كتاب اعجبني
المشرف: بانه
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
175 - واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين
- 176 - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون
- 177 - ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء (ذكره عبد الرزاق عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه)؛ وقال قتادة عن ابن عباس: هو (صيفي بن الراهب)، وقال كعب: كان رجلاً من أهل البلقاء وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيماً ببيت المقدس مع الجبارين، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه: هو رجل من أهل اليمن، يقال له (بلعم) آتاه اللّه آياته فتركها، وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي اللّه موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى اللّه فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام. وقال سفيان بن عيينة عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال ثقيف: هو أمية بن الصلت، وقال عبد اللّه بن عمرو في قوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} الآية، قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت؛ وقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه. فإنه أدرك زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه اللّه. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه، فإن له أشعاراً ربانية وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح اللّه صدره للإسلام.
والمشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف، وكان يعلم اسم اللّه الأكبر، وكان مجاب الدعوة، ولا يسأل اللّه شيئاً إلا أعطاه إياه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني الجبارين ومن معه أتاه - يعني بلعم - بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع اللّه أن يردَّ عنا موسى ومن معه، قال: إني دعوت اللّه أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه اللّه ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: {فانسلخ منها فأتبعه الشيطان} الآية. وقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال اللّه: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة}، بعث (يوشع ابن نون) نبياً فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن اللّه أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق إلى رجل من بني إسرائيل يقال له: (بلعام) فكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر - لعنه اللّه - وأتى الجبارين، وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وقوله تعالى: {فأتبعه الشيطان} أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه، ولهذا قال: {فكان من الغاوين} أي من الهالكين الحائرين البائرين، وقد ورد في معنى هذه الآية حديث (حذيفة بن اليمان) رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء اللّه، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك" قال: قلت يا نبيّ اللّه أيها أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال: "بل الرامي" (أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي قال ابن كثير: إسناده جيد).
- 176 - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون
- 177 - ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء (ذكره عبد الرزاق عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه)؛ وقال قتادة عن ابن عباس: هو (صيفي بن الراهب)، وقال كعب: كان رجلاً من أهل البلقاء وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيماً ببيت المقدس مع الجبارين، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه: هو رجل من أهل اليمن، يقال له (بلعم) آتاه اللّه آياته فتركها، وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي اللّه موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى اللّه فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام. وقال سفيان بن عيينة عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال ثقيف: هو أمية بن الصلت، وقال عبد اللّه بن عمرو في قوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} الآية، قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت؛ وقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه. فإنه أدرك زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه اللّه. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه، فإن له أشعاراً ربانية وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح اللّه صدره للإسلام.
والمشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف، وكان يعلم اسم اللّه الأكبر، وكان مجاب الدعوة، ولا يسأل اللّه شيئاً إلا أعطاه إياه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني الجبارين ومن معه أتاه - يعني بلعم - بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع اللّه أن يردَّ عنا موسى ومن معه، قال: إني دعوت اللّه أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه اللّه ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: {فانسلخ منها فأتبعه الشيطان} الآية. وقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال اللّه: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة}، بعث (يوشع ابن نون) نبياً فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن اللّه أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق إلى رجل من بني إسرائيل يقال له: (بلعام) فكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر - لعنه اللّه - وأتى الجبارين، وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وقوله تعالى: {فأتبعه الشيطان} أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه، ولهذا قال: {فكان من الغاوين} أي من الهالكين الحائرين البائرين، وقد ورد في معنى هذه الآية حديث (حذيفة بن اليمان) رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء اللّه، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك" قال: قلت يا نبيّ اللّه أيها أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال: "بل الرامي" (أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي قال ابن كثير: إسناده جيد).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقوله تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}، يقول تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها} أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها، {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
