فهو المكمل نشـأة وخصـال قلـب الحـبيب متيـم بحبيبه
وتقيل عثرتنا من الأوحــال لما بدى برسالة تهدي الورى
وأتى الحبيب وزالت الأثقـال نير الجهالة قد تكسر يومهـا
والنور حطم ظلمة الأغـلال أوثانهم لما رأته تهدمــت
نورا ذكيا في السماء وجـال في ليلة غراء قد زان الدنـا
أو مسه جن فذاك ضــلال هو ساحر قالوا وقالوا شاعر
يرد اعتلاءا بيننا وتعــال ولعله قرأ الصحاف وجاءنـا
لا لافتخار زائل أو مــال يا قوم أني قد بعثت لخيركم
متنزه عن شرككــم والأل أدعو لرب واحد سبحـانـه
من يكذب الأعمام والأخوال ما ضركم لو تسمعون فما أنا
لم تبق منكم في الروي أطلال يا قوم إن المرسلات إذا أتت
تسقي عباد الله شر نكــال فعموا وصموا والقلوب تفجرت
وإن اعتلى ظلم الجهول وطال صبراً عباد الله نصر قــادم
هم للعقيدة خيرة الأبطــال وهناك أرض نستظل بأهلها
من أجلها نستعذب الأهــوال فإلى المدينة فارحـلوا بعقيدة
بدوا للدين حصنا مانعاً ورجال ساء الضلال رحيلهم لمــا
كانت على الكفار شـر وبـال فأراد قتل حبيبنـا في ليلـة
ثأره كي يقبلون فداءه بالمـال مكـراً يدبـر أن يفــرق
وعلى يضرب للفداء مثــال بتراب مكة عميت أبصارهم
تأتي بقدر إبـاءه الأهــوال ما راعه بطش الجبابر أبياً
خلف الحبيب سراقة يحتــال فاشتاط غيظ الكافرين وأرسلوا
يخشى الهوام عليه والأنـذال في الغار يغفو والصديق منتبه
نعم الحصون فما لهـن زوال بيض الحمام وعنكبوت نسجه
والله من فوق البــرية وال ما ظنكـم بمحمـد ورفيقـه
يأتي الصباح وتشرق الآمـال بحصانة العبد الضعيف بربه
عن كل ما لاقاه من أهــوال ونجا الحبيب بدينه رب أجزه
أحلى النشيد وأعذب الأقـوال وبنات خال المصطفى ينشدنه
حمداً لـرب بالغ الأفضــال طلع الهلال إلى السماء فزانها
خير الورى في صحبة الأبطال أهلا به في أرض يثرب إنه
دار الحبيب وخيرة الأبطــال يا سعـد يثرب قد غـدت
بين العشـائر رفعة وجـلال جاء الحبيب لأهله يهديهم
لفداكم من كل مرتخص وغال وازدانت البلد الطهور وقدمت
حاشـاه بعدك سقطة وزوال بك يا رسـول الله تمم ديننا
فهم الدروس فإنهـن غـوال هذي دروس للنجيب وليتـه
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فعن كثيرة صيامه تحدثنا عائشة – رضى الله عنها – وتقول:
1- "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، قالت: وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته فى شهر أكثر صياماً منه فى شعبان"(18).
2- وقال أنس –رضى الله عنه-: "ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته، ولا مفطراً إلا رأيتهن ولا من الليل قائماً إلا رأيته، قال: ولا مسست خزة ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكة ولا عبيرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم(19).
3- وكذا قال ابن عباس – رضى الله عنهما: "ما صام النبى صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً قط غير رمضان، ويصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقوم القائل: لا والله لا يصوم"(20).
فهؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يصورون لنا صيام النبى صلى الله عليه وسلم، وأنه كان من الكثرة بحيث يقول الناظر له، والمتأمل لحاله: إن الصيام دأب له وعادة أو الإفطار كذلك لكثرة ما يصوم وكثرة ما يفطر.
(وذلك لأنه كان يصوم تارة من أول الشهر، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه فى وقت من أوقات الشهر صائماً فراقبه المرة بعد المرة فلابد أن يصادفه صائماً، على وفق ما أراد أن يراه)(21).
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
صيامه صلى الله عليه وسلم أياماً بعينها:
الاثنين والخميس:
وكان مع ذلك يصوم أياماً بعينها من الأسبوع أو الشهر أو السنة.
1- "فكان عليه الصلاة والسلام يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس"(22).
2- ويقول كما فى رواية أخرى: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم"(23).
ثلاثة أيام من الشهر:
3- وسئلت عائشة – رضى الله عنهما -: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟
قالت: نعم،
قيل لها: من أى أيام الشهر كان يصوم؟
قالت: لم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم"(24).
4- وقالت عائشة – رضى الله عنها -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس"(25).
5- وقال عبدالله بن مسعود – رضى الله عنه -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام"(26).
