يتبع ــــــــــــ " حديث سحر الرسول صلى الله عليه وسلم ":
ووقع في روايتنا هنا بالتنوين فيهما على أن لفظ " ذكر " صفة لجف، وذكر القرطبي أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع وهو للغشاء الذي يكون عليه، وبالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري قاله شمر، قال: ويقال أيضا للداخل الركية من أسفلها إلى أعلاها جف، وقيل هو من القطع يعني ما قطع من قشورها.
وقال أبو عمرو الشيباني: الجف بالفاء شيء ينقر من جذوع النخل.
قوله: (قال وأين هو؟ قال: هو في بئر ذروان) زاد ابن عيينة وغيره " تحت راعوفة " وسيأتي شرحها بعد باب، وذروان بفتح المعجمة وسكون الراء، وحكى ابن التين فتحها وأنه قرأه كذلك قال: ولكنه بالسكون أشبه.
وفي رواية ابن نمير عند مسلم " في بئر ذي أروان " ويأتي في رواية أبي ضمرة في الدعوات مثله، وفي نسخة الصغاني لكن بغير لفظ بئر، ولغيره " في ذروان " وذروان بئر في بني زريق، فعلى هذا فقوله: " بئر ذروان " من إضافة الشيء لنفسه، ويجمع بينهما وبين رواية ابن نمير بأن الاصل " بئر ذي أروان " ثم لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة فصارت " ذروان " ويؤيده أن عبيد البكري صوب أن اسم البئر " أروان " بالهمز وأن من قال " ذروان " أخطأ.
وقد ظهر أنه ليس بخطأ على ما وجهته.
ووقع في رواية أحمد عن وهيب وكذا في روايته عن ابن نمير " بئر أروان " كما قال البكري، فكأن رواية الاصيلي كانت مثلها فسقطت منها الراء، ووقع عند الاصيلي فيما حكاه عياض " في بئر ذي أوان " بغير راء قال عياض: هو وهم، فإن هذا موضع آخر على ساعة من المدينة، وهو الذي بني فيه مسجد الضرار.
قوله: (فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه) وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد " فبعث إلى علي وعمار فأمرهما أن يأتيا البئر " وعنده في مرسل عمر بن الحكم " فدعا جبير بن أياس الزرقي وهو ممن شهد على موضعه في بئر ذروان فاستخرجه " قال ويقال الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي، ويجمع بأنه أعان جبيرا على ذلك وباشره بنفسه فنسب إليه، وعند ابن سعد أيضا " أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله ألا يهور البئر " فيمكن تفسير من أبهم بهؤلاء أو بعضهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وجههم أولا ثم توجه فشاهدها بنفسه.
قوله (فجاء فقال يا عائشة) في رواية وهيب " فلما رجع قال يا عائشة " ونحوه في رواية أبي أسامة ولفظه " فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى البئر فنظر إليها ثم رجع إلى عائشة فقال " وفي رواية عمرة عن عائشة " فنزل رجل فاستخرجه " وفيه من الزيادة أنه " وجد في الطلعة تمثالا من شمع، تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيه أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألما ثم يجد بعدها راحة " وفي حديث ابن عباس نحوه كما تقدم التنبيه عليه، وفي حديث زيد بن أرقم الذي أشرت إليه عند عبد بن حميد وغيره " فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين " وفيه " فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل حتى قام كأنما نشط من عقال " وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غفرة معضلا " فاستخرج السحر من الجف من تحت البئر ثم نزعه فحله فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قوله: (كأن ماءها) في رواية ابن نمير " والله لكأن ماءها " أي البئر (نقاعة الحناء) بضم النون وتخفيف القاف، والحناء معروف وهو بالمد أي أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء.
قال ابن التين: يعني أحمر.
وقال الداودي.
المراد الماء الذي يكون من غسالة الاناء الذي تعجن فيه الحناء.
قلت: ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد وصححه الحاكم " فوجد الماء وقد اخضر " وهذا يقوي قول الداودي.
قال القرطبي: كأن ماء البئر قد تغير إما لرداءته بطول إقامته، وإما لما خالطه من الاشياء التي ألقيت في البئر.
قلت: ويرد الاول أن عند ابن سعد في مرسل عبد الرحمن بن كعب أن الحارث بن قيس هور البئر المذكورة وكان يستعذب منها وحفر بئرا أخرى فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرها.
قوله: (وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين) كذا هنا، وفي الرواية التي في بدء الخلق " نخلها كأنه رءوس الشياطين " وفي رواية ابن عيينة وأكثر الرواة عن هشام " كأن نخلها " بغير ذكر " رءوس " أولا، والتشبيه إنما وقع على رءوس النخل فلذلك أفصح به في رواية الباب وهو مقدر في غيرها.
