قال الله تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } الأعراف 57 إلى قوله { كذلك نخرج الموتى } الأعراف 57 الآية كما أخرج النبات بالمطر كذلك يخرج الموتى بماء الحياة فتجتمع العظام والعروق واللحوم والأشعار فيرجع كل عضو إلى مكانه الذي كان فيه في دار الدنيا فتلتئم الأجساد بقدرة الجبار جل جلاله وتبقى بلا أرواح ثم يقول الجبار جل جلاله ليبعثن إسرافيل فيقوم إسرافيل عليه السلام حيا بقدرة الله تعالى فيقول له الجبار يا إسرافيل التقم الصور وازجر عبادي لفصل القضاء فأول ما يحيي الله تبارك وتعالى إسرافيل ويأمره أن يلتقم الصور
41 صفة الصور
42 أين يقف إسرافيل
ويأمر الجبار إسرافيل أن يقوم على صخرة بيت المقدس وينادي في الصور وهو في فيه قد التقمه والصخرة أقرب ما في الأرض إلى السماء وهو قوله تعالى { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب } ق 41 ويقول إسرافيل في ندائه أيتها العظام البالية واللحوم المتقطعة والأشعار المتبددة والعروق المتمزقة لتقمن إلى العرض على الملك الديان ليجازيكن بأعمالكن فإذا نادى إسرافيل عليه السلام في الصور خرجت الأرواح من أثقاب الصور فتنتشر بين السماء والأرض كأنها النحل يخرج من كل ثقب روح ولا يخرج من ذلك الثقب غيره فأرواح المؤمنين تخرج من أثقابها نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمات الكفر وإسرافيل يديم الصوت والأرواح قد انتشرت بين السماء والأرض ثم تدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فيدخل كل روح جسده الذي فارقه في دار الدنيا فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم فإذا هم قيام على أقدامهم ينظرون إلى أهوال يوم القيامة وإسرافيل عليه السلام ينادي بهذا النداء لا يقطع الصوت ويمده مدا والخلائق يتبعون صوته والنيران تسوق الخلائق إلى أرض القيامة
43 ملازمة الأعمال للأجساد
فإذا خرجوا من قبورهم خرج مع كل إنسان عمله الذي عمله في الدنيا لأن عمل كل إنسان يصحبه في قبره فإن كان العبد مطيعا لربه وعمل عملا صالحا كان أنيسه في الدنيا ويكون أنيسه إذا خرج من قبره يوم حشره يؤنسه من الأهوال ومن هموم القيامة وكروبها كلما نظر العبد المؤمن إلى نار أو إلى هول من أهوال القيامة جزع فيقول له عمله يا حبيبي ما عليك من هذا شيء ليس يراد به من أطاع الله وإنما يراد به من عصى الله تعالى مولاه ثم كذب بآياته واتبع هواه وأنت كنت عبدا
44 العمل السوء وهيأته
وإذا كان العبد خاطئا وعاصيا لذي الجلال ومات على غير توبة وانتقال فإذا خرج المغرور المسكين من قبره خرج معه عمله السوء الذي عمل في دار الدنيا وكان قد صحبه في قبره فإذا نظر إليه العبد المغتر بربه رآه أسودا فظيعا فلا يمر على هول ولا نار ولا شيء من هموم القيامة إلا قال له عمله يا عدو الله هذا كله لك وأنت المراد به وأنشدوا
أي يوم يكون يوم النشور
يوم فيه يفوز أهل القبور
يوم فيه الجزاء جنة عدن
لمطيع ومن عصى في سعير
خاب من قد عصى وفاز مطيع
راقب الله في جميع الأمور
قام في الليل للإله ذليلا
ليس يخلو من خوفه للقدير
خاف من عظم يوم هول شديد
شدة الهول من عذاب الزفير
فالله الله عباد الله معشر المريدين انتبهوا من هذا المنام واهجروا الفواحش والآثام وارجعوا إلى طاعة الملك العلام من قبل أن يأتي يوم تشقق السماء فيه بالغمام
45 إخراج الأرض ما فيها
قال الله تعالى { وأخرجت الأرض أثقالها } الزلزلة 2 يعني ما فيها من الموتى والكنوز وما أودعها من أعمال العباد ومن مخبآت أسرارهم من أعمال الطاعة وأعمال العصيان
فيأمر الله تعالى أن تخرج أعمال العباد وذلك أن العبد إذا خرج من قبره يجد عمله على شفير قبره فإن كان عمله صالحا وجده نورا يستره ويحجبه يستر عورته من أعين الناس ويحجبه عن النيران التي تسوق الناس إلى أرض القيامة وإن كان عملا سيئا وجده ظلمة سوداء تكون عليه أشد من كل هول يلقاه من أهوال يوم القيامة
هذا كله في النفخة الثانية وبين النفخة الأولى والثانية أربعون سنة فهو قوله { وأخرجت الأرض أثقالها }