6- وقال عبدالله بن عباس – رضى الله عنهما-: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض فى حضر ولا سفر"(27).
وأيام البيض: هى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمرى.
وكان يوصى بذلك أصحابه كما قال أبو هريرة – رضى الله عنه-:
7- أوصانى خليلى صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتى الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"(28).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على مواظبته صلى الله عليه وسلم على صيام أيام بعينها من كل شهر، وهى تدل على حرصه صلى الله عليه وسلم على الصيام ومواظبته عليه، ومحبته له.
8- ولقد دل على ذلك أيضاً قول أبى الدرداء(29) – رضى الله عنه-: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فى يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شده الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله وعبد الله بن رواحة"(30).
فكونه صلى الله عليه وسلم يحرص على الصيام فى السفر، وهم فى تلك الحالة من الحر، وقد أباح الله تعالى الإفطار فيه بقوله سبحانه: َمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ - [البقرة: 184]، فكونه يصوم والحال ما ذكر يدل دلالة واضحة على عظيم رغبته فى الصوم، كما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفسه بعزائم الأمور، مالم يغلب جانب بيان الشرع، فإنه حينئذ يأخذ بالرخص وما فيه رفق بالمسلمين كما فعل فى غزوة الفتح، وكانت فى رمضان من العام الثامن، حيث صام حتى بلغ الكديد(31)، ثم أفطر وافطر الناس معه(32).
مواصلته صلى الله عليه وسلم للصوم:
ولتلك الرغبة الكاملة والمحبة العظيمة من النبى صلى الله عليه وسلم للصوم، كان يواصل الصوم الأيام بالليالى "ليوفر ساعات ليله ونهاره للعبادة"(33)، والأدلة على ذلك كثيرة:
1- فعن أبى هريرة – رضى الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوصال، إياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسوم الله، قال: إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى، فاكلفوا(34) من العمل ما تطيقون"(35).
2- وعن أنس – رضى الله عنه – قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال: "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم(36)، إنكم لستم مثلى، أو قال: لست مثلكم، إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى"(37).
3- دخل على النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم من شئ؟
فقلنا: لا
قال: فإنى إذا صائم،
ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسوم الله أهدى لنا حيس،
فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل"(38).
4- وفى رواية قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم يأتينى فيقول: أعندك غداء؟
فأقول: لا، فيقول: إنى صائم،
قالت: فأتانى يوماً فقلت: يا رسول الله إنه قد أهديت لنا هدية،
قال: وما هى؟
قلت: حيس،
قال: أما إنى قد أصبحت صائماً ثم أكل"(39).
فهكذا كان صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت رغبته فيه.
وما ذلك إلا لما يعلمه فى الصوم من عظيم الفضل، وكبير الأجر، وبليغ الأثر فى تهذيب النفس، وتزكية الخلق، وهو ما كان يعبر عنه صلى الله عليه وسلم بلسانه الشريف ليحثهم عليه ويرغبهم فيه.
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
من أقواله صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل الصوم والمرغبة فيه:
وأقواله فى ذلك كثيرة جداً، ومن ذلك فى بيان فضله: قوله علية الصلاة والسلام:
1- "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"(40). ومعنى إيماناً: تصديقاً واعتقاداً بأحقية فرضية صومه، ومعنى احتساباً: طلب الثواب من الله(41).
2- وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يصوم يوماً فى سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً"(42)، أى: مدة سير سبعين عاماً.
3- وقوله فيما يرويه عن ربه عز وجل: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: "إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به يدع شهوته وطعامه من أجلى، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف(43) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(44).
حثه صلى الله عليه وسلم على فضل صيام أيام بعينها:
وكان عليه الصلاة والسلام يبين فضل صيام أيام بعينها كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وست أيام من شوال، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:
1- "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله، والسنة التى بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله"(45).
2- وقوله صلى الله عليه وسلم فى صيام ست من شوال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذلك صيام الدهر"(46). أى: أجره كأجر صيام سنة كاملة لأن الحسنة بعشرة أمثالها. إلى غير ذلك من حثه صلى الله علية وسلم على صيام أيام بعينها مما هو مبين فى مظانه.
بيانه صلى الله عليه وسلم لما فى الصوم من تزكية للأخلاق:
وقد كان عليه الصلاة والسلام يبين لأمته ما يفعله الصوم من تزكية للأخلاق، ويحثهم على ما يعين على ذلك فيقول:
1- "الصيام جنة"(47)، ومعنى كونه جنة: أى وقاية تقى صاحبها ما يؤذيه من الشهوات(48).
وذلك لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، فإذا كف المرء نفسه عن الشهوات فى الدنيا كان ذلك ساتراً له عن النار فى الآخرة(49).
