فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفعها عن تشفيها بالانتقام_ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام. قال النبي_عليه الصلاة والسلام_: =وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزَّاً+(1). وقال عمر بن عبد العزيز ×:=أحبُّ الأمور إلى ثلاثة: العفوُ عند المقدرة، والقصدُ في الجِدَة، والرفق بالعَبَدَةِ+. =وعن داود بن الزبرقان قال: قال أيوب: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عمّا في أيدي الناس، والتجاوز عنهم+. وقال الشافعي ×:
لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ
أرحت نفسي من ظلم العداواتِ
ومن جميل ما يذكر في هذا قول المقنَّع الكندي:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وبين بني عمي لمختلفٌ جدَّا[font="][/font] إذا قدحوا لي نارَ حربٍ بِزَنْدِهِمْ
قدحت لهم في كلِّ مكرمةٍ زندا
وإن أكلوا لحمي وَفَرْتُ لحومَهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقدَ القديمَ عليهمُ
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا[font="][/font]
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ×:
وإني لأكسو الخلَّ حُلَّةَ سندسٍ
إذا ما كساني من ثياب حِدَادِهِ
وعن عبد الملك أو قيس عبد الملك قال:=قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته_يعني لنومة القيلولة_فعرض له رجل بيده طومار_صحيفة مطوية_فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه، فشجَّه. قال: فنظرتُ إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته، وخلَّى سبيله+. وقال ابن القيم × متحدثاً عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء:=وما رأيت أحداً أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه_ وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له_فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعو له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه+. فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل_كما قال ابن حبان_: =توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة; إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها+. وقد يظن ظانٌّ أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه_موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ; ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال; فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة، أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه، حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة.
سياسة الحلم لا بطشٌ يكدِّرها
فهو المهيب ولا تخشى بوادره
فالعفو إسقاط حقك جوداً، وكرماً، وإحساناً مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك; رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذل; فإن صاحبه يترك الانتقام عجزًا، وخوفاً، ومهانةَ نفسٍ، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقمَ بالحق أحسنُ حالاً منه http://www.anasudani.net/fourm/#_ftnref1([1]) رواه مسلم (2588).[font="][/font]
فالسخاء محبة ومحمدة، كما أن البخل مذمة ومبغضة، فالسخاء يجلب المودة، وينفي العداوة، ويكسب الذكر الجميل، ويخفي العيوب والمساوئ.
وإن كثرت عيوبك في البرايا
وسَرَّكَ أن يكون لها غطاءُ
تستر بالسخاء فكلُّ عيبٍ
يُغَطِّيه كما قيل السخاء