ووقع في رواية عمرة عن عائشة " فإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه كأنه رءوس الشياطين " وقد وقع تشبيه طلع شجرة الزقوم في القرآن برءوس الشياطين، قال الفراء وغيره: يحتمل أن يكون شبه طلعها في قبحه برءوس الشياطين: لانها موصوفة بالقبح، وقد تقرر في اللسان أن من قال.
فلان شيطان أراد أنه خبيث أو قبيح، وإذا قبحوا مذكرا قالوا شيطان، أو مؤنثا قالوا غول، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي بعض الحيات شيطانا وهو ثعبان قبيح الوجه، ويحتمل أن يكون المراد نبات قبيح قيل إنه يوجد باليمن.
قوله: (قلت يا رسول الله أفلا استخرجته) في رواية أبي أسامة " فقال لا " ووقع في رواية ابن عيينة أنه استخرجه، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النشرة فأجابها بلا، وسيأتي بسط القول فيه بعد باب.
قوله: (فكرهت أن أثير على الناس فيه شرا) في رواية الكشميهني " سوءا " ووقع في رواية أبي أسامة " أن أثور " بفتح المثلثة وتشديد الواو وهما بمعني.
والمراد بالناس التعميم في الموجودين قال النووي: خشي من إخراجه وإشاعته ضررا على المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ونحو ذلك؛ وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة.
ووقع في رواية ابن نمير " على أمتي " وهو قابل أيضا للتعميم، لان الامة تطلق على أمة الاجابة وأمة الدعوة على ما هو أعم، وهو يرد على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد بن الاعصم لانه كان منافقا فأراد صلى الله عليه وسلم أن لا يثير عليه شرا لانه كان يؤثر الاغضاء عمن يظهر الاسلام ولو صدر منه ما صدر، وقد وقع أيضا في رواية ابن عيينة " وكرهت أن أثير على أحد من الناس شرا " نعم وقع في حديث عمرة عن عائشة " فقيل يا رسول الله لو قتلته، قال: ما وراءه من عذاب الله أشد " وفي رواية عمرة " فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف فعفا عنه " وفي حديث زيد بن أرقم " فما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك اليهودي شيئا مما صنع به ولا رآه في وجهه " وفي مرسل عمر بن الحكم " فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير " وقد تقدم في كتاب الجزية قول ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله.
وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أيضا أنه لم يقتله، ونقل عن الواقدي أن ذلك أصح من رواية من قال إنه قتله، ومن ثم حكى عياض في " الشفاء " قولين: هل قتل، أم لم يقتل؟ وقال القرطبي لا حجة على مالك من هذه القصة، لان ترك قتل لبيد بن الاعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الاسلام، وهو من جنس ما راعاه النبي صلى الله عليه وسلم من منع قتل المنافقين حيث قال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
قوله: (فأمر بها) أي بالبئر (فدفنت) وهكذا وقع في رواية ابن نمير وغيره عن هشام، وأورده مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام عقب رواية ابن نمير وقال " لم يقل أبو أسامة في روايته فأمر بها فدفنت".
قلت: وكأن شيخه لم يذكرها حين حدثه، وإلا فقد أوردها البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، كما في الباب بعده.
وقال في آخره " فأمر بها فدفنت " وقد تقدم أن في مرسل عبد الرحمن بن كعب " أن الحارث بن قيس هورها".
قوله: (تابعه أبو أسامة) هو حماد بن أسامة، وتأتي روايته موصولة بعد بابين.
قوله: (وأبو ضمرة) هو أنس بن عياض، وستأتي روايته موصولة في كتاب الدعوات.
قوله: (وابن أبي الزناد) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، ولم أعرف من وصلها بعد.
قوله: (وقال الليث وابن عيينة عن هشام في مشط ومشاطة) كذا لابي ذر، ولغيره " ومشاقة " وهو الصواب وإلا لاتحدت الروايات، ورواية الليث تقدم ذكرها في بدء الخلق، ورواية ابن عيينة تأتي موصولة بعد باب.
وذكر المزي في " الاطراف " تبعا لخلف أن البخاري أخرجه في الطب عن الحميدي وعن عبد الله بن محمد عن ابن عيينة، وطريق الحميدي ما هي في الطب في شيء من النسخ التي وقفت عليها، وقد أخرجه أبو نعيم في " المستخرج " من طريق الحميدي وقال بعده " أخرجه البخاري عن عبيد الله بن محمد " لم يزد على ذلك، وكذا لم يذكر أبو مسعود في أطرافه الحميدي، والله أعلم.
قوله: (ويقال المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط) هذا لا اختلاف فيه بين أهل اللغة، قال ابن قتيبة.
المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط، وكذا من اللحية.
قوله: (والمشاطة من مشاطة الكتان) كذا لابي ذر كأن المراد أن اللفظ مشترك بين الشعر إذا مشط وبين الكتان إذا سرح، ووقع في رواية غير أبي ذر " والمشاقة " وهو أشبه، وقيل المشاقة هي المشاطة بعينها، والقاف تبدل من الطاء لقرب المخرج، والله أعلم.
[align=center]

[/align][/size][/align]