فمثل لنفسك يا مغرور وقد ترادفت عليك الهموم والكروب وأحاطت بك الأهوال والخطوب وأظهرت لك القبائح والعيوب وأثقلت ظهرك الأوزار والذنوب وأنشدوا
قد سودت وجهي المعاصي
وأثقلت ظهري الذنوب
أورثني ذكرها سقاما
يا شؤم نفسي غداة حشري
إذا أحاطت بي الكروب
وصوت داع دعا باسمي
أين مفري وما أجيب
هذا كتاب الذنوب فأقرأ
فعندها تظهر العيوب
ذكر أن العبد إذا خرج من قبره وجد عمله السوء حزمة وملك من ملائكة العذاب واقف عليها فإذا نظر إلى ما قدم في أيامه قال له الملك يا عدو الله خذ عملك فاحمله على ظهرك كما كنت تلتذ به في الدنيا ولم تراقب مولاك وقد علمت أنه مطلع عليك ويراك فيأخذ العبد المسكين تلك الحزمة فيجدها على ظهره أثقل من جبال الدنيا والنار تسوقه إلى الموقف وملك يسوقه سوقا حثيثا بالعنف والانتهار والإغلاظ عليه وآخر يشهد عليه مع علم الله تعالى فيه
وأنشدوا
كيف احتيالي إذا جاء الحساب غدا
وقد حشرت بأثقالي وأوزاري
وقد نظرت إلى صحفي مسودة
من شؤم ذنب قديم العهد أوطاري
وقد تجلى لهتك الستر خالقنا
يوم المعاد ويوم الذل والعار
يفوز كل مطيع للعزيز غدا
بدار عدن وأشجار وأنهار
لهم نعيم خلود لا نفاذ له
يخلدون بدار الواحد الباري
ومن عصى في قرار النار مسكنه
لا يستريح من التعذيب في النار
فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم
لا يستريح من التعذيب بدمع واكف جاري
فالله الله يا أولي الألباب تفكروا في هول يوم الحساب ولا تنسوا المطالبة برد الجواب وأشفقوا على أنفسكم من أليم العذاب وأرجعوا إلى طاعة رب الأرباب وابكوا على ما سلف من ذنوبكم بانتحاب 46
مدة النفخ في الصور
ذكر أن إسرافيل عليه السلام لا يقطع النداء في الصور حتى تخرج الأرض
جميع ما فيها من الموتى ومما أودعها الله تعالى من شيء فإذا كمل العباد في الموقف وكل إنس الأرض وجنها ووحوشها ودوابها وطيرها وأنعامها وهوامها حتى الذباب قطع إسرافيل النداء بأمر الله تعالى وذلك بعد تبديل الأرض غير الأرض والسموات ففي تبديلها قولان
47 هيأة أرض الحساب
وقد قيل إن تبديل الأرض هدم مبانيها وغور مياهها وانقطاع أشجارها وتسجير بحارها وتسيير جبالها وتبديل السماء وتكوير شمسها وقمرها وانكدار نجومها وتعطيل أفلاكها وتشققها
فهذه تبديل الأرض والسماوات والله أعلم بحقيقة ذلك
48 كيف يقف الناس في المحشر
فإذا قطع إسرافيل عليه السلام النداء وقف الخلائق كل واحد منهم ينظر إلى السماء ولا يرتد إليه طرفه ولا يدري أحد من يقف بجواره لا رجل ولا امرأة ولا يدري الأخ بأخيه ولا الوالد بولده ولا الأم بابنها
كل إنسان منهم مشغول بما هو فيه من عظيم الأهوال وكل واحد منهم يفكر فيما قد جاء به من العصيان وفرط فيه من الطاعة والنسيان فالكل ينظر إلى ما ينزل به الأمر من السماء من شقاوة أو سعادة
49 مقدار زمن الحشر
ويقال والله أعلم إن الوقوف يكون مقدار ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا لا خبر يتنزل ولا خبر يصعد
قد كثر الزحام فلا تسمع إلا همس الأقدام حيارى نادمون فيما فرطوا فيه من استزلال القدم يومئذ لا ينفع البكاء ولا الندم
ليس في الدنيا لمن آمن
بالبعث سرور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور {
} فتذكر هول يوم السما فيه تمور
50 بكاء النبي من أهوال القيامة
51 معنى دك الأرض وانشقاقها
سئل بعض العلماء عن معنى تكرار هاتين الكلمتين دكا دكا وصفا صفا فقال تدكدك الأرض دكا بعد دك أي تحرك مرة بعد أخرى حتى لا يبقى عليها أثر من بناء أو جبل أو شجر
وقوله صفا صفا تأتي الملائكة صفا بعد صف كل ملك قد شغل بنفسه لعظم ما يرى من ظهور الأهوال
فإذا كثر زلزال الأرض { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } الحاقة 41 حتى تنقطع الجبال من أصولها وتنشق الأرض وتغور فيها أنهارها وعيونها ويدخل فيها كل قصر شديد من بين قديم وجديد فيا له من يوم ما أهوله ومن بلاء ما أطوله ومن جبار ما أعدله
قد أفنى العباد بالحمام فلا يرى أحد من الأنام
فإذا استوى الأولون والآخرون في أرض القيامة أمر الله تبارك وتعالى السموات أن تنشق فتنشق كل سماء وتنقطع مثل قطع السحاب وقيل كما يتطاير القطن بين يدي القطانين إذا ندفوه