فإذا ما اتصف الإنسان بالسَّخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده ذلك إلى أن يترقى في مكارم الأخلاق، ومدارج الفضيلة; فالسخي قريب من كل خير وبر. ولهذا كان الأكابر يبادرون إلى تلك الخلَّة، ويحرصون كل الحرص على اكتسابها، ويوصون غيرهم بأن يتحلى بها. قال ابن عباس رضي الله عنهما_:=ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسَّع لي في المجلس، ورجل اغبَرَّت قدماه في المشي إليَّ; إرادة التسليم عليَّ. أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله ! قيل: من هو? قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بم ينزله، ثم رآني أهلاً لحاجته; فأنزلها بي+. قال الرافعي×:=فمن ألزم نفسه الجود والإنفاق راضها رياضةً عمليةً كرياضة العضل بأثقال الحديد، ومعاناة القوة في الصراع ونحوه. أما الشح فلا يناقض تلك الطبيعة، ولكنها يدعها جامدة مستعصية، لا تلين، ولا تستجيب، ولا تتيسر+. ومما تحس الإشارة إليه أن السخاءَ سخاءان; سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عمّا في أيدي الناس. وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه من العيب. فإن هو جمعهما، فبذل وعف فقد استكمل الجود والكرم
وهذه مرتبة عالية، ومنزلة رفيعة، وهي أن تنسى ما يصدر منك من إحسان، حتى كأنه لم يصدر. فمن أراد أن يرتقي في المكارم فلينْسَ ما قدم من إحسان ومعروف; حتى يسلم من المنة والترفع على الناس، ولأجل أن يتأهل لنيل مكارم أخرى أرفعَ وأرفعَ
وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوَّعَتْ له به أنفسهم سماحة واختياراً، وألا يحملهم على العنت والمشقة. قال_تعالى_: [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ](الأعراف: 199). قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما_في هذه الآية:=أمر الله نبيَّهُ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس+. وقال مجاهد:=يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم+. قال المقنع الكندي واصفاً حاله مع قومه:
وأعطيهم مالي إذا كنت واجداً
وإن قَلَّ مالي لم أكَلِّفْهُمُ رِفدا
وقال الآخر:
خذِ العفو واصفح عن أمور كثيرة
ودع كدر الأخلاق واعمد لما صفا
=ولما قدم حاتم الأصم إلى أحمد بن حنبل قال له: أحمد بعد بشاشته به: أخبرني كيف التخلص إلى السلامة? فقال له حاتم: بثلاثة أشياء. فقال أحمد: ما هي? قال: تعطيهم مالك، ولا تأخذ مالهم، وتقضي حقوقهم، ولا تطالبهم بقضاء حقوقك، وتصبر على أذاهم ولا تؤذهم. فقال أحمد: إنها لصعبة! قال حاتم: وليتك تسلم+. قال الرافعي ×:=إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق
فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، فهو مما يعين على الصبر، والمجاهدة، وتحمل أذى الناس; فإذا أيقن المسلم أن الله_عز وجلّ_سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته لنفسه_فإنه سيحرص على اكتساب محاسن الأخلاق، وسيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل.
لأن الغضب جمرة تتقد في القلب، وتدعو إلى السطوة والانتقام والتشفي. فإذا ما ضبط الإنسان نفسه عند الغضب، وكبح جماحها عند اشتداد سورته_فإنه يحفظ على نفسه عزتها وكرامتها، وينأى بها عن ذلّ الاعتذار، ومغبة الندم، ومذمة الانتقام. عن أبي هريرة ÷ قال:=جاء رجل فقال: يا رسول الله، أوصني، فقال: لا تغضب، ثم ردد مرارارًا، قال: لا تغضب+(1). قال الماوردي:=فينبغي لذي اللب السوي، والحزم القوي أن يتلقى قوة الغضب بحلمه فيصدها، ويقابل دواعي شِرَّته بحزمه فيردها; ليحظى بأجل الخيرة، ويسعد بحميد العاقبة+. هذا ومما يعين المرء على تسكين الغضب أن يذكر الله_عز وجل_وأن ينتقل عن الحالة التي هو عليها، وأن يتذكر ثواب العفو وعواقب الغضب، وأن يوطن المرء نفسه على ما يصيبه من أذى الخلق، وألا ينفذ غضبه بعد أن يغضب http://www.anasudani.net/fourm/#_ftnref1([1]) رواه البخاري 7/99.