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام ينهى أمته عن أن تهتك أستاره وتفعل ما يفسد هذه الوقاية من المحرمات فيقول:
2- ".. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث(50) يومئذ ولا يسخب(51) فإن سابه أحد أو قاتلة فليقل: إنى أمرؤ صائم .."(52).
3- ويقول: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه"(53).
وذلك لأن المقصود من شرعية الصوم "ليس هو نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة بالسوء، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظرة قبول"(54)، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام.
4- "رب صائم ليس له من صيامه إلى الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر"(55).
5- وفى حديث آخر قال: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر"(56). والمعنى: أن من الناس من لم يستفد من صومه، فلم يؤثر فيه تهذيباً للنفس، وتزكية للأخلاق، وذلك من لم يصن صومه عن مفسداته الحسية أو المعنوية، فراح يرفث ويفسق، وكان عليه إذا أراد أن ينال ثمرة الصوم وأجره أن يصونه عن اللغو والرفث والفسوق والعصيان كما قال صلى الله عليه وسلم:
6- "ليس الصيام من الأكل والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إنى صائم، إنى صائم"(57).
والمعنى: أن الصوم لا يكون بالإمساك عن الأكل والشرب فقط، بل لابد أن يصحبه أيضاً إمساك عما ذكر من اللغو والرفث؛ لأن ذلك من غايات الصيام المهمة، والله الموفق والهادى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا هو.
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
مزاحه صلى الله عليه وسلم بحيلة لغوية:
كان صلى الله عليه وسلم يستخدم الحيل اللغوية فى دعابته، وذلك بأن يأتى بالكلام الذى يحتمل معنيين: معنى قريب متبادر إلى الذهن، ومعنى بعيد لا يفهمه إلا الخواص، ويقصد المعنى البعيد، وهو ما يسمى فى البلاغة بالتورية، وحدث ذلك منه صلى الله عليه وسلم فى أكثر من موقف منها:
مع عجوز من الأنصار:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً منبسطاً مع عامة المسلمين على اختلاف منازلهم، فتحكى السيدة عائشة – رضى الله عنها – ممازحته لعجوز من الأنصار فتقول:
"أتت عجوز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلنى الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، قال: فولت – المرأة – تبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز، إن الله يقول: "إنا أنشاناهن إنشاء، فجعلناهن أبكاراً، عربا أتراباً" (الواقعة: 35-37).
مع الأعرابى الذى سأله جملاً:
يحكى لنا أنس – رضى الله عنه – مداعبة النبى صلى الله عليه وسلم للأعرابى الذى طلب منه ناقة يحمل عليه متاعه فى سفره:
يقول أنس – رضى الله عنه - : استحمل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "إنى حاملك على ولد ناقة، فقال الرجل: يا رسول الله، وما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق ..".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
- دعابته صلى الله عليه وسلم بحيلة لغوية ورد الصحابى عليه بالمثل:
قد يكون من يكلمه صلى الله عليه وسلم متنبهاً فلا يقع فى خطأ، ولكن يستطيع أن يرد عليه متخلصاً من سؤاله أو كلامه، وهذا ما حدث مع صهيب وهو ما يسمى بالتشتيت اللغوى، إذ كان الصحابى الجليل صهيب – رضى الله عنه – مريض وكان النبى صلى الله عليه وسلم يمازحه ويخفف عنه، وهذا ما جاء فى هذه الرواية وإليك نصها:
عن صهيب – رضى الله عنه – قال : "أنه كان يأكل التمر وبه رمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتأكل وأنت أرمد؟"، فقال: أنا آكل بالشق الآخر، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى رواية أخرى قال صهيب: "قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ادن فكل، فأخذت آكل من التمر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: تأكل تمراً وبك رمد؟ قال: فقلت: إنى أمضغ من ناحية أخرى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- نوادر ادعاء الغفلة معه صلي الله عليه وسلم
كان بعض الصحابة يمازح النبي صلي الله عليه وسلم بتغافله بأن يقول قولاً لايصدر إلا من غافل ساه لكنه غير ذلك، ومن ذلك:
عوف بن مالك معه صلي الله عليه وسلم:
كان صلي الله عليه وسلم يداعب عوف بن مالك عندما يدخل عليه صلي الله عليه وسلم وهو ما توضحه هذه الرواية :
عن عوف الأشجعي قال : "أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك و هو في قبة من أدم، فسلمت فرد وقال : أدخل، فقلت : أكلي يارسول الله؟ قال: كلك، فدخلت". قال عثمان بن أبي العاتكة : " إنما قال : أدخل كلي من صغر القبة". وقد يكون مزاحاً بين الصحابي والرسول صلي الله عليه وسلم، إذ كيف يدخل بعض الإنسان أو يستأذن لبعضه، فلو أستأذن لرأس لكان إذناً له كله.