قال محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم عن أبي النضر: أنه حدث أن موسى عليه السلام لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له هذا (موسى بن عمران) في بني إسرائيل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع اللّه عليهم قال: ويلكم نبي اللّه معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليه وأنا أعلم من اللّه ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن؛ فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل - وهو جبل حسبان - فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها، حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به فضربها، حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي اللّه والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها، فضربها، فخلى اللّه سبيلها، حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف اللّه لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف اللّه لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك. هذا شيء قد غلب اللّه عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسولهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين برجل من عظماء بني إسرائيل وهو (زمري بن شلوم) رأس سبط شمعون بن يعقوب، فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها، وأتى بها موسى وقال: إني سأظنك ستقول: هذا حرام عليك لا تقربها، قال: أجل هي حرام عليك، قال: فواللّه لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبته، فوقع عليها، وأرسل اللّه عزَّ وجلَّ الطاعون في بني إسرائيل، وكان (فنحاص) صاحب أمر موسى غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء الطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر، فأخذ حربته ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل لهم يقول عشرون ألفاً في ساعة من النهار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل اللّه: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها - إلى قوله - لعلهم يتفكرون}. (رواه محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر وأخرجه ابن جرير بمثله وفيه أن الزنى وقع من عدد من الجند الذين كانوا مع موسى عليه السلام فسلّط اللّه عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً}.وقوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم أبي النضر أن بلعاماً اندلع لسانه على صدره فتشبيهه بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر، وقيل: معناه فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم الدعاء،
كالكلب في لهيثه في حالتيه إن حملت عليه، وإن تركته هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه، كما قال تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}. وقيل: معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى فهو كثير الوجيب فعبر عن هذا بهذا (نقل نحو هذا عن الحسن البصري وغيره)، وقوله تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}، يقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: {فاقصص القصص لعلهم} أي لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال اللّه إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة اللّه عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم اللّه موسى بن عمران عليه السلام، ولهذا قال: {لعلهم يتفكرون} أي فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن اللّه قد أعطاهم علماً وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته وموازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد، أحل اللّه به ذلاً في الدنيا موصولا بذل الآخرة، وقوله: {ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} يقول تعالى: ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه صار شبيهاً بالكلب وبئس المثل مثله؛ ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "ليس منا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (هو في الصحيحين من حديث ابن عباس).
قوله: {وأنفسهم كانوا يظلمون} أي ما ظلمهم اللّه، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والاقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.
كالكلب في لهيثه في حالتيه إن حملت عليه، وإن تركته هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه، كما قال تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}. وقيل: معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى فهو كثير الوجيب فعبر عن هذا بهذا (نقل نحو هذا عن الحسن البصري وغيره)، وقوله تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}، يقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: {فاقصص القصص لعلهم} أي لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال اللّه إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة اللّه عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم اللّه موسى بن عمران عليه السلام، ولهذا قال: {لعلهم يتفكرون} أي فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن اللّه قد أعطاهم علماً وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته وموازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد، أحل اللّه به ذلاً في الدنيا موصولا بذل الآخرة، وقوله: {ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} يقول تعالى: ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه صار شبيهاً بالكلب وبئس المثل مثله؛ ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "ليس منا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (هو في الصحيحين من حديث ابن عباس).
قوله: {وأنفسهم كانوا يظلمون} أي ما ظلمهم اللّه، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والاقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
178 - من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون
يقول تعالى: من هداه اللّه فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: "إن الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" (الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن).
يقول تعالى: من هداه اللّه فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: "إن الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" (الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن).
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
179 - ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
يقول تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم} أي خلقنا وجعلنا لجهنم {كثيرا من الجن والإنس} أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن اللّه قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"، وفي صحيح مسلم أيضاً عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها قالت: دعي النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول اللّه طوبى له، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أو غير ذلك يا عائشة، إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم". وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: "ثم يبعث اللّه إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد"، وتقدم أن اللّه لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي"، والأحاديث في هذا كثيرة. وقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها اللّه سبباً للهداية، كما قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله} الآية، وقال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} هذا في حق المنافقينن وقال في حق الكافرين: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ولم يكونوا صماً ولا بكماً ولا عمياً إلا عن الهدى، كما قال تعالى: {ولو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}، وقال: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، وقال: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين}، وقوله تعالى: {أولئك كالأنعام} أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول، ولهذا قال في هؤلاء: {بل هم أضل} أي من الدواب، لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء؛ ولأنها لم تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف الكافر، فإنه إنما خلق ليعبد اللّه ويوحده فكفر باللّه وأشرك به، ولهذا من أطاع اللّه من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه، ولهذا قال تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}.
