كتاب اعجبني
المشرف: بانه
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وقال عمرو بن الوليد السهمي عن عباد البصري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد، قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: (سعيد بن المسيب) فأتيته، فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة، فقالوا سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف (عمر) أو (ابن عمر) كان ينهى صومه، ويقول هو يوم الحج الأكبر (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاووس وغيرهم). والقول الثاني: أنه يوم النحر، قال الحارث الأعور: سألت علياً رضي اللّه عنه عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر. وقال عبد الرزاق عن عبد اللّه بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. وقال عبد اللّه بن سنان خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر، واختاره ابن جرير، وروى عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بعير له وأخذ بخطامه أو زمامه فقال: "أي يوم هذا؟" قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: "أليس هذا يوم الحج الأكبر؟" (رواه ابن جرير قال ابن كثير: إسناده صحيح وأصله مخرج في الصحيحين).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
4 - إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدتة المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث (ومن كان له عهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعهده إلى مدته) وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحداً، أي يماليء عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: {إن اللّه يحب المتقين} أي الموفين بعهدهم.
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدتة المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث (ومن كان له عهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعهده إلى مدته) وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحداً، أي يماليء عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: {إن اللّه يحب المتقين} أي الموفين بعهدهم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
5 - فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكروة في قوله تعالى: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} الآية، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس (وهو قول مجاهد وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو الأرجح) في رواية العوفي عنه، أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}، ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة. وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} أي من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم}، وقوله: {وخذوهم} أي وأسروهم، إن شئتم قتلاً وإن شئتم أسراً، وقوله: {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن اللّه غفور رحيم}، ولهذا اعتمد الصديق رضي اللّه عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة، حيث حرمت قتالهم بشرط الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق اللّه عزَّ وجلَّ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي اشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن اللّه بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" الحديث، وقال عبد اللّه ابن مسعود: أمرتم بلإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له، وقال ابن أسلم: أبى اللّه أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم اللّه ما كان أفقهه!
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكروة في قوله تعالى: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} الآية، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس (وهو قول مجاهد وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو الأرجح) في رواية العوفي عنه، أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}، ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة. وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} أي من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم}، وقوله: {وخذوهم} أي وأسروهم، إن شئتم قتلاً وإن شئتم أسراً، وقوله: {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن اللّه غفور رحيم}، ولهذا اعتمد الصديق رضي اللّه عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة، حيث حرمت قتالهم بشرط الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق اللّه عزَّ وجلَّ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي اشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن اللّه بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" الحديث، وقال عبد اللّه ابن مسعود: أمرتم بلإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له، وقال ابن أسلم: أبى اللّه أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم اللّه ما كان أفقهه!
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم". قال أنس: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}. وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك: إنها نسخت كل عهد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة. وقال ابن عباس في هذه الآية: أمره اللّه تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والمواثيق، وأذهب الشرط الأول. ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه، فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} وقال قتادة بالعكس.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
6 - وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون
يقول تعالى لنبيه صلوات اللّه وسلامه عليه: {وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم {استجارك} أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام اللّه، أي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئاً من أمر الدين تقيم به عليه حجة اللّه {ثم أبلغه مأمنه} أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين اللّه وتنتشر دعوة اللّه في عباده، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً، كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، فرأوا من إعظام المسلمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم. ولهذا أيضاً لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك"، والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أماناً، أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم اللّه.
يقول تعالى لنبيه صلوات اللّه وسلامه عليه: {وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم {استجارك} أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام اللّه، أي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئاً من أمر الدين تقيم به عليه حجة اللّه {ثم أبلغه مأمنه} أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين اللّه وتنتشر دعوة اللّه في عباده، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً، كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، فرأوا من إعظام المسلمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم. ولهذا أيضاً لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك"، والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أماناً، أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم اللّه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
7 - كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين
يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد} أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون باللّه كافرون به وبرسوله {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} يعني يوم الحديبية، {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم {فاستقيموا لهم إن اللّه يحب المتقين}، وقد فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن انقضت قريش العهد ومالأوا حلفاءهم، وهم (بنو بكر) على خزاعة أحلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقتلوهم معهم في الحرم أيضاً، فعند ذلك غزاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ففتح اللّه عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم وللّه الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين، ومن استمر على كفره وفر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم (صفوان بن أمية) و (عكرمة بن أبي جهل) وغيرهما ثم هداهم اللّه بعد ذلك إلى الإسلام التام، واللّه المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.
يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد} أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون باللّه كافرون به وبرسوله {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} يعني يوم الحديبية، {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم {فاستقيموا لهم إن اللّه يحب المتقين}، وقد فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن انقضت قريش العهد ومالأوا حلفاءهم، وهم (بنو بكر) على خزاعة أحلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقتلوهم معهم في الحرم أيضاً، فعند ذلك غزاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ففتح اللّه عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم وللّه الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين، ومن استمر على كفره وفر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم (صفوان بن أمية) و (عكرمة بن أبي جهل) وغيرهما ثم هداهم اللّه بعد ذلك إلى الإسلام التام، واللّه المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
8 - كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون
يقول تعالى محرضاً المؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، ومبيناً أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم باللّه تعالى وكفرهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلاً ولا ذمة، قال ابن عباس: الإل القرابة، والذمة العهد (وهو قول الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل: أفسد الناس خلوف خلفوا: قطعوا الإل وأعراق الرحم)، وقال مجاهد: الإل: اللّه أي لا يرقبون اللّه ولا غيره، والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر، وعن مجاهد أيضاً: الإل العهد، وقال قتادة: الإل الحلف.
9 - اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون
- 10 - لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون
- 11 - فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون
يقول تعالى ذماً للمشركين وحثاً للمؤمنين على قتالهم: {اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا} يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات اللّه بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة {فصدوا عن سبيله} أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق {إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} تقدم تفسيرها وكذا الآية التي بعدها.
12 - وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون
يقول تعالى: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتم أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم
{وطعنوا في دينكم} أي عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال، قال قتادة: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، قال ابن مردويه: مرَّ (سعد بن أبي وقاص) برجل من الخوارج، فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر، فقال سعد: كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر، والآية عامة وإن كان سبب نزولها في مشركي قريش واللّه أعلم.
يقول تعالى محرضاً المؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، ومبيناً أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم باللّه تعالى وكفرهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلاً ولا ذمة، قال ابن عباس: الإل القرابة، والذمة العهد (وهو قول الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل: أفسد الناس خلوف خلفوا: قطعوا الإل وأعراق الرحم)، وقال مجاهد: الإل: اللّه أي لا يرقبون اللّه ولا غيره، والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر، وعن مجاهد أيضاً: الإل العهد، وقال قتادة: الإل الحلف.
9 - اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون
- 10 - لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون
- 11 - فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون
يقول تعالى ذماً للمشركين وحثاً للمؤمنين على قتالهم: {اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا} يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات اللّه بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة {فصدوا عن سبيله} أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق {إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} تقدم تفسيرها وكذا الآية التي بعدها.
12 - وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون
يقول تعالى: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتم أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم
{وطعنوا في دينكم} أي عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال، قال قتادة: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، قال ابن مردويه: مرَّ (سعد بن أبي وقاص) برجل من الخوارج، فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر، فقال سعد: كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر، والآية عامة وإن كان سبب نزولها في مشركي قريش واللّه أعلم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
13 - ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين
- 14 - قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
- 15 - ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم
وهذا أيضاً تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}، وقال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} الآية، وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} الآية، وقوله: {وهم بدؤوكم أول مرة} قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر غيرهم، وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى سار إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح وكان ما كان، وقوله: {أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}، يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، ثم قال تعالى بياناً لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد، مع قدرته على إهلاك العدو {قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} وهذا عام في المؤمنين كلهم، وقال مجاهد وعكرمة: {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني خزاعة، {ويتوب اللّه على من يشاء} أي من عباده {واللّه عليم} أي بما يصلح عباده، {حكيم} في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبداً.
