أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال
المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا حتى يرى خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
فإذا أردت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال سار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت منقادة بأزمة المقدار
فاقضوا مآربكم عجالى إنما عماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا أن تسترد فإنهن عواري
تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت وتحدث من بعد الأمور أمورُ
وتجري الليالي باجتماع وفرقة وتطلع فيها أنجم وتغورُ
وتطمع أن يبقى السرور لأهله وهذا محال أن يدوم سرورُ
يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت منعمة كر الجديدين إقبالا وإدبارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك قد كان في الدهر نفاعا وضرارا يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسي ويصبح في دنياه سفارا
هلا تركت من الدنيا معانقة حتى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها فينبغي لك أن لا تأمن النارا
من مال إلى الدنيا وصبا
قد أمعن في الفاني طلبا
خذ ما يبقى كيلا تشقى
واتبع حقاً ودع اللعبا
وذر الدنيا فلكم قتلتْ
مكراً بسهام هوى وصبا
برت ورعت فإذا اجتمعت
خدعت حتى قطعت إربا
يا عاشقها كم قد نصبت
لهلاكك فاحذرها سببا
يا آمنها كم قد سلبت
ولداً براً أماً وأبا
كم ثغر ملتثم ثلمت
قد كان لراشفه ضربا
فسقته المر لدى جدث
وكذاك الدهر إذا ضربا
وأتت قصراً يحوي نصراً
فغدا وقصاراه خربا
ومليكاً في صولة دولته
أضحى في الحفرة مغتربا
عرج بأمدار على الآثار
وسل طللاً أمسى شجبا
ينبيك بأنهم رحلوا
وثوى من بعدهم الغربا
فتأمل عاقبة الدنيا
فلعلك تصبح مجتنبا
وتدبر ما صنعت فلقد
أبدت بصنايعها عجبا
ينساك الأهل إذا رجعوا
عن قبرك لا تسمع كذبا
تركوك أسيراً إذ ذهبوا
بتراب ضريحك محتجبا
وغدوا فرحين بما أخذوا
وغدوت باتمك محتقبا
يا محب الدنيا الغرور اغترارا
راكباً في طلابها الأخطارا
يبتغي وصلها فتأبى عليه
وترى أنسه فتبدي نفارا
خابَ من يبتغي الوصال لديها
جارةٌ لم تزل تسيء الجوارا
كم محبٍّ أرته أنساً فلما
حاول الزور صيرته ازورارا
شيب حلو اللذات منها بمر
إن حلت مرة أمرت مرارا
في اكتساب الحلال منها حساب
واكتساب الحرام يصلي النارا
ولباغي الأوطار منها عناءٌ
سوف يقضي وما قضى الأوطارا
كل لذاتها منغصة العيش
وأرباحها تعود خسارا
وليالي الهموم فيها طوال
وليالي السرور تمضي قصارا
وإذا ما سقت خمور الأماني
صيرت بعدها المنايا خمارا
كم مليك مسلط ذللته
بعد عز فما أطاق انتصارا
ونعيم قد أعقبته ببوس
ومغان قد غادرتها قفارا
ألا كلُّ حي هالك وابن هالك
وذو نسب في الهالكين عريق
فقل لغريب الدار إنك راحلُ
إلى منزل نأى المحل سحيق
وما تعدم الدنيا الدنية أهلها
شواظ حريق أو دخان حريق
تجرع فيها هالكاً فقد هالك
وتشجى فريقاً منهم بفريق
فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها
قراراً فما دنياك غير طريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له
عن عدو في ثياب صديق
عليك بدار لا يزال ظلالها
ولا يتأذى أهلها بمضيق
فما يبلغ الراضي رضاه ببلغة
ولا ينفع الصادي صداه بريق
أيها المستعير منها متاعاً
عن قليل تسترجع المستعارا
عد عن وصل من يعيرك ما
يفنى ويبقى إثماً ويكسب عارا
قد أرتك الأمثال في سالف الد
هر وما قدراتك فيك اعتبارا
وجدير بالعذر من قدم الأ
عذار فيما جناه والإنذارا
فتعوض منها بخلة صدق
والتمس غير هذه الدار دارا
والبدار البدار بالعمل الصا
لح ما دمت تستطيع البدارا
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا في مسمع الكون العظيم وكبرا
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا بل الكتائب يفتح الأمصارا
قوم إذا داعي الجهاد دعاهم هبّوا إلى الداعي بغير توان
وبنعمة الإسلام عاشوا إخوة شركاء في الأفراح والأحزان
... محرابهم بالليل معمور بهم يتضرّعون تضرّع الرهبان
وإذا انقضى الليل البهيم وجدتهم بنهارهم يا صاح كالفرسان
و هتافهم الله أكبر إنهم لم يهتفوا بحياة شخص فان
ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء فما نسى الزمان ولا نسينا
حملناها سيوفا لامعات غداة الروع تأبى أن تلينا
إذا خرجت من الأغماد يوما رأيت الهول والفتح المبينا
وكنا حين يرمينا أناس نؤدبهم أباة قادرينا
وكنا حين يأخذنا ولي بطغيان ندوس له الجبينا
تفيض قلوبنا بالهدي بأسا فما نغضي عن الظلم الجفونا
وما فتئ الزمان يدور حت ى مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر : أين المسلمون ؟
ترى هل يرجع الماضي ؟ فإني أذوب لذلك الماضي حنينا
بنينا حقبة في الأرض ملكا يدعمه شباب طامحونا