يقول تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم} أي خلقنا وجعلنا لجهنم {كثيرا من الجن والإنس} أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن اللّه قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"، وفي صحيح مسلم أيضاً عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها قالت: دعي النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول اللّه طوبى له، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "أو غير ذلك يا عائشة، إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم". وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: "ثم يبعث اللّه إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد"، وتقدم أن اللّه لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي"، والأحاديث في هذا كثيرة. وقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها اللّه سبباً للهداية، كما قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله} الآية، وقال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} هذا في حق المنافقينن وقال في حق الكافرين: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ولم يكونوا صماً ولا بكماً ولا عمياً إلا عن الهدى، كما قال تعالى: {ولو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}، وقال: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، وقال: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين}، وقوله تعالى: {أولئك كالأنعام} أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول، ولهذا قال في هؤلاء: {بل هم أضل} أي من الدواب، لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء؛ ولأنها لم تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف الكافر، فإنه إنما خلق ليعبد اللّه ويوحده فكفر باللّه وأشرك به، ولهذا من أطاع اللّه من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه، ولهذا قال تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
180 - ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال،
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن للّه تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" (أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه وزاد الترمذي (هو اللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن..) وذكر أسماء اللّه الحسنى). ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين،
بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ما أصاب أحداُ قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي،
إلا أذهب اللّه حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحاً". فقيل: يا رسول اللّه أفلا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها". وذكر ابن العربي أحد ائمة المالكية في كتابه (الأحوذي في شرح الترمذي) أن بعضهم جمع من الكتاب والسنّة من أسماء اللّه ألف اسم، فاللّه أعلم. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}، قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء اللّه، وقال مجاهد: اشتقوا اللات من اللّه، والعزى من العزيز، وقال قتادة: يلحدون: يشركون في أسمائه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب، وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال،
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن للّه تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" (أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه وزاد الترمذي (هو اللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن..) وذكر أسماء اللّه الحسنى). ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين،
بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ما أصاب أحداُ قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي،
إلا أذهب اللّه حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحاً". فقيل: يا رسول اللّه أفلا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها". وذكر ابن العربي أحد ائمة المالكية في كتابه (الأحوذي في شرح الترمذي) أن بعضهم جمع من الكتاب والسنّة من أسماء اللّه ألف اسم، فاللّه أعلم. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}، قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء اللّه، وقال مجاهد: اشتقوا اللات من اللّه، والعزى من العزيز، وقال قتادة: يلحدون: يشركون في أسمائه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب، وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
181 - وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
يقول تعالى: {وممن خلقنا} أي بعض الأمم {أمة} قائمة بالحق قولاً وعملاً {يهدون بالحق} يقولونه ويدعون إليه، {وبه يعدلون} يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد في الآية هذه الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل"، وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال، قال رسول الّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" وفي رواية: "حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك".
يقول تعالى: {وممن خلقنا} أي بعض الأمم {أمة} قائمة بالحق قولاً وعملاً {يهدون بالحق} يقولونه ويدعون إليه، {وبه يعدلون} يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد في الآية هذه الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل"، وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال، قال رسول الّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" وفي رواية: "حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
182 - والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
- 183 - وأملي لهم إن كيدي متين
يقول تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ومعناه أن يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، ولهذا قال تعالى: {وأملي لهم} أي وسأملي لهم أي أطول لهم ما هم فيه {إن كيدي متين} أي قوي سديد.
- 183 - وأملي لهم إن كيدي متين
يقول تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ومعناه أن يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، ولهذا قال تعالى: {وأملي لهم} أي وسأملي لهم أي أطول لهم ما هم فيه {إن كيدي متين} أي قوي سديد.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
184 - أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين
يقول تعالى: {أولم يتفكروا} هؤلاء المكذبون بآياتنا {ما بصاحبهم} يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم {من جنة} أي ليس به جنون بل هو رسول اللّه حقاً، دعا إلى حق {إن هو إلا نذير مبين} أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به كما قال تعالى: {وما صاحبكم بمجنون}، وقال تعالى: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}، يقول {ثم تتفكروا} في هذا الذي جاءكم بالرسالة من اللّه أبه حنون أم لا، فإنكم إن فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول اللّه حقاً وصدقاً، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على الصفا فدعا قريشاً، فجعل يفخذهم فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل اللّه تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين}.
يقول تعالى: {أولم يتفكروا} هؤلاء المكذبون بآياتنا {ما بصاحبهم} يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم {من جنة} أي ليس به جنون بل هو رسول اللّه حقاً، دعا إلى حق {إن هو إلا نذير مبين} أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به كما قال تعالى: {وما صاحبكم بمجنون}، وقال تعالى: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}، يقول {ثم تتفكروا} في هذا الذي جاءكم بالرسالة من اللّه أبه حنون أم لا، فإنكم إن فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول اللّه حقاً وصدقاً، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على الصفا فدعا قريشاً، فجعل يفخذهم فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل اللّه تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
185 - أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون
يقول تعالى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك اللّه وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، فيؤمنوا باللّه ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب اللّه وأليم عقابه، وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يقول: فبأي تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيب بعد تحذير محمد صلى اللّه عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند اللّه، يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند اللّه عزَّ وجلَّ؟
يقول تعالى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك اللّه وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، فيؤمنوا باللّه ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب اللّه وأليم عقابه، وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} يقول: فبأي تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيب بعد تحذير محمد صلى اللّه عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند اللّه، يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند اللّه عزَّ وجلَّ؟
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
186 - من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون
يقول تعالى من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئاً {ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا}، وكما قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}.
187 - يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يقول تعالى: {يسألونك عن الساعة} قيل: نزلت في قريش، وقيل في نفر من اليهود، والأول أشبه لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}، وقال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}، وقوله: {أيان مرساها}. قال ابن عباس: منهاها أي متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة: {قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو}، أمر تعالى رسول صلى اللّه عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى اللّه تعالى، فإنه هو الذي يظهر أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: {ثقلت في السماوات والأرض}. قال قتادة: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول كبرت عليهم، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {ثقلت في السموات والأرض} قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة؛ وقال ابن جريج: إذا جاء انشقت السماء، وانتثرت النجوم وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال اللّه عزَّ وجلَّ، فذلك ثقلها، واختار ابن جرير رحمه اللّه أن المراد: ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض كما قال قتادة، كقوله تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة}، ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض واللّه أعلم، وقال السدي: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل {لا تأتيكم إلا بغتة} قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: "إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه". وقال البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطونانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".
يقول تعالى من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئاً {ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا}، وكما قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}.
187 - يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يقول تعالى: {يسألونك عن الساعة} قيل: نزلت في قريش، وقيل في نفر من اليهود، والأول أشبه لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}، وقال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}، وقوله: {أيان مرساها}. قال ابن عباس: منهاها أي متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة: {قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو}، أمر تعالى رسول صلى اللّه عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى اللّه تعالى، فإنه هو الذي يظهر أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: {ثقلت في السماوات والأرض}. قال قتادة: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول كبرت عليهم، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {ثقلت في السموات والأرض} قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة؛ وقال ابن جريج: إذا جاء انشقت السماء، وانتثرت النجوم وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال اللّه عزَّ وجلَّ، فذلك ثقلها، واختار ابن جرير رحمه اللّه أن المراد: ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض كما قال قتادة، كقوله تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة}، ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض واللّه أعلم، وقال السدي: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل {لا تأتيكم إلا بغتة} قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: "إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه". وقال البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطونانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقوله تعالى: {يسألونك كأنك حفي عنها} اختلف المفسرون في معناه، فقيل: معناه كأنّ بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى اللّه إليه: إنما علمها عنده استأثر به فلم يطلع اللّه عليها ملكاً مقرباً ولا رسولاً، وقال قتادة، قالت قريش لمحمد صلى اللّه عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسرَّ إلينا متى الساعة؟ فقال اللّه عزَّ وجلَّ: {يسألونك كأنك حفي عنها}، والصحيح عن مجاهد قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس: كأنك عالم بها لست تعلمها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {كأنك حفي عنها}: كأنك بها عالم وقد أخفى اللّه علمها على خلقه، وقرأ: {إن اللّه عنده علم الساعة} الآية؛ وهذا القول أرجح في المقام من الأول، واللّه أعلم، ولهذا قال: {قل إنما علمها عند اللّه ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، ولهذا جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلس السائل المسترشد، وسأله صلى اللّه عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الأديان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم: {إن اللّه عنده علم الساعة} الآية، وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال: "في حمس لا يعلمهن إلا اللّه"، وقرأ هذه الآية، ثم لما انصرف قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (قال ابن كثير: قد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري)، ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "هاؤم" على نحوٍ من صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها"؟ قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولاصيام، ولكني أحب اللّه ورسوله، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "المرء مع من أحب" فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال الإمام أحمد عن حذيفة قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الساعة، فقال: "علمها عند ربي عزَّ وجلَّ لا يجلّيها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشارطها وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجاً" قالوا: يا رسول اللّه الفتنة قد عرفناها، فما الهرج، قال: "بلسان الحبشة: القتل"، قال: "ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً". وقال وكيع عن طارق بن شهاب قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة، حتى نزلت: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} الآية، وهذا إسناد قوي، فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات اللّه عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة، والعاقب والمقفي والحاشر، الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي اللّه عنهما: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقرن بين إصبيعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: {قل إن علمها عند اللّه ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
188 - قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون
أمره اللّه تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه اللّه عليه، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} الآية، وقوله: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير}، قال مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملاً صالحاً. والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس {لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} أي من المال، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {وما مسني السوء} قال: لاجتنبت ما يكون من الشر أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}.