5 – تعريضه صلي الله عليه وسلم في الكلام:
وقد يعرض النبي صلي الله عليه وسلم في تعليقه على موقف رآه فيعرض فيه بالشبه و غيره بما قد يفهم غير مراده :
مع سفينة مولى رسول الله صاى الله عليه و سلم
قال : ثقل علي القوم متاعهم ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أبسط كساءك" ، فجعلوا فيه متاعهم، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أحمل فإنما أنت سفينة، قال : فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة، حتي بلغ سبعة ما ثقل علي ".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
مع بريده – رضي الله عنه -:
عن أبي طيبة عبد الله بن مسلم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: " كنت مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فثقل علي القوم بعض متاعهم، فجعلوا يطرحونه علي، فمر بي النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: انت زاملة
قوله صلي الله عليه وسلم لرجل: أنت أبو الورد:
روي ان النبي صلي الله عليه وسلم رأي رجلاً ذو بشرة مشوبة بحمرة فداعبه مداعبة لطيفة وهذا كما توضحه هذه الرواية:
عن حميد الطويل، عن ابن أبي الورد، عن أبيه قال: " رآني النبي صلي الله عليه وسلم، فرآني رجلاً أحمر، فقال : أنت أبو الورد، فقال جبارة: يعني يمازحه".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
كان النبى صلى الله عليه وسلم يمازح صحابته بأفعاله وأقواله، فمن نماذج مزاحه بأفعاله:
مزاح النبى صلى الله عليه وسلم وزاهر بن حرام – رضى الله عنه -:
تحكى كتب السنة لنا ما دار بين النبى صلى الله عليه وسلم وزاهر بن حرام، وكان من الصحابة الذين يبعثون الهدايا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولندع أنساً – رضى الله عنه – يروى لنا هذه الدعابة:
عن أنس – رضى الله عنه - : "أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام وكان يهدى للنبى صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يحبه وكان دميماً فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلنى من هذا؟ فالتفت، فعرف النبى صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبى صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول: من يشترى العبد؟ فقال: يا رسول الله إذاً والله تجدنى كاسداً، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لكن عند الله لست بكاسد أنت غال، وفى رواية: أنت عند الله رابح".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
مع عائشة – رضى الله عنها - :
كان صلى الله عليه وسلم يقطع ملل الحياة الزوجية ببعض المزاح لترفيه عن أهله، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق بعض زوجاته:
فعن عائشة – رضى الله عنها - : "أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر، وهى جارية، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: تعالى أسابقك، فسابقته، فسبقته على رجلى، فلما كان بعد، خرجت معه فى سفر، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: تعالى أسابقك، ونسيت الذى كان وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله، وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن، فسابقته فسبقنى، فقال: هذه بتلك السبقة
مع الأطفال:
حتى الأطفال كان صلى الله عليه وسلم يمازحهم ويشاركهم لعبهم:
فروى عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبدالله وعبيد الله وكثير بن العباس ثم يقول: "من سبق إلى فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
مع رجل من الأنصار:
كان الأنصار – رضى الله عنهم – يتمازحون ويتضاحكون، ويحكى لنا أسيد بن حضير ما حدث بين النبى صلى الله عليه وسلم ورجل منهم:
يقول أسيد: "بينما رجل من الأنصار يحدث القوم وكان فيه مزاح بيننا يضحكهم، فطعنه النبى صلى الله عليه وسلم فى خاصرته بعود، فقال: أصبرنى، فقال: أصطبر، قال: إن عليك قميصاً وليس على قميص، فرفع النبى صلى الله عليه وسلم عن قميصه فاحتضنه وجعل الرجل يقبل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله".
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها
والمقصود أن الله سبحانه وتعالى اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبه ، واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره ، فإنه تعالى طيب لا يحب إلا الطيب ، ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب ، فالطيب من كل شيء هو مختاره تعالى .
وأما خلقه تعالى فعام للنوعين ، وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته ، فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يرضى إلا به ، ولا يسكن إلا إليه ، ولا يطمئن قلبه إلا به ، فله من الكلام الكلم الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى إلا هو ، وهو أشد شيء نفرة عن الفحش في المقال ، والتفحش في اللسان والبذاء والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام خبيث .
وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها ، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية ، وزكتها العقول الصحيحة ، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة ، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ، ويؤثر مرضاته على هواه ، ويتحبب إليه جهده وطاقته ، ويحسن إلى خلقه ما استطاع ، فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به ، ويعاملوه به ، ويدعهم مما يحب أن يدعوه منه ، وينصحهم بما ينصح به نفسه ، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به ، ويحمل أذاهم ولا يحملهم أذاه ، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه ، وإذا رأى لهم حسنا أذاعه ، وإذا رأى لهم سيئا كتمه ، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة ، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا .
" - ص 66 -" وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها ، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والصبر والوفاء ، وسهولة الجانب ولين العريكة والصدق ، وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد ، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان ، والعزة والغلظة على أعداء الله ، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله ، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة ، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول .
وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها ، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يغذي البدن والروح أحسن تغذية ، مع سلامة العبد من تبعته .
وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها ، ومن الرائحة إلا أطيبها وأزكاها ، ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين منهم ، فروحه طيب ، وبدنه طيب ، وخلقه طيب وعمله طيب ، وكلامه طيب ، ومطعمه طيب ، ومشربه طيب ، وملبسه طيب ، ومنكحه طيب ، ومدخله طيب ، ومخرجه طيب ، ومنقلبه طيب ، ومثواه كله طيب . فهذا ممن قال الله تعالى فيه : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) [ النحل : 32 ] ومن الذين يقول لهم خزنة الجنة : ( سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) [ الزمر : 72 ] وهذه الفاء تقتضي السببية ، أي : بسبب طيبكم ادخلوها . وقال تعالى : ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) [ النور : 26 ] ، وقد فسرت الآية بأن الكلمات الخبيثات للخبيثين والكلمات الطيبات للطيبين ، وفسرت بأن النساء الطيبات للرجال الطيبين ، والنساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، وهي تعم ذلك وغيره ، فالكلمات والأعمال والنساء الطيبات لمناسبها من الطيبين ، والكلمات والأعمال والنساء الخبيثة لمناسبها من الخبيثين ، فالله سبحانه وتعالى جعل الطيب بحذافيره في الجنة ، وجعل الخبيث بحذافيره في النار ، فجعل الدور ثلاثة : دارا أخلصت للطيبين ، وهي حرام على غير الطيبين ، وقد جمعت كل طيب وهي الجنة . ودارا أخلصت للخبيث والخبائث " - ص 67 -" ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار . ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدار ؛ ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط ، وذلك بموجب الحكمة الإلهية ، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب ، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم ، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم ، فعاد الأمر إلى دارين فقط : الجنة وهي دار الطيبين ، والنار وهي دار الخبيثين ، وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم ، فجعل طيبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذاتهم ، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور ، وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم ، فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلام حكمة بالغة وعزة باهرة قاهرة ليري عباده كمال ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته ، وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم المفترين الكذابين لا رسله البررة الصادقون ، قال الله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) [ النحل : 38-39 ] .
والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - جعل للسعادة والشقاوة عنوانا يعرفان به ، فالسعيد الطيب لا يليق به إلا طيب ، ولا يأتي إلا طيبا ، ولا يصدر منه إلا طيب ، ولا يلابس إلا طيبا ، والشقي الخبيث لا يليق به إلا الخبيث ، ولا يأتي إلا خبيثا ، ولا يصدر منه إلا الخبيث ، فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه ، والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه . وقد يكون في الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها ، فإن أراد الله به خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة ، فيوافيه يوم القيامة مطهرا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح ، والحسنات الماحية ، والمصائب المكفرة ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ، ويمسك عن الآخر مواد " - ص 68 -" التطهير ، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة ، وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكا ، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده . وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها ، فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا ، وأبطؤهم أبطؤهم خروجا ، ( جزاء وفاقا ) ( وما ربك بظلام للعبيد ) .
ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار خبثه ، بل لو خرج منها لعاد خبيثا كما كان ، كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه ، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة .
ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرءا من الخبائث كانت النار حراما عليه ، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها ، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب ، وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين ورب العالمين لا إله إلا هو .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول
ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به ، وتصديقه فيما أخبر به ، وطاعته فيما أمر ، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل ، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم ، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به ، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال ، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال ، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها ، " - ص 69 -" فأي ضرورة وحاجة فرضت ، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير . وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة ، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم ، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي و
ما لجرح بميت إيلام
وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه ، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
فصل
وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه ، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره ، مع البضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبواب السدد ، ولا يتنافس فيها المتنافسون مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة ، والقلب بكل واد منه شعبة ، والهمة قد تفرقت " - ص 70 -" شذر مذر ، والكتاب مفقود ، ومن يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غير موجود ، فعود العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاويا ، وربعه قد أوحش من أهله وعاد منهم خاليا ، فلسان العالم قد ملئ بالغلول مضاربة لغلبة الجاهلين ، وعادت موارد شفائه وهي معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرفين ، فليس له معول إلا على الصبر الجميل ، وما له ناصر ولا معين إلا الله وحده وهو حسبنا ونعم الوكيل .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم
وهو خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق ، فلنسبه من الشرف أعلى ذروة ، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ، ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم ، فأشرف القوم قومه ، وأشرف القبائل قبيلته ، وأشرف الأفخاذ فخذه .
فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين ، ولا خلاف فيه البتة ، وما فوق " عدنان " مختلف فيه . ولا خلاف بينهم أن " عدنان " من ولد إسماعيل " - ص 71 -" عليه السلام ، وإسماعيل : هو الذبيح " - إسماعيل أم إسحاق - " على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول : هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب ، مع أنه باطل بنص كتابهم ، فإن فيه : إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره ، وفي لفظ : وحيده ، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده ، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم : اذبح ابنك إسحاق ، قال : وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله : اذبح بكرك ووحيدك ، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف وأحبوا أن يكون لهم ، وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب ، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله . وكيف يسوغ أن يقال : إن الذبيح إسحاق ، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب ، فقال تعالى عن الملائكة : إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى : ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) [ هود : 70 - 71 ] فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه ، ولا ريب أن يعقوب رضي الله عنه داخل في البشارة ، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد ، وهذا ظاهر الكلام وسياقه .
فإن قيل : لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان " يعقوب " مجرورا عطفا على " - ص 72 -" إسحاق ، فكانت القراءة ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) أي : ويعقوب من وراء إسحاق . قيل لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به ؛ لأن البشارة قول مخصوص ، وهي أول خبر سار صادق . وقوله تعالى : ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) جملة متضمنة لهذه القيود ، فتكون بشارة ، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية . ولما كانت البشارة قولا كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول ، كأن المعنى : وقلنا لها : من وراء إسحاق يعقوب ، والقائل إذا قال : بشرت فلانا بقدوم أخيه وثقله في أثره لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعا . هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة ، ثم يضعف الجر أمر آخر وهو ضعف قولك : مررت بزيد ومن بعده عمرو ، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر ، فلا يفصل بينه وبين المجرور ، كما لا يفصل بين حرف الجر والمجرور . ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة ( الصافات ) قال : ( فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ) [ الصافات : 103 - 111 ] . ثم قال تعالى : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) [ الصافات : 112 ] . فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به ، وهذا ظاهر جدا في أن المبشر به غير الأول ، بل هو كالنص فيه .
فإن قيل : فالبشارة الثانية وقعت على نبوته ، أي لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة .
قيل : البشارة وقعت على المجموع : على ذاته ووجوده ، وأن يكون نبيا ، ولهذا نصب " نبيا " على الحال المقدر ، أي : مقدرا نبوته ، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل ، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة ، هذا محال من الكلام ، بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى .
" - ص 73 -" وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة ، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها ، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه ، وإقامة لذكر الله ، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل ، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا ، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة .
وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما ؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه . ولما ذكر إسحاق سماه عليما ، فقال تعالى : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ) الذاريات : 24 - 25 ] إلى أن قال : ( قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ) [ الذاريات : 28 ] وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته ، وهي المبشرة به ، وأما إسماعيل فمن السرية ، وأيضا فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد ، وهذا بخلاف إسماعيل ، فإنه ولد قبل ذلك .
وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده ، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته ، والله تعالى قد اتخذه خليلا ، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة ، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها ، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل ، فأمره بذبح المحبوب ، فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة ، فلم يبق في الذبح مصلحة ، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه ، فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح ، وصدق الخليل الرؤيا ، وحصل مراد الرب .
" - ص 74 -" ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود ، ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول ، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه ، وهذا في غاية الظهور .
وأيضا فإن سارة امرأة الخليل صلى الله عليه وسلم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة ، فإنها كانت جارية ، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة " سارة " فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها " هاجر " وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن " سارة " حرارة الغيرة ، وهذا من رحمته تعالى ورأفته ، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله ، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها ، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية ، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية ، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها ، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها ، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم ، وليري عباده جبره بعد الكسر ، ولطفه بعد الشدة ، وأن عاقبة صبر " هاجر " وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين ، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة ، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره . قال تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) [ القصص : 5 ] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
ولنرجع إلى المقصود من سيرته صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه لا خلاف أنه ولد صلى الله عليه وسلم بجوف مكة ، وأن مولده كان عام الفيل " - الرسول عليه السلام - " ، وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته ، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب ، وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك ؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله على " - ص 75 -" أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه ، إرهاصا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة ، وتعظيما للبيت الحرام .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم
واختلف في وفاة أبيه عبد الله ، هل توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل " - عبد الله أبو الرسول - " ، أو توفي بعد ولادته ؟ على قولين : أصحهما : أنه توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل .
والثاني : أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر . ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة " بالأبواء " منصرفها من المدينة من زيارة أخواله ، ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين .
وكفله جده عبد المطلب ، وتوفي ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمان سنين " - جد الرسول - " ، وقيل : ست ، وقيل : عشر ، ثم كفله عمه أبو طالب ، واستمرت كفالته له ، فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام ، وقيل : كانت سنه تسع سنين ، وفي هذه الخرجة رآه بحيرى الراهب وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفا عليه من اليهود ، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة ، ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا ، وهو من الغلط الواضح ، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا ، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر . وذكر البزار في " مسنده " هذا الحديث ولم يقل : وأرسل معه عمه بلالا ، ولكن قال : رجلا .