- 14 - قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
- 15 - ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم
وهذا أيضاً تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}، وقال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} الآية، وقال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} الآية، وقوله: {وهم بدؤوكم أول مرة} قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر غيرهم، وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى سار إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الفتح وكان ما كان، وقوله: {أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}، يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، ثم قال تعالى بياناً لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد، مع قدرته على إهلاك العدو {قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} وهذا عام في المؤمنين كلهم، وقال مجاهد وعكرمة: {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني خزاعة، {ويتوب اللّه على من يشاء} أي من عباده {واللّه عليم} أي بما يصلح عباده، {حكيم} في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبداً.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
16 - أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون
يقول تعالى: {أم حسبتم} أي ظننتم أن نترككم مهملين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها الصادق من الكاذب، ولهذا قال: {ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون اللّه ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أي بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح للّه ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً * أريد الخير أيهما يليني
وقال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}؟ وقال تعالى: {ما اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} الآية، والحاصل: أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بيَّن أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
يقول تعالى: {أم حسبتم} أي ظننتم أن نترككم مهملين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها الصادق من الكاذب، ولهذا قال: {ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون اللّه ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أي بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح للّه ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً * أريد الخير أيهما يليني
وقال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}؟ وقال تعالى: {ما اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} الآية، والحاصل: أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بيَّن أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
17 - ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون
- 18 - إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين باللّه أن يعمروا مساجد اللّه التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وقالهم: كما قال السدي: لو سألت النصراني ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي ما دينك؟ لقال: يهودي، {أولئك حبطت أعمالهم} أي بشركهم {وفي النار هم خالدون}، ولهذا قال تعالى: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر} فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد. كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال اللّه تعالى: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر} (رواه أحمد والترمذي وابن مردويه والحاكم). وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إنما عمار المساجد هم أهل اللّه"،
- 18 - إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين باللّه أن يعمروا مساجد اللّه التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وقالهم: كما قال السدي: لو سألت النصراني ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي ما دينك؟ لقال: يهودي، {أولئك حبطت أعمالهم} أي بشركهم {وفي النار هم خالدون}، ولهذا قال تعالى: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر} فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد. كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال اللّه تعالى: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر} (رواه أحمد والترمذي وابن مردويه والحاكم). وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إنما عمار المساجد هم أهل اللّه"،
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وعن أنس مرفوعاً يقول اللّه: وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين فيّ، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم (قال ابن عساكر: حديث غريب). وقال عبد الرزاق عن عمر بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت اللّه في الأرض، وإنه حق على اللّه أن يكرم من زاره فيها، وقال المسعودي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي، فلا صلاة له وقد عصى اللّه ورسوله، قال اللّه تعالى: {إنما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الآخر} (أخرجه ابن مردويه)، وقوله: {وأقام الصلاة} أي التي هي أكبر عبادات البدن {وآتى الزكاة} أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، وقوله: {ولم يخش إلا اللّه} أي ولم يخف إلا من اللّه تعالى ولم يخش سواه {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}، قال ابن عباس: من وحّد اللّه وآمن باليوم الآخر {وأقام الصلاة} يعني الصلوات الخمس {ولم يخش إلا اللّه} يقول لم يعبد إلا اللّه {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}، يقول تعالى إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه صلى اللّه عليه وسلم: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، وهي الشفاعة، وكل "عسى" في القرآن فهي واجبة، وقال محمد بن إسحاق: وعسى من اللّه حق.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
19 - أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين
- 20 - الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون
- 21 - يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم
- 22 - خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، قال اللّه عزَّ وجلَّ: {أجعلتم سقاية الحاج - إلى قوله - واللّه لا يهدي القوم الظالمين}، يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك، وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما واللّه لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل اللّه: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية. وعن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل للّه عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل اللّه خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: ففعل، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد - إلى قوله - واللّه لا يهدي القوم الظالمين} (أخرجه عبد الرزاق ورواه مسلم وأبو داود وابن مردويه وابن حبان وابن جرير وهذا لفظه).