أمره اللّه تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه اللّه عليه، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} الآية، وقوله: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير}، قال مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملاً صالحاً. والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس {لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} أي من المال، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {وما مسني السوء} قال: لاجتنبت ما يكون من الشر أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
189 - هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين
- 190 - فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} الآية، وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، {فلما تغشاها} أي وطئها {حملت حملا خفيفا} وذلك أول الحمل فلا تجد المرأة له ألماً إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: {فمرت به}، قال مجاهد: استمرت بحمله، وقال أيوب سألت الحسن عن قوله: {فمرت به} قال: لو كنت رجلاً عربياً لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به، وقال قتادة {فمرت به}: استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكت أحملت أم لا، {فلما أثقلت} أي صارت ذات ثقل بحملها، وقال السدي: كبر الولد في بطنها، {دعوا اللّه ربهما لئن آتيتنا صالحا} أي بشراً سوياً، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة. وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاماً لنكونن من الشاكرين {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون}. ذكر المفسرون ههنا آثاراً وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها.
- 190 - فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} الآية، وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، {فلما تغشاها} أي وطئها {حملت حملا خفيفا} وذلك أول الحمل فلا تجد المرأة له ألماً إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: {فمرت به}، قال مجاهد: استمرت بحمله، وقال أيوب سألت الحسن عن قوله: {فمرت به} قال: لو كنت رجلاً عربياً لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به، وقال قتادة {فمرت به}: استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكت أحملت أم لا، {فلما أثقلت} أي صارت ذات ثقل بحملها، وقال السدي: كبر الولد في بطنها، {دعوا اللّه ربهما لئن آتيتنا صالحا} أي بشراً سوياً، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة. وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاماً لنكونن من الشاكرين {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى اللّه عما يشركون}. ذكر المفسرون ههنا آثاراً وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
قال الإمام أحمد في مسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه (عبد الحارث) فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" (رواه أحمد والترمذي والحاكم في المستدرك قال ابن كثير: وهذا الحديث معلول وقد رجّح رحمه اللّه كونه موقوفاً على الصحابي وبيّن أنه غير مرفوع وضعّف ما ورد من آثار). قال ابن جرير عن الحسن {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم اللّه أولاداً فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي اللّه عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابين وعن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولاداً فيعبدهم للّه ويسميهم عبد اللّه وعبيد اللّه ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل اللّه يقول: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - جعلا له شركاء فيما آتاهما} إلى آخر الآية، وعنه قال: أتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما! أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سوياً ومات، كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول اللّه تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} الآية. وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها فأطاعا، وهذه الآثار يظهر عليها واللّه أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه اللّه في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق (آدم وحواء) وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال اللّه: {فتعالى عما يشركون} فذكر آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، واللّه أعلم.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
191 - أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون
- 192 - ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون
- 193 - وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون
- 194 - إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين
- 195 - ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون
- 196 - إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين
- 197 - والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون
- 198 - وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
هذا إنكار من اللّه على المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة للّه مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر عابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئاً من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي بل هم مخلقون مصنوعون كما قال الخليل: {أتعبدون ما تنحتون} الآية، ثم قال تعالى: {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي لعابديهم {ولا أنفسهم ينصرون} يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: {فراغ عليهم ضربا باليمين}، وقال تعالى: {فجعلهم جذادا إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون}، وكما كان (معاذ بن عمرو بن الجموح) و (معاذ بن جبل) رضي اللّه عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ليرتأوا لأنفسهمن فكان لعمرو بن الجموح، وكان سيداً في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء (عمرو بن الجموح) فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفاً ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر، فعلم ان ما كان عليه من الدين باطل وقال:
تاللّه لو كنت إلهاً مستدن * لم تك والكلب جميعاً في قرن
ثم اسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيداً رضي اللّه عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه. وقوله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك.
- 192 - ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون
- 193 - وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون
- 194 - إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين
- 195 - ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون
- 196 - إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين
- 197 - والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون
- 198 - وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
هذا إنكار من اللّه على المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة للّه مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر عابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئاً من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي بل هم مخلقون مصنوعون كما قال الخليل: {أتعبدون ما تنحتون} الآية، ثم قال تعالى: {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي لعابديهم {ولا أنفسهم ينصرون} يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: {فراغ عليهم ضربا باليمين}، وقال تعالى: {فجعلهم جذادا إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون}، وكما كان (معاذ بن عمرو بن الجموح) و (معاذ بن جبل) رضي اللّه عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ليرتأوا لأنفسهمن فكان لعمرو بن الجموح، وكان سيداً في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء (عمرو بن الجموح) فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفاً ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر، فعلم ان ما كان عليه من الدين باطل وقال:
تاللّه لو كنت إلهاً مستدن * لم تك والكلب جميعاً في قرن
ثم اسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيداً رضي اللّه عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه. وقوله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقوله تعالى: {قل ادعوا شركاءكم} الآية، أي استنصروا بها عليَّ فلا تؤخروني طرفة عين واجهدوا جهدكم، {إن وليي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} أي اللّه حسبي وكافيني وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود عليه السلام: {إني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم}، وكقول الخليل: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} الآيات، وكقوله لأبيه وقومه: {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين}، وقوله: {والذين تدعون من دونه} إلى آخر الآية؛ مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذاك بصيغة الغيبة، ولهذا قال: {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون}، وقوله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}، كقوله تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} الآية، وقوله: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}، إنما قال: {ينظرون إليك} أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صور مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال السدي: المراد بهذا المشركون، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير.
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
199 - خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
- 200 - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم
قال ابن عباس {خذ العفو} يعني خذ ما عفا لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، وقال الضحاك عن ابن عباس: أنفق الفضل، وقال عبد الرحمن بن أسلم: أمره اللّه بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير، وقال غير واحد في قوله تعالى: {خذ العفو} قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن الزبير قال: إنما أنزل {خذ العفو} من أخلاق الناس. وفي رواية عن أبي الزبير: {خذ العفو} قال: من أخلاق الناس واللّه لآخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما روي عن أبيّ قال: لما أنزل اللّه عزَّ وجلَّ على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما هذا يا جبريل؟" قال: إن اللّه أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). وقال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال: لقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول اللّه أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: "يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك".
- 200 - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم
قال ابن عباس {خذ العفو} يعني خذ ما عفا لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، وقال الضحاك عن ابن عباس: أنفق الفضل، وقال عبد الرحمن بن أسلم: أمره اللّه بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير، وقال غير واحد في قوله تعالى: {خذ العفو} قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن الزبير قال: إنما أنزل {خذ العفو} من أخلاق الناس. وفي رواية عن أبي الزبير: {خذ العفو} قال: من أخلاق الناس واللّه لآخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما روي عن أبيّ قال: لما أنزل اللّه عزَّ وجلَّ على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما هذا يا جبريل؟" قال: إن اللّه أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). وقال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال: لقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول اللّه أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: "يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك".
- مهاجر في البلد

- مشاركات: 27892
- اشترك في: الأربعاء 2008.2.13 8:57 pm
- مكان: السودان - الخرطوم
تفسير القران الكريم - مختصر التفسير - ابن كثير - الجزء الثاني
وقال البخاري قوله: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} العرف: المعروف (قول البخاري العرف: المعروف نص عليه عروة السدي وقتادة وابن جرير). عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قدم (عيينة بن حصن بن حذيفة) فنزل على ابن أخيه (الحر بن قيس) وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاوراته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب! فواللّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن اللّه تعالى قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإن هذا من الجاهلين، واللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب اللّه عزَّ وجلَّ (أخرجه البخاري في صحيحه).