فلما بلغ خمسا وعشرين سنة خرج إلى الشام في تجارة ، فوصل إلى " - ص 76 -" " بصرى " ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد ، وقيل تزوجها وله ثلاثون سنة ، وقيل إحدى وعشرون ، وسنها أربعون ، وهي أول امرأة تزوجها ، وأول امرأة ماتت من نسائه ، ولم ينكح عليها غيرها ، وأمره جبريل أن يقرأ عليها السلام من ربها .
ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبد لربه ، وكان يخلو بـ " غار حراء " يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، وبغضت إليه الأوثان ودين قومه ، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك .
فلما كمل له أربعون ، أشرق عليه نور النبوة وأكرمه الله تعالى برسالته ، وبعثه إلى خلقه واختصه بكرامته ، وجعله أمينه بينه وبين عباده . ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين ، واختلف في شهر المبعث . فقيل : لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، هذا قول الأكثرين ، وقيل : بل كان ذلك في رمضان ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) [ البقرة : 185 ] قالوا : أول ما أكرمه الله " - ص 77 -" تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن ، وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته :
وأتت عليه أربعون فأشرقت شمس النبوة منه في رمضان
والأولون قالوا : إنما كان إنزال القرآن في رمضان جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة ، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة .
وقالت طائفة : أنزل فيه القرآن ، أي في شأنه وتعظيمه وفرض صومه .
وقيل : كان ابتداء المبعث في شهر رجب .
وكمل الله له من مراتب الوحي مراتب عديدة :
إحداها : الرؤيا الصادقة ، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .
الثانية : ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ) .
" - ص 78 -" الثالثة : أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له ، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانا .
الرابعة : أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس ، وكان أشده عليه ، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها . ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ " - ص 79 -" زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها .
الخامسة : أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها ، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه ، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في [ النجم : 7 ، 13 ] .
السادسة : ما أوحاه الله وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها .
السابعة : كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك ، كما كلم الله موسى بن عمران ، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعا بنص القرآن ، وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء .
وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة ، وهي تكليم الله له كفاحا من غير حجاب ، وهذا على مذهب من يقول : إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى ، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف ، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
" - ص 80 -" فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم
وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه ولد مختونا مسرورا ، وروي في ذلك حديث لا يصح ، ذكره أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " وليس فيه حديث ثابت ، وليس هذا من خواصه ، فإن كثيرا من الناس يولد مختونا . وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله : مسألة سئلت عنها : ختان ختن صبيا فلم يستقص ؟ قال : إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق ، فلا يعيد ؛ لأن الحشفة تغلظ ، وكلما غلظت ارتفع الختان . فأما إذا كان الختان دون النصف فكنت أرى أن يعيد . قلت : فإن الإعادة شديدة جدا ، وقد يخاف عليه من الإعادة ؟ فقال : لا أدري ، ثم قال لي : فإن هاهنا رجلا ولد له ابن مختون ، فاغتم لذلك غما شديدا ، فقلت له : إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا ؟ انتهى . وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ولد كذلك ، وأن أهله لم يختنوه ، والناس يقولون لمن ولد كذلك : ختنه القمر ، وهذا من خرافاتهم .
القول الثاني : أنه ختن صلى الله عليه وسلم يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة .
القول الثالث : أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا .
قال أبو عمر بن عبد البر : وفي هذا الباب حديث مسند غريب ، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن شعيب ، عن عطاء الخراساني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عبد المطلب ختن " - ص 81 -" النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه ، وجعل له مأدبة وسماه محمدا صلى الله عليه وسلم ، قال يحيى بن أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري ، وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفا في أنه ولد مختونا ، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام ، وهو كمال الدين بن طلحة ، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم ، وبين فيه أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب ، وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبة مغنيا عن نقل معين فيها ، والله أعلم .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل في أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه
فمنهن ثويبة مولاة أبي لهب ، أرضعته أياما وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح ، وأرضعت معهما عمه حمزة بن عبد المطلب . واختلف في إسلامها ، فالله أعلم .
ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة وجدامة وهي الشيماء أولاد الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي ، واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة ، فالله أعلم ، وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه ، وكان عمه حمزة مسترضعا في بني سعد بن بكر " - ص 82 -" فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند أمه حليمة ، فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين : من جهة ثويبة ، ومن جهة السعدية .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل
في حواضنه صلى الله عليه وسلم
فمنهن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب .
ومنهن ثويبة وحليمة ، والشيماء ابنتها وهي أخته من الرضاعة كانت تحضنه مع أمها ، وهي التي قدمت عليه في وفد هوازن ، فبسط لها رداءه ، وأجلسها عليه رعاية لحقها .
ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بركة الحبشية ، وكان ورثها من أبيه ، وكانت دايته وزوجها من حبه زيد بن حارثة ، فولدت له أسامة ، وهي التي دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي ، فقالا : يا أم أيمن ما يبكيك فما عند الله خير لرسوله ؟ قالت : إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ، وإنما أبكي لانقطاع خبر السماء ، فهيجتهما على البكاء فبكيا .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
فصل
في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه
بعثه الله على رأس أربعين وهي سن الكمال . قيل : ولها تبعث الرسل ، وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه .
( وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا ، فكان لا يرى رؤيا إلا " - ص 83 -" جاءت مثل فلق الصبح ) . قيل : وكان ذلك ستة أشهر ، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة ، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، والله أعلم .
ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة ، فجاءه الملك وهو بغار حراء ، وكان يحب الخلوة فيه ، فأول ما أنزل عليه ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [ العلق : 1 ] هذا قول عائشة والجمهور .
وقال جابر : أول ما أنزل عليه ( ياأيها المدثر ) .
والصحيح قول عائشة لوجوه :
أحدها : أن قوله : ما أنا بقارئ ، صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئا .
الثاني : الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار ، فإنه إذا قرأ في نفسه أنذر بما قرأه ، فأمره بالقراءة أولا ، ثم بالإنذار بما قرأه ثانيا .
الثالث : أن حديث جابر ، وقوله : أول ما أنزل من القرآن ( ياأيها المدثر ) قول جابر ، وعائشة أخبرت عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بذلك .
" - ص 84 -" الرابع : أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملك عليه أولا قبل نزول ( ياأيها المدثر ) فإنه قال : فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء ، فرجعت إلى أهلي فقلت : زملوني دثروني ، فأنزل الله ( ياأيها المدثر ) وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) فدل حديث جابر على تأخر نزول ( ياأيها المدثر ) والحجة في روايته لا في رأيه ، والله أعلم .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
[OVERLINE][align=center]
[align=center][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][/URL][/URL][/URL][/URL][/align] زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ
فصل
وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيا ، ثم نزل عليه ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) [ الحجر : 94 ] . فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة ، واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن الله لهم بالهجرتين .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]
[OVERLINE][align=center]
[align=center][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][url=http://www.monms.com/vb][/URL][/URL][/URL][/URL][/align] زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ
فصل
في أسمائه صلى الله عليه وسلم
وكلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف ، بل أسماء مشتقة من " - ص 85 -" صفات قائمة به توجب له المدح والكمال .
فمنها محمد ، وهو أشهرها ، وبه سمي في التوراة صريحا كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب " جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " وهو كتاب فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها ، بينا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه ، وصحيحها من حسنها ومعلولها ، وبينا ما في معلولها من العلل بيانا شافيا ، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد ، ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها ، ثم الكلام في مقدار الواجب منها ، واختلاف أهل العلم فيه وترجيح الراجح وتزييف المزيف ، ومخبر الكتاب فوق وصفه .
والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحا بما يوافق عليه كل عالم من مؤمني أهل الكتاب .
ومنها أحمد ، وهو الاسم الذي سماه به المسيح لسر ذكرناه في ذلك الكتاب .
ومنها : المتوكل ، ومنها الماحي ، والحاشر ، والعاقب ، والمقفي ، ونبي التوبة ، ونبي الرحمة ، ونبي الملحمة ، والفاتح ، والأمين .
ويلحق بهذه الأسماء : الشاهد ، والمبشر ، والبشير ، والنذير ، والقاسم ، والضحوك ، والقتال ، وعبد الله ، والسراج المنير ، وسيد ولد آدم ، وصاحب لواء الحمد ، وصاحب المقام المحمود ، وغير ذلك من الأسماء ؛ لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح فله من كل وصف اسم ، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه ويشتق له منه اسم ، وبين الوصف المشترك فلا يكون له منه اسم يخصه .
" - ص 86 -" وقال جبير بن مطعم : سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء ، فقال : ( : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، والعاقب الذي ليس بعده نبي ) .
وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان :
أحدهما : خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل ، كمحمد ، وأحمد ، والعاقب ، والحاشر ، والمقفي ، ونبي الملحمة .
والثاني : ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله ، فهو مختص بكماله دون أصله ، كرسول الله ، ونبيه ، وعبده ، والشاهد ، والمبشر ، والنذير ، ونبي الرحمة ، ونبي التوبة .
وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين ، كالصادق ، والمصدوق ، والرءوف الرحيم ، إلى أمثال ذلك . وفي هذا قال من قال من الناس : إن لله ألف اسم ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم ، قاله أبو الخطاب بن دحية ، ومقصوده الأوصاف .
[align=center]
[/align][/size][/align]
[/OVERLINE]