- 20 - الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون
- 21 - يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم
- 22 - خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، قال اللّه عزَّ وجلَّ: {أجعلتم سقاية الحاج - إلى قوله - واللّه لا يهدي القوم الظالمين}، يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك، وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما واللّه لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل اللّه: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية. وعن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل للّه عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل اللّه خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: ففعل، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد - إلى قوله - واللّه لا يهدي القوم الظالمين} (أخرجه عبد الرزاق ورواه مسلم وأبو داود وابن مردويه وابن حبان وابن جرير وهذا لفظه).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
23 - يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون
- 24 - قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين
أمر تعالى بمباينة الكفار، وإن كانوا أباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك، كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} أي اكتسبتموها وحصلتموها {وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها} أي تحبونها لطيبها وحسنها أي إن كانت هذه الأشياء {أحب إليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا قال: {حتى يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين}. وروى الأمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جده قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: واللّه يا رسول اللّه لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"، فقال عمر: فأنت الآن واللّه أحب إليّ من نفسي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "الآن يا عمر" (انفرد بإخراجه البخاري). وقد ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". وعن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط اللّه عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له عن ابن عمر مرفوعاً).
- 24 - قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين
أمر تعالى بمباينة الكفار، وإن كانوا أباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك، كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} أي اكتسبتموها وحصلتموها {وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها} أي تحبونها لطيبها وحسنها أي إن كانت هذه الأشياء {أحب إليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا قال: {حتى يأتي اللّه بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين}. وروى الأمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جده قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: واللّه يا رسول اللّه لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"، فقال عمر: فأنت الآن واللّه أحب إليّ من نفسي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "الآن يا عمر" (انفرد بإخراجه البخاري). وقد ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". وعن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط اللّه عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له عن ابن عمر مرفوعاً).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
25 - لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين
- 26 - ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين
- 27 - ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم
يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وإن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم (أخرج البيهقي: أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب من قلة؟ وكانوا اثني عشر ألفاً، فشق ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه: {ويوم حنين...} الآية)، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم أنزل اللّه نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قل الجمع، {فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه واللّه مع الصابرين}،
وقد كانت وقعة حنين (حنين: اسم موضع بأوطاس، عرف باسم رجل اسمه: حنين بن قانية بن مهلائيل من العماليق، كما في معجم البكري) بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ صلى اللّه عليه وسلم من فتح مكة وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فبلغه أن (هوزان) جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم (مالك بن عوف النضري) ومعه ثقيف بكمالها وناس من بني عمرو بن عامر وعون بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا بقضهم وقضيضهم؛ فخرج إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوزان، فلما توجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم وقد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم؛ فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال اللّه عزَّ وجلَّ، وثبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو راكب يومئذ بغلته الشبهاء، يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، ويقول في تلك الحال: "أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب"، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ثم أمر صلى اللّه عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على أن لا يفروا عنه، فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: لبيك لبيك، وانعطف الناس، فتراجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، حتى إن الرجل منهم إن لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه، ثم انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم عليه السلام، أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
- 26 - ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين
- 27 - ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم
يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وإن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم (أخرج البيهقي: أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب من قلة؟ وكانوا اثني عشر ألفاً، فشق ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه: {ويوم حنين...} الآية)، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم أنزل اللّه نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قل الجمع، {فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه واللّه مع الصابرين}،
وقد كانت وقعة حنين (حنين: اسم موضع بأوطاس، عرف باسم رجل اسمه: حنين بن قانية بن مهلائيل من العماليق، كما في معجم البكري) بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ صلى اللّه عليه وسلم من فتح مكة وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فبلغه أن (هوزان) جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم (مالك بن عوف النضري) ومعه ثقيف بكمالها وناس من بني عمرو بن عامر وعون بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا بقضهم وقضيضهم؛ فخرج إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوزان، فلما توجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم وقد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم؛ فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين كما قال اللّه عزَّ وجلَّ، وثبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو راكب يومئذ بغلته الشبهاء، يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، ويقول في تلك الحال: "أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب"، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ثم أمر صلى اللّه عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على أن لا يفروا عنه، فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: لبيك لبيك، وانعطف الناس، فتراجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، حتى إن الرجل منهم إن لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه، ثم انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم عليه السلام، أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال الإمام أحمد عن (يزيد بن أسيد) قال: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في
غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، حان الرواح، فقال: "أجل" فقال: "يا بلال"، فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: "أسرج لي فرسي"، فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، قال فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال تعالى: {ثم وليتم مدبرين}، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يا عباد اللّه أنا عبد اللّه ورسوله" ثم قال: "يا معشر المهاجرين أنا عبد اللّه ورسوله" قال: ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفاً من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه" فهزمهم اللّه تعالى، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عينيه وفمه تراباً، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض، كإمرار الحديد على الطست الجديد (رواه الإمام أحمد والحافظ البيهقي). وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما أن رجلاً قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفر، إن هوزان كانوا قوماً رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء، وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب). قال تعالى: {ثم أنزل سكينته على رسوله} أي طمأنينته وثباته على رسوله {وعلى المؤمنين} أي الذين معه {وأنزل جنوداً لم تروها} وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير عن عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: فلما التقينا نحن وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين، لو يقوموا لنا حلب شاة، قال: لما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.
غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، حان الرواح، فقال: "أجل" فقال: "يا بلال"، فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: "أسرج لي فرسي"، فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، قال فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال تعالى: {ثم وليتم مدبرين}، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يا عباد اللّه أنا عبد اللّه ورسوله" ثم قال: "يا معشر المهاجرين أنا عبد اللّه ورسوله" قال: ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفاً من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه" فهزمهم اللّه تعالى، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عينيه وفمه تراباً، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض، كإمرار الحديد على الطست الجديد (رواه الإمام أحمد والحافظ البيهقي). وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما أن رجلاً قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفر، إن هوزان كانوا قوماً رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء، وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب). قال تعالى: {ثم أنزل سكينته على رسوله} أي طمأنينته وثباته على رسوله {وعلى المؤمنين} أي الذين معه {وأنزل جنوداً لم تروها} وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير عن عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: فلما التقينا نحن وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين، لو يقوموا لنا حلب شاة، قال: لما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار قدمنا ولم نولهم الدبرن وهم الذين أنزل اللّه عليهم السكينة، قال: ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت ارتفع رفعك اللّه، قال: "ناولني كفاً من التراب" فناولته قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً قال: "أين المهاجرون والأنصار؟" قلت: هم هناك، قال: "اهتف بهم" فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم، كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم (رواه الحافظ البيهقي والإمام أحمد في مسنده بنحوه). وعن شيبة بن عثمان قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة أياهما، فقلت اليوم أدرك ثأري منه قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائماً عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: فجئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يخمشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال: "يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان" قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إليَّ من سمعي وبصري، فقال: "يا شيبة قاتل الكفار" (أخرجه الحافظ البيهقي). قال محمد بن إسحاق عن جبير بن مطعم رضي اللّه عنه قال: إنا لمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء، حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة، وفي صحيح مسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم"، ولهذا قال تعالى: {ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}، وقوله: {ثم يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء واللّه غفور رحيم} قد تاب اللّه على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه، وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوماً، فعند ذلك خيَّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا سنة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فردَّه عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفل أناساً من الطلقاء، لكي يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائة مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة (مالك بن عوف النضري) واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد
فكأنه ليث على أشباله * وسط المباءة خادر في مرصد
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد
فكأنه ليث على أشباله * وسط المباءة خادر في مرصد
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
28 - يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم
- 29 - قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً، بنفي المشركين الذين هم نجس عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسعن ولهذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علياً صحبة أبي بكر وأمره أن ينادي في المشركين ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأتم اللّه ذلك وحكم به شرعاً وقدراً، وكتب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، قال اللّه تعالى: {إنما المشركون نجس}، وقال عطاء: الحرم كله مسجد لقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما ورد في الصحيح: "المؤمن لا ينجس"، وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن اللّه تعالى أحل
طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن من صافحهم فليتوضأ. وقوله: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من فضله}، قال محمد بن إسحاق: قال الناس: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل اللّه: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من فضله} (في اللباب: أخرج أبي حاتم: كان المشركون يجيئون إلى البيت بالطعام يتجرون فيه، فلما نهوا عن إتيان البيت، قال المسلمون: أين لنا الطعام؟ فأنزل اللّه: {وإن خفتم ...} الآية. وأخرج ابن جرير: لما نزلت {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام..} شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام وبالمتاع؟ فأنزل اللّه الآية) من وجه غير ذلك {إن شاء}، إلى قوله: {وهم صاغرون} أي هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم اللّه مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية، {إن اللّه عليم} أي بما يصلحكم {حكيم} أي فيما يأمر وينهى عنه لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تبارك وتعالى، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر
ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم لم
يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون أراءهم وأهواءهم وأباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع اللّه ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيماناً صحيحاً لقادهم ذلك
إلى الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاءوا كفروا به وهو أشرف الرسل على أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند اللّه، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر} الآية.
- 29 - قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً، بنفي المشركين الذين هم نجس عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسعن ولهذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علياً صحبة أبي بكر وأمره أن ينادي في المشركين ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأتم اللّه ذلك وحكم به شرعاً وقدراً، وكتب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، قال اللّه تعالى: {إنما المشركون نجس}، وقال عطاء: الحرم كله مسجد لقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما ورد في الصحيح: "المؤمن لا ينجس"، وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن اللّه تعالى أحل
طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن من صافحهم فليتوضأ. وقوله: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من فضله}، قال محمد بن إسحاق: قال الناس: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل اللّه: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللّه من فضله} (في اللباب: أخرج أبي حاتم: كان المشركون يجيئون إلى البيت بالطعام يتجرون فيه، فلما نهوا عن إتيان البيت، قال المسلمون: أين لنا الطعام؟ فأنزل اللّه: {وإن خفتم ...} الآية. وأخرج ابن جرير: لما نزلت {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام..} شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام وبالمتاع؟ فأنزل اللّه الآية) من وجه غير ذلك {إن شاء}، إلى قوله: {وهم صاغرون} أي هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم اللّه مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية، {إن اللّه عليم} أي بما يصلحكم {حكيم} أي فيما يأمر وينهى عنه لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تبارك وتعالى، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر
ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم لم
يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون أراءهم وأهواءهم وأباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع اللّه ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيماناً صحيحاً لقادهم ذلك
إلى الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاءوا كفروا به وهو أشرف الرسل على أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند اللّه، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر} الآية.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً واستقامت جزيرة العرب، أمر اللّه ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفاً، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم؛ وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ وحر، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، ثم استخار اللّه في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال، وضعف الناس، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء اللّه تعالى. وقوله: {حتى يعطوا الجزية} أي إن لم يسلموا {عن يد}: أي عن قهر لهم وهم غلبة {وهم صاغرون} أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية (عبد الرحمن بن غنم الأشعري) قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين صالح نصارى من أهل الشام: "بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديراً ولا كنسية ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططاً للمسلمين، وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوساً، ولا نكتم غشاً للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع أحداً من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعريبة، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، وأن نلزم حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نحرج شعانين ولا بعوثاً، ولا نرفع أصواتنا
مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: "ولا نضرب أحداً من المسلمين" شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق".
مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: "ولا نضرب أحداً من المسلمين" شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
30 - وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون
- 31 - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون
وهذا إغراء من اللّه تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من (اليهود والنصارى) لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على اللّه تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزيز إنه ابن اللّه، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً، وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب اللّه سبحانه الطائفتين، فقال: {ذلك قولهم بأفواههم} أي لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلافهم، {يضاهئون} أي يشابهون {قول الذين كفروا من قبل} أي من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء {قاتلهم اللّه} قال ابن عباس: لعنهم اللّه {أنى يؤفكون}؟ أي كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ وقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه والمسيح ابن مريم}، روى
الإمام أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه: أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من
رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه
طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه} قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال اللّه أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من اللّه؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا اللّه، فهل تعلم إلهاً غير اللّه؟" ثم دعاه إلى الإسلام، وفأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون". وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد اللّه بن عباس وغيرهما في تفسير: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه} إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} أي الذي ما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه.
- 31 - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون
وهذا إغراء من اللّه تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من (اليهود والنصارى) لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على اللّه تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزيز إنه ابن اللّه، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً، وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب اللّه سبحانه الطائفتين، فقال: {ذلك قولهم بأفواههم} أي لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلافهم، {يضاهئون} أي يشابهون {قول الذين كفروا من قبل} أي من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء {قاتلهم اللّه} قال ابن عباس: لعنهم اللّه {أنى يؤفكون}؟ أي كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ وقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه والمسيح ابن مريم}، روى
الإمام أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه: أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من
رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه
طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه} قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال اللّه أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من اللّه؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا اللّه، فهل تعلم إلهاً غير اللّه؟" ثم دعاه إلى الإسلام، وفأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون". وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد اللّه بن عباس وغيرهما في تفسير: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه} إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} أي الذي ما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
32 - يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
- 33 - هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أن يطفئوا نور اللّه}: أي ما بعث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه فكذلك ما أرسل به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا بد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما راموه وأرادوه: {ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ثم قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع (ودين الحق) هو الأعمال الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة {ليظهره على الدين كله}: أي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "إن اللّه زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها". وعن تميم الدارمي رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللّه بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، عزاً يعز اللّه به الإسلام، وذلاً يذل اللّه به الكفر"،
فكان تميم الدارمي يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية (أخرجه الإمام أحمد في المسند). وفي المسند أيضاً عن عدي بن حاتم قال: دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا عدي أسلم تسلم" فقلت: إني من أهل دين، قال: "أنا أعلم بدينك منك"، فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟" قلت بلى! قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك" قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده ليتمن هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قلت كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قالها (أخرجه أحمد في المسند). وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" فقلت: يا رسول اللّه إن كنت لأظن حين أنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} الآية، أن ذلك تام، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء اللّه عزَّ وجلَّ، ثم يبعث اللّه ريحاً طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم" (رواه مسلم في صحيحه).
- 33 - هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أن يطفئوا نور اللّه}: أي ما بعث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه فكذلك ما أرسل به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا بد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما راموه وأرادوه: {ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ثم قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع (ودين الحق) هو الأعمال الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة {ليظهره على الدين كله}: أي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "إن اللّه زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها". وعن تميم الدارمي رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللّه بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، عزاً يعز اللّه به الإسلام، وذلاً يذل اللّه به الكفر"،
فكان تميم الدارمي يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية (أخرجه الإمام أحمد في المسند). وفي المسند أيضاً عن عدي بن حاتم قال: دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا عدي أسلم تسلم" فقلت: إني من أهل دين، قال: "أنا أعلم بدينك منك"، فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟" قلت بلى! قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك" قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده ليتمن هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قلت كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قالها (أخرجه أحمد في المسند). وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" فقلت: يا رسول اللّه إن كنت لأظن حين أنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} الآية، أن ذلك تام، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء اللّه عزَّ وجلَّ، ثم يبعث اللّه ريحاً طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم" (رواه مسلم في صحيحه).