي عقررب عدييييل .. غايتو سحروها ناس الحلة وادوها عين والله مستمتعه جداً بالقصة .. ابدعتَ وننتظر نشوف اليحصل بكرة عضاها ولا زيو وزي باقي الخلق اتخلع بي سماحا وخلاها
ليك التجلة
أهلييين .. يقين
كان الغياب غصبا عنى ولظروف قاهره وإنتهت والحمد لله