لأن الجدال يذكي العداوة، ويورث الشقاق، ويقود إلى الكذب، ويدعو إلى التشفي من الآخرين. فإذا تجنبه المرء سلم من اللجاج، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه، وإطلاق لسانه في بذئ الألفاظ، وساقط القول. ثم إن اضطر إلى الجدال فليكن جدالاً هادئاً يراد به الوصول إلى الحق، وليكن بالتي هي أحسنُ وأرفقُ. قال_تعالى_: [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ](النحل: 125). أما إذا لجَّ الخصم في الجدال، وعلا صوته في المجلس فإن السكوت أولى، وإن أفضل طريقة لكسب الجدال_حينئذٍ_هي تركه. قال_عليه الصلاة والسلام_:=أنا زعيم ببيت في ربض([1]) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلقهhttp://www.anasudani.net/fourm/#_ftnref1([1]) ربض الجنة : أدناها.[font="][/font]
: فهذا مما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، ومما يبعث على التخلي عن الأخلاق الساقطة. فعلى من نُصح أن يتقبل النصح، وأن يأخذ به; حتى يكمل سؤدده، وتتم مروءته، ويتناهى فضله. بل ينبغي لمتطلب الكمال_خصوصاً إذا كان رأساً مطاعاً_أن يتقدم إلى خواصه، وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته_فيأمرهم أن يتفقَّدوا عيوبه ونقائصه، ويطلعوه عليها، ويعلموه بها; فهذا مما يبعثه للتنزه من العيوب، والتطهر من دنسها. بل ينبغي له أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والقبول، ويظهر له الفرح والسرور بما أطلعه عليه. بل المستحسن أن يجيز الذي يوقفه على عيوبه أكثر مما يجيز المادح على المدح والثناء الجميل، ويشكر من ينبهه على نقصه، ويتحمل لومته بفعله; فإنه إذا لزم هذه الطريقة، وعُرِفَ بها_أسرع أصحابه وخواصه إلى تنبيهه على عيوبه. وإذا نُبِّه على ما فيه من النقص أنف منه، واستشعر أن أولئك سَيُعِيِّرونه به، ويُصَغِّرونه من أجله; فيلزمه حينئذٍ أن يأخذ نفسه بالتنزه من العيوب، ويقهرها على التخلص منها; فإصلاح النفس لا يتم بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها
قال_عليه الصلاة والسلام _:=إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه+(1). وقال:=إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله+(2). فمن أعطي الرفق والخلق فقد أعطي الخير كله والراحة، وحسن حالُه في دنياه وآخرته. ومن حرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبلية إلا من عصمه الله http://www.anasudani.net/fourm/#_ftnref1([1]) رواه مسلم (2594) عن عائشة.
فالتواضع_في حقيقته_هو بذل الاحترام، والعطف، والمجاملة لمن يستحق ذلك. فالتواضع دليل على كبر النفس، وعلو الهمة، وهو سبيل لاكتساب المعالي، والترقي في الكمالات، فهو خلق يرفع من قدر صاحبه، ويكسبه رضا أهل الفضل ومودتهم، ويبعثه على الاستفادة من كل أحد، وينأى به عن الكبر والتعالي
فالناس خلقوا للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا لينفرد كل واحد بمرافق حياته. وللإنسان عوارضُ نفسيةٌ كالحب، والبغض، والرضا، والغضب، والاستحسان والاستهجان. فلو سار الإنسان على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشؤون في كل وقت وعلى أي حال_لاختل الاجتماع، ولم يحصل التعارف، وانقبضت الأيدي عن التعاون. فكان من حكمة الله في خلقه أن هَيَّأ الإنسان لأدب يتحامى به ما يحدث تقاطعاً، أو يدعو إلى تخاذل، ذلك الأدب هو المداراة. فالمداراة مما يزرع المودة والألفة، ويجمع الآراء المشتتة، والقلوب المتنافرة. والمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب، أو استنكار إلا في أحوال يكون الإشعار به خيراً من كتمانه. فمن المداراة أن يجمعك بالرجل يضمر لك العداوة مجلس، فتقابله بوجه طلق، وتقضيه حق التحية، وترفق به في الخطاب. قال أحد الحكماء:
وامنحه مالي وودِّي ونصرتي
وإن كان مَحْنيَّ الضُّلوعِ على بُغْضي
وقال الشافعي ×:
إني أُحَيِّي عدوي عند رؤيته
لأدفعَ الشرَّ عني بالتحِيَّاتِ
وأظهر البشرَ للإنسان أبغضُه
كأنه قد حشا قلبي محباتِ[font="][/font]
بل إن المدارة قد تبلغ إلى إطفاء العدواة، وقلبها إلى صداقة. فما أحوج المرء إلى هذه الخصلة الحميدة، خصوصاً مع من لا بدّ له من معاشرته، أو ممن يتوقع الأذى منه. قال ابن الحنفية:=ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بُدَّاً حتى يأتيه اللهمنه بالفرج أو المخرج+. وقال العتابي:=المداراة سياسة لطيفة، لا يستغني عنها مَلِكٌ ولا سُوْقَةٌ، يجتلبون بها المنافع، ويدفعون بها المضار، فمن كثرت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة+. وقال بعضهم:=ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح في الماء الجاري+. وقال الحسن:=حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة+. ومما ينسب لأمير المؤمنين عليٌّ ÷:
فإن للصدق آثاراً حميدة، وعوائد عديدة; فالصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى الحسنات، فهو دليل على حسن السيرة، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل. فبالصدق يشرف قدر المرء، وتعلو منزلته، ويصفو باله، ويطيب عيشه; فهو ينجي صاحبه من رجس الكذب، ووخز الضمير، وذل الاعتذار، ويحميه من إساءة الناس إليه، ونزع الثقة منه، كما أنه يكسبه عزة، وشجاعة، وثقة في النفس، فيظل موفور الكرامة، عزيز النفس، مهيب الجناب. ولا يمكن أن يستقيم لأحد سؤدد، ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولاً في القلوب، ما لم يرزق لسان صدق. ثم إن الصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر
فلا يحسن بالعاقل أن يسرف في لوم من أساء، خصوصاً إذا كان المسيء جاهلاً، أو كان ممن يندر وقوع الإساءة منه; فكثرة اللوم مدعاة للغضب، وغلظ الطبع. ثم إنها موجبة للعداوة، ومجلبة لسماع ما يؤذي. فالعاقل اللبيب لا يعاتب إخوانه على كل صغيرة وكبيرة، بل يلتمس لهم المعاذير، ويحملهم على أحسن المحامل. ثم إن كان هناك ما يستوجب العتاب فليكن عتاباً ليناً رفيقاً
فالوقيعة في الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم_مما يورث العدواة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعاً لذلك. بل إن ذلك مدعاة لأن يبحث الناس عن معايب ذلك الشخص.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه
ذموه بالحق والباطل
قالت أعرابية توصي ولدها:=إياك والتعرضَ للعيوب; فتتخذ غرضاً، وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام، وقلما اعتورت السهام غرضاً حتى يهيَ ما اشتدَّ من قوته+. وقال الأحنف÷:=من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون
فهذا يدعو لالتماس المعاذير، والكف عن إنفاذ الغضب، والبعد عن إساءة الظن. فالواحد منا_على سبيل المثال_ينزعج كثيراً إذا كان خلفه في السيارة شخص يطلق الأبواق، ونحن قد نقع موقعه ونفعل ما فعله، إما حرصاً على اللحاق بموعد مهم، أو أن يكون مع بعضنا مريض، أو نحو ذلك. فإذا وضعنا أنفسنا موضع الخصم وجدنا ما يسوغ فعله، فنُقْصِر بذلك عن الإساءة والجهل، ونحتفظ بهدوئنا وحلمنا. قال ابن المقفع:=أعدلُ السِّيَر أن تقيسَ الناس بنفسك; فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك+. قال ابن حزم ×:=من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه; فإنه يلوح له وجه تعسفه
فهذا الأمر من أعظم ما يربي على مكارم الأخلاق، وعلى رسوخها في النفس; فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه. والصداقة الشريفة تشبه سائر الفضائل من حيث رسوخُها في النفس، وإيتاؤها ثمراً طيباً في كل حين; فهي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاءً. فالجبان قد تدفعه قوة الصداقةِ إلى أن يخوض في خطر; ليحمي صديقه من نكبة. والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله; لإنقاذ صديقه من شدة. فالصداقة المتينة لا تحُلُّ في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، فيجلس إلى أصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعد ذلك متواضعاً حليماً. فإذا ما وفق المرء لصحبة الأَجِلاّء العقلاء من ذوي الدين والمروءة_فإن ذلك من علامات توفيقه وهدايته. فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللبِّ أن يبحث عن إخوان الثقات